الثلاثاء , 22 أغسطس 2017

فلاديمير لينين :مالعمل “عفوية الجماهير ووعي الاشتراكية-الديموقراطية “الجزء الثاني

553043_579339752087975_1488208300_n

553043_579339752087975_1488208300_n

عفوية الجماهير ووعي الاشتراكية-الديموقراطية

لقد قلنا أن حركتنا أوسع وأعمق بكثير من حركة العقد الثامن، وأن من الضروري أن نبث فيها ما اتصفت به الحركة في ذلك الحين من تصميم ومن همة لا يعرفان حدودا. والواقع أنه لم يشك أحد حتى الآن، كما يبدو، في أن قوة الحركة المعاصرة تكمن في استيقاظ الجماهير (وبصورة رئيسية البروليتاريا الصناعية) وفي أن ضعفها يكمن في عدم كفاية وعي ومبادرة القادة الثوريين. بيد أنه قد ظهر في الآونة الأخيرة اكتشاف خارق يهدد بأن يقلب رأسا على عقب جميع النظرات السائدة حتى الآن بصدد هذه المسألة. وهذا الاكتشاف يعود فضله إلى “رابوتشييه ديلو”، التي لم تقتصر في جدالها مع “الإيسكرا” و”زاريا” على اعتراضات حول الجزئيات، بل حاولت أن تحصر “الخلاف العام” في جذر أعمق، في “الإختلاف في تقدير الأهمية النسبية للعنصر العفوي وللعنصر “المنهاجي الواعي”. وتصوغ “رابوتشييه ديلو” الإتهام كما يلي:”التقليل من أهمية العنصر الموضوعي أو العفوي في التطور”•. ونحن نجيب على ذلك: إذا كان جدال “الإيسكرا” و”زاريا” لم يعط البتة أية نتيجة غير حفز “رابوتشييه ديلو” إلى أن تذهب بتفكيرها إلى هذا “الخلاف العام”، فإن هذه النتيجة وحدها ترضينا كل الرضى ما دامت هذه الموضوعة عميقة في دلالتها، ما دامت تظهر بهذا الوضوح كل جوهر الخلافات النظرية والسياسية الحالية بين الاشتراكيين-الديموقراطيين الروس. ولذا تسترعي مسألة العلاقة بين الوعي والعفوية هذا الاهتمام الكبير العام، وينبغي تناول هذه المسألة بكل تفصيل.

أ) بدء النهوض العفوي

أشرنا في الفصل السابق إلى ولوع الشبيبة الروسية المتعلمة العام في منتصف العقد العاشر بالنظرية الماركسية. وفي ذلك الحين نفسه تقريبا، اتخذت إضرابات العمال مثل هذا الطابع العام بعد الحرب الصناعية المشهورة سنة 1896 ببطرسبورغ(46). وكان انتشار هذه الإضرابات في روسيا من أقصاها إلى أقصاها دليلا جليا على مبلغ عمق الحركة الشعبية الناهضة من جديد. وإذا ما أردنا الحديث عن “العنصر العفوي” فلا بد طبعا من الإعتراف بأن هذه الحركة الإضرابية كانت عفوية بالدرجة الأولى. ولكن هناك عفوية وعفوية. فقد حدثت إضرابات في روسيا كذلك في العقد الثامن وفي العقد السابع (وحتى في النصف الأول من القرن التاسع عشر) ورافقها تحطيم “عفوي” للماكينات وغير ذلك. وإذا قورنت إضرابات العقد العاشر بهذه “المشاغبات”، أمكن وصفها بـ”الوعي” لعظم الخطوة التي خطتها حركة العمال إلى الأمام في هذه الفترة. وهذا ما يوضح لنا أن “العنصر العفوي” ليس في الجوهر غير الشكل الجنيني للوعي. فالمشاغبات البدائية كانت تفصح منذ ذلك الحين عن نوع من استيقاظ الوعي: كان العمال يفقدون إيمانهم القديم بثبات الأوضاع التي ترهقهم وأخذوا… يحسون – ولا أقول يفهمون- ضرورة المقاومة الجماعية ويكفون بحزم عن الخنوع الذليل لأصحاب الأمر والنهي. ولكن ذلك كان على كل حال مظهرا أشبه باليأس والإنتقام منه بالنضال. أما إضرابات العقد العاشر فترينا من ومضات الوعي أكثر بكثير: فقد وضعت مطالب معينة وحسبت مسبقا اللحظة المناسبة وبحثت حوادث وأمثلة معروفة من المناطق الأخرى الخ.. ولئن كانت المشاغبات مجرد إنتفاضات أناس مظلومين، فإن الإضرابات المتوالية كانت مظهرا من مظاهر النضال الطبقي بشكله الجنيني، ولكن بشكله الجنيني لا أكثر ولا أقل. وإذا أخذنا هذه الإضرابات بحد ذاتها، وجدنا أنها كانت نضالا تريديونيونيا، ولم تصبح بعد نضالا إشتراكيا-ديموقراطيا. لقد أفصحت عن بروز التناحر بين العمال وأصحاب الأعمال، ولكن العمال لم يعوا ولم يكن من الممكن أن يعوا التضاد المستعصي بين مصالحهم وبين كل النظام السياسي والإجتماعي القائم، أي أنهم لم يحصلوا على الوعي الإشتراكي-الديموقراطي. وبهذا المعنى ظلت إضرابات العقد العاشر حركة عفوية محضا بالرغم من التقدم الكبير الذي تم بالقياس إلى “المشاغبات”. قلنا أن الوعي الإشتراكي-الديموقراطي لم يكن في الإمكان أن يوجد آنئذ لدى العمال، إذ أنه لا يمكن للعمال أن يحصلوا على هذا الوعي إلا من خارج نطاقهم. ولنا في تاريخ جميع البلدان شاهد على أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تكتسب بقواها الخاصة فقط غير الوعي التريديونيوني، أي الاقتناع بضرورة الانتظام في نقابات والنضال ضد أصحاب الأعمال ومطالبة الحكومة بإصدار هذه أو تلك من القوانين الضرورية للعمال، الخ.. أما التعاليم الاشتراكية، فقد انبثقت عن النظريات الفلسفية والتاريخية والاقتصادية التي وضعها المتعلمون من ممثلي الطبقات المالكة، وضعها المثقفون. إن مؤسسي الاشتراكية العلمية المعاصرة، ماركس وإنجلس، ينتسبان أيضا من حيث وضعهما الاجتماعي إلى المثقفين البرجوازيين. وكذلك الأمر في روسيا، فقد انبثق مذهب الاشتراكية-الديموقراطية النظري بصورة مستقلة تماما عن النهوض العفوي لحركة العمال، انبثق بوصفه نتيجة طبيعية محتومة لتطور الفكر لدى المثقفين الاشتراكيين الثوريين. وفي الحقبة التي نتحدث عنها، أي بحلول منتصف العقد العاشر، كان هذا المذهب قد جذب إليه أكثرية الشبيبة الثورية في روسيا فضلا عن أنه قد غدا برنامجا كامل التكوين لفرقة “تحرير العمل”. وهكذا كانت توجد في وقت واحد يقظة عفوية لجماهير العمال، يقظة إلى الحياة الواعية وإلى النضال الواعي، وشبيبة ثورية مسلحة بالنظرية الاشتراكية-الديموقراطية كانت تتحرق رغبة في التقرب من العمال. هذا ومن الهام جدا أن نثبت هنا واقعا، كثيرا ما ينسى (ولا يعرفه إلا القليل نسبيا)، وهو أن الرعيل الأول من الاشتراكيين-الديموقراطيين الذين انصرفوا بحمية في تلك المرحلة إلى التحريض الإقتصادي (آخذين بعين الإعتبار الملاحظات المفيدة حقا والواردة في كراس “في التحريض” الذي كان لا يزال مخطوطة آنئذ)، لم يعتبروه مهمتهم الوحيدة، بل لقد وضعوا أمام الاشتراكية-الديموقراطية الروسية منذ البدء أوسع المهام التاريخية بوجه عام ومهمة إسقاط الحكم المطلق بوجه خاص. ونقول على سبيل المثال أن جماعة الاشتراكيين-الديموقراطيين التي أسست في بطرسبورغ “إتحاد النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة”(47) قد أعدت منذ أواخر عام 1895 العدد الأول من جريدة اسمها “رابوتشييه ديلو”. وكان هذا العدد جاهزا تماما للطبع عندما صادره الدرك أثناء غارة شنها في ليلة 8 إلى 9 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1895 من عند أحد أعضاء الجماعة، وهو أناتولي الكسييفيتش فانييف. ولم تستطع “رابوتشييه ديلو” في شكلها الأول أن ترى النور. وقد رسمت افتتاحية هذه الجريدة (التي يحتمل أن تنتشلها من محفوظات مديرية الشرطة بعد حوالي ثلاثين سنة مجلة كمجلة “روسكايا ستارينا”(48)) المهام التاريخية التي تواجه الطبقة العاملة في روسيا ووضعت على رأس هذه المهام اكتساب الحرية السياسية. ويأتي بعد هذه الافتتاحية مقال: “بِمَ يفكر وزراؤنا؟”، وقد تناول تحطيم الشرطة للجان مكافحة الأمية، ومجموعة من الرسائل لا من بطرسبورغ وحدها، بل أيضا من مناطق أخرى في روسيا (مثلا عن مذبحة العمال في محافظة ياروسلافل(49)). وهكذا فإن هذه “التجربة الأولى” – إذا لم أخطئ – للإشتراكيين-الديموقراطيين الروس في العقد العاشر كانت عبارة عن جريدة ليس طابعها محليا ضيقا، وبالأحرى ليس “باقتصادي”، وقد سعت وراء ربط النضال الإضرابي بالحركة الثورية ضد الحكم المطلق وإلى استنهاض كل من يعاني نير سياسة الظلامية الرجعية إلى تأييد الاشتراكية-الديموقراطية. وليس من مجال للشك لدى كل مطلع على حالة الحركة في ذلك العهد ولو بعض الإطلاع، في أنه كان ينتظر هذه الجريدة انتشار واسع جدا وتأييد تام لدى عمال العاصمة والمثقفين الثوريين. أما إخفاق القضية، فإن برهن على شيء، فقد برهن على أن الاشتراكيين-الديموقراطيين في ذلك العهد كانوا عاجزين عن الإستجابة لمطلب الساعة، بسبب قلة تجربتهم الثورية ونقص استعدادهم العملي. والشيء نفسه ينبغي أن يقال عن “سانت بطرسبورغسكي رابوتشي ليستوك”(50) وبوجه خاص عن “رابوتشايا غازيتا” وعن “بيان” حزب العمال الإشتراكي-الديموقراطي في روسيا(51) الذي تأسس في ربيع 1898. وغني عن القول أنه حتى لا يخطر ببالنا أن نلوم مناضلي ذلك العهد على عدم الإستعداد هذا. ولكن، لكيما نستفيد من تجربة الحركة ولكيما نستخلص من هذه التجربة الدروس العملية، ينبغي لنا أن نفهم كل الفهم أسباب هذه النقيصة أو تلك ومغزاها. ولذا من الأهمية بمكان أن نثبت أن قسما (وربما الأكثرية) من الاشتراكيين-الديموقراطيين المناضلين في سنوات 1895-1898 كانوا يعتبرون، وهم في ذلك على حق، أن من الممكن آنئذ، في مستهل الحركة “العفوية” بالذات، التقدم بأوسع برنامج وأحدّ تكتيك للنضال. ولما كان عدم استعداد أكثرية الثوريين ظاهرة طبيعية تماما، لم يمكن لهذا الأمر أن يستدعي أي خشية جدية. وبما أن تعيين المهام كان صحيحا، وبما أنه قد وجدت الهمة لتكرار المحاولات بهدف تحقيق هذه المهام، فإن الإخفاقات المؤقتة لم تكن أكثر من نصف مصيبة. فالتجربة الثورية والمهارة التنظيمية أمران يكتسبان اكتسابا، والمهم أن يرغب المرء في تربية نفسه على الصفات المطلوبة! والمهم أن يعي المرء النواقص، وهو ما يعادل في العمل الثوري أكثر من نصف إصلاح الخطأ! ولكن نصف المصيبة غدا مصيبة كاملة عندما أخذ هذا الوعي يخبو (وقد كان هذا الوعي قويا جدا لدى العاملين في صفوف الجماعات المذكورة أعلاه)، وعندما ظهر أناس – وحتى صحف إشتراكية-ديموقراطية – مستعدون لأن يجعلوا من النقيصة فضيلة وحاولوا حتى أن يبرروا نظريا خضوعهم الذليل أمام العفوية وتقديسهم لها. وقد آن لنا أن نلخص نتائج هذا الإتجاه الذي يُحَدد، بابتعاد كبير عن الدقة، بتعبير “الإقتصادية” الذي هو أضيق من أن يعبر عن محتوى هذا الإتجاه.

ب) تقديس العفوية. “رابوتشايا ميسل”

قبل أن ننتقل إلى مظاهر هذا التقديس في المطبوعات نذكر الواقع التالي البليغ في دلالته (وقد بلغنا من المصدر المذكور أعلاه) والذي يلقي بعض الضوء مبينا كيف ولد ونما بين الرفاق العاملين في بطرسبورغ الخلاف بين الإتجاهين اللذين ظهرا فيما بعد في الاشتراكية-الديموقراطية الروسية. في أوائل سنة 1897 أتيح لفانييف ولبعض رفاقه أن يشتركوا، قبل إرسالهم إلى المنفى، في اجتماع خاص(52) التقى فيه “الشيوخ” و”الشباب” من أعضاء “إتحاد النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة”. وقد دار الحديث بصورة رئيسية حول التنظيم وبوجه خاص حول “النظام الداخلي لصندوق العمال”، النظام الذي نشر بصيغته النهائية في العدد 9-10 من ليستوك “رابوتنيكا”(53) (ص46). وقد ظهر على الفور خلاف كبير واحتدم الجدل بين “الشيوخ” (“الديسمبريين” كما كان يلقبهم آنذاك الإشتراكيون-الديموقراطيون في بطرسبورغ مازحين) وبين بعض “الشباب” (الذين تعاونوا فيما بعد بنشاط مع “رابوتشايا ميسل”). وقد دافع “الشباب” عن الأسس الرئيسية للنظام الداخلي بصيغته المنشورة. وقال “الشيوخ”: ليس هذا ما نحتاج إليه قبل كل شيء، إنما نحتاج إلى توطيد “إتحاد النضال” لكيما يصبح منظمة ثوريين تخضع لها مختلف صناديق العمال وحلقات الدعاية بين الشباب-الطلبة، الخ.. وغني عن القول أنه لم يخطر ببال المتجادلين أن يروا في هذا الخلاف فاتحة الإفتراق، بل اعتبروه على العكس شيئا منعزلا وطارئا. ولكن هذا الواقع يبين أن نشوء “الإقتصادية” وانتشارها لم يحدثا في روسيا كذلك بدون نضال ضد الاشتراكيين-الديموقراطيين “الشيوخ” (الأمر الذي كثيرا ما ينساه “الإقتصاديون” الحاليون). وإذا كان هذا النضال لم يترك في أكثر الحالات آثارا “وثائقية”، فالسبب الوحيد في ذلك أن تركيب الحلقات العاملة كان يتغير بسرعة كبيرة جدا وأنه لم تتكون أية استمرارية، فلم تسجل بالتالي اختلافات وجهات النظر في أية وثيقة. إن ظهور “رابوتشايا ميسل” قد أخرج “الإقتصادية” إلى وضح النهار، ولكن ليس دفعة واحدة أيضا. ينبغي للمرء أن يكوّن فكرة واضحة عن ظروف عمل العديد من الحلقات الروسية وقصر آجالها (ولا يستطيع ذلك إلا الذي جرب الأمر بنفسه) لكيما يفهم مدى الصدفة في نجاح أو إخفاق الإتجاه الجديد في مختلف المدن، وكيف أن أنصار هذا “الجديد” وخصومه على السواء، كانوا عاجزين مدة طويلة، عاجزين تماما عن تحديد ما إذا كان هذا إتجاهاً أصيلا حقا، أو أنه مجرد تعبير عن النقص في استعداد بعض الأشخاص. ونقول على سبيل المثال أن الاشتراكيين-الديموقراطيين بأكثريتهم الكبرى حتى لم يعرفوا شيئا على الإطلاق عن الأعداد الأولى من “رابوتشايا ميسل” المطبوعة على الرونيو؛ وإذا كنا نستطيع الآن أن نستشهد بافتتاحية عددها الأول، فما ذلك إلا بفضل إعادة نشرها في مقالة ف. إ. (54) (“ليستوك “رابوتنيكا” العدد 9-10، ص 47 وما يليها) الذي لم يلبث طبعا أن كال المديح بإفراط – بإفراط تجاوز المعقول – للجريدة الجديدة التي تختلف اختلافا بينا عن الجرائد ومشاريع الجرائد التي ذكرناها أعلاه•. وخليق بنا أن نقف وقفة عند هذه الإفتتاحية ما دامت قد أفصحت بمثل هذا الوضوح عن كامل روح “رابوتشايا ميسل” و”الإقتصادية” بوجه عام. بعد أن قالت الإفتتاحية أن ساعد صاحب الكم الأزرق(55) أعجز من أن يوقف تطور حركة العمال تستطرد قائلة: “… إن حركة العمال مدينة بمثل هذه الحيوية لكون العامل نفسه قد أخذ في النهاية مصيره على عاتقه بعد أن انتزعه من أيدي القادة”؛ ومن ثم تعالج هذه الفكرة الأساسية من جميع الوجوه. والواقع أن القادة (أي الاشتراكيين-الديموقراطيين منظمي “إتحاد النضال”) قد انتزعتهم الشرطة، كما يمكن القول، من أيدي العمال؛ هذا بينما توضع القضية بشكل يبدو منه أن العمال قد ناضلوا ضد هؤلاء القادة وتحرروا من نيرهم! وبدلا من النداء للسير إلى أمام، إلى توطيد التنظيم الثوري، وتوسيع النشاط السياسي، ارتفعت الدعوة للإرتداد إلى الوراء، إلى النضال التريديونيوني وحده. وأُعلن أن ” الأساس الإقتصادي للحركة يحجبه النزوع إلى عدم نسيان المثل الأعلى السياسي على الإطلاق”، وأن شعار حركة العمال هو “النضال من أجل الحالة الاقتصادية” (!) أو، وهو الأحسن، “العمال للعمال”؛ وأُعلن أن صناديق الإضرابات هي “أهم بالنسبة للحركة من مئة منظمة أخرى” (قارنوا هذا القول العائد لتشرين الأول (أكتوبر) سنة 1897 بجدال “الديسمبريين” و”الشباب” في أوائل سنة 1897) الخ.. ثم إن صيغاَ من نوع: ينبغي أن نضع في المقام الأول لا “نخبة” العمال، بل العامل “المتوسط”، العامل العادي أو من نوع: “السياسة تسير دائما بطواعية خلف الإقتصاد” الخ..، الخ.، قد غدت على الموضة وأصبح لها تأثير لا يقهر في الشبيبة التي انجرت إلى الحركة والتي لا تعرف من الماركسية في أكثر الحالات غير فقرات في صياغتها العلنية. وقد كان هذا تحطيما تاما للوعي من قبل العفوية، من قبل عفوية أولئك “الاشتراكيين-الديموقراطيين” الذين كرروا “أفكار” السيد ف.ف.، من قبل عفوية أولئك العمال الذين أغرتهم الحجة القائلة بأن زيادة كوبيك على روبل أغلى وأعز من كل اشتراكية وكل سياسة وأنه ينبغي لهم أن يقوموا “بالنضال مدركين أنهم إنما يناضلون لا من أجل أجيال مقبلة ما، بل من أجل أنفسهم ومن أجل أولادهم” (افتتاحية العدد 1 من “رابوتشايا ميسل”). إن أمثال هذه العبارات قد كانت على الدوام السلاح المحبب للبرجوازيين في أوروبا الغربية الذين – من كرههم للإشتراكية – انصرفوا بأنفسهم (على غرار “الاشتراكي-السياسي” الألماني غيرش) إلى غرس التريديونيونية الإنكليزية في تربتهم الوطنية قائلين للعمال أن النضال النقابي فقط هو نضال لأنفسهم ولأولادهم، لا لأجيال مقبلة ما مع اشتراكية مقبلة ما. وها نحن نرى السادة أضراب “ف.ف. رجل الاشتراكية-الديموقراطية الروسية” يكررون الآن هذه العبارات البرجوازية. ومن الهام أن نشير هنا إلى ثلاثة أمور ستفيدنا جدا في تحليلنا اللاحق للخلافات الراهنة. أولا، إن ما تحدثنا عنه بصدد تحطيم الوعي من قبل العفوية قد حدث كذلك بشكل عفوي. ويبدو ذلك من قبيل التلاعب بالألفاظ، ولكنه – ويا للأسف! – الحقيقة المرة. إنه لم يجر عن طريق نضال سافر بين مفهومين متعارضين كل التعارض وانتصار أحدهما على الآخر. بل عن طريق “انتزاع” الدرك للثوريين “الشيوخ” بعدد يتزايد باستمرار وعن طريق بروز عدد يتزايد باستمرار من “الشباب” أضراب “ف.ف. رجل الاشتراكية-الديموقراطية الروسية”. إن كل من اشتم هواء الحركة الروسية المعاصرة، ولا أقول اشترك فيها، يعلم خير العلم أن الأمر كان كذلك على وجه الضبط. وإذا كنا نلح مع ذلك إلحاحا خاصا على أن يدرك القارئ إدراكا تاما هذا الواقع المعروف من الجميع، وإذا كنا، قصد الإيضاح، إن جاز القول، نورد معطيات عن “رابوتشييه ديلو” في طورها الأول وعن الجدال الذي قام بين “الشيوخ” و”الشباب” في أوائل سنة 1897 – فما ذلك إلا لوجود أناس يتبجحون بـ”ديموقراطيتـ”هم مستغلين جهل الجمهور الواسع (أو الشباب الحديثي السن) لهذه الحقيقة. ولنا عودة إلى ذلك. ثانيا، يمكننا، مذ ظهرت “الإقتصادية” لأول مرة في المطبوعات، أن نلاحظ ظاهرة فريدة وبليغة في دلالتها من حيث فهم جميع الخلافات القائمة بين الاشتراكيين-الديموقراطيين في الوقت الحاضر، وهي أن أنصار “الحركة العمالية الصرف”، أنصار أوثق الارتباط “العضوي” (تعبير “رابوتشييه ديلو”) بالنضال البروليتاري، خصوم جميع المثقفين غير العمال (حتى ولو كانوا مثقفين اشتراكيين) يضطرون في الدفاع عن مواقفهم إلى الإلتجاء إلى حجج “التريديونيونيين – فقط” البرجوازيين. وهذا ما يبين لنا أن “رابوتشايا ميسل” قد أخذت منذ ظهورها تطبق – عن غير وعي- برنامج “Credo” (“الكريدو”). كما يبين هذا (وهو ما لا تستطيع “رابوتشييه ديلو” أن تفهمه) أن كل تقديس لعفوية حركة العمال، كل انتقاص من دور “عنصر الوعي”، دور الاشتراكية-الديموقراطية، يعني – سواء أراد المنتقص أم لم يرد، فليس لذلك أقل أهمية- تقوية نفوذ الإيديولوجية البرجوازية في العمال. إن كل من يتحدث عن “تقدير أهمية الإيديولوجية بأكثر مما تستحق”، عن المغالاة في دور عنصر الوعي• الخ.، يتصور أن الحركة العمالية الصرف تستطيع بحد ذاتها أن تصنع لنفسها وأنها ستصنع لنفسها بالتأكيد إيديولوجية مستقلة، وأن ذلك لا يتطلب غير قيام العمال “بانتزاع مصيرهم من أيدي القادة”. ولكن هذا خطأ فاحش. وبالإضافة إلى ما قلناه آنفا، نثبت هنا كلمات ك. كاوتسكي التالية الهامة والعميقة في صدقها، هذه الكلمات التي قالها بصدد مشروع البرنامج الجديد للحزب الاشتراكي-الديموقراطي النمساوي: “يحسب كثيرون من نقادنا المحرفين أن ماركس قد أكد أن التطور الإقتصادي والنضال الطبقي لا يخلقان ظروف الإنتاج الإشتراكي وحسب، بل يخلقان مباشرة أيضا وعي (إشارة التأكيد لكاوتسكي) ضرورته. وها هم هؤلاء النقاد يعترضون بأن إنكلترا، البلاد الأكثر تطورا من الناحية الرأسمالية، هي أبعد الجميع عن هذا الوعي. إن مشروع البرنامج يفسح مجالا للظن بأن اللجنة التي وضعت البرنامج النمساوي تشارك وجهة النظر هذه، التي يزعم أنها ماركسية أرثوذكسية، والتي يدحضها المثال المشار إليه. فقد جاء في المشروع: “بمقدار ما تتزايد البروليتاريا نتيجة للتطور الرأسمالي، تزداد اضطرارا إلى النضال ضد الرأسمالية وتحصل على إمكانية هذا النضال. وتصل البروليتاريا إلى إدراك” إمكانية الاشتراكية وضرورتها. وعلى هذا الأساس يبدو الوعي الاشتراكي نتيجة مباشرة محتومة للنضال الطبقي البروليتاري. وهذا غير صحيح على الإطلاق. صحيح أن الاشتراكية، بوصفها مذهبا، تستمد جذورها من العلاقات الإقتصادية الراهنة كشأن النضال الطبقي البروليتاري سواء بسواء، وأنها كالنضال الطبقي البروليتاري تنبثق من النضال ضد ما تسببه الرأسمالية للجماهير من فقر وبؤس. غير أن الاشتراكية والنضال الطبقي ينبثقان أحدهما إلى جانب الآخر، لا أحدهما من الآخر. إنهما ينبثقان من مقدمات مختلفة. فالوعي الإشتراكي الراهن لا يمكنه أن ينبثق إلا على أساس معارف علمية عميقة. وبالفعل أن العلم الإقتصادي الحديث هو شرط من شروط الإنتاج الإشتراكي، شأنه، مثلا، شأن التكنيك الحديث سواء بسواء. والحال أن البروليتاريا، بالرغم من كل رغبتها، لا تستطيع أن تخلق لا هذا ولا ذاك، فكلاهما ينشأ عن التطور الإجتماعي الحديث. هذا وان العلم ليس بيد البروليتاريا، بل بيد المثقفين البرجوازيين (حرف التأكيد لكاوتسكي): فالاشتراكية الحديثة نفسها قد انبثقت هي أيضا في رؤوس بعض أعضاء هذه الفئة، وقد نقلها هؤلاء إلى أكثر البروليتاريين تطورا من الناحية الفكرية، الذين أخذوا بعد ذلك يدخلونها في نضال البروليتاريا الطبقي حيث تسمح الظروف. وعلى ذلك كان الوعي الاشتراكي عنصرا يؤخذ من الخارج (von auben Hineigetragenes) وينقل إلى نضال البروليتاريا الطبقي، لا شيئا ينبثق منه بصورة عفوية (urwûchsig). ولهذا قيل في برنامج هينفيلد القديم، بحق تماما، أن مهمة الاشتراكية-الديموقراطية هي أن تحمل إلى البروليتاريا (حرفيا: تملأ البروليتاريا) وعي وضعها ووعي رسالتها. ولم تكن هناك من حاجة إلى ذلك، لو كان هذا الوعي ينبثق من النضال الطبقي من تلقاء نفسه. أما المشروع الجديد فقد أخذ هذه الفكرة من البرنامج القديم وربطها بالصيغة المثبتة أعلاه، الأمر الذي قطع بصورة تامة مجرى التفكير…”. ولما كان من غير الممكن حتى أن تكون ثمة إيديولوجية مستقلة تصنعها جماهير العمال نفسها في مجرى حركتها موضع بحث• فلا يمكن أن تطرح المسألة إلا بالشكل التالي: إما إيديولوجية برجوازية وإما إيديولوجية اشتراكية. وليس ثمة وسط بينهما (لأن البشرية لم تصنع إيديولوجية “ثالثة”، أضف إلى ذلك أنه في مجتمع تمزقه التناقضات الطبقية، لا يمكن أن توجد على الإطلاق أية إيديولوجية خارج الطبقات أو فوق الطبقات). ولذلك فإن كل انتقاص من الإيديولوجية الاشتراكية وكل ابتعاد عنها هو في حد ذاته بمثابة تمكين للإيديولوجية البرجوازية وتوطيد لها. ويتحدثون عن العفوية. ولكن التطور العفوي لحركة العمال يسير على وجه الدقة في اتجاه إخضاعها للإيديولوجية البرجوازية، يسير على وجه الدقة وفق برنامج “Credo” (“الكريدو”)، لأن الحركة العمالية العفوية هي التريديونيونية. هي Nur-Gewerkschaftlerei. وما التريديونيونية غير إخضاع العمال فكريا للبرجوازية. ولذا فإن واجبنا، واجب الاشتراكية-الديموقراطية، هو النضال ضد العفوية، هو النضال من أجل صرف حركة العمال عن نزوع التريديونيونية العفوي إلى كنف البرجوازية وجذبها إلى كنف الاشتراكية-الديموقراطية الثورية. ولذلك فإن عبارة واضعي الرسالة “الإقتصادية” في العدد 12 من “الإيسكرا”، هذه العبارة القائلة بأن جميع جهود الإيديولوجيين الأكثر إلهاما لا يمكنها أن تخرج حركة العمال عن الطريق الذي حدده لها تفاعل العناصر المادية والبيئة المادية، تعادل تماما التخلي عن الاشتراكية. ولو كان هؤلاء الكتاب قادرين على إمعان الفكر فيما قالوه، حتى النهاية، بصورة منطقية وبدون خوف، كما ينبغي أن يفعل كل من يبرز إلى مسرح النشاط الأدبي والاجتماعي، لما بقي عليهم أن يفعلوا غير “وضع أيديهم التي لا ضرورة لها على صدورهم الفارغة” و… ترك المسرح للسادة أمثال ستروفه وبروكوبوفيتش الذين يجرون حركة العمال في اتجاه “أهون السبل”، أي في اتجاه التريديونيونية البرجوازية، أو للسادة أمثال زوباتوف الذين يجرونها في اتجاه “إيديولوجية” الإكليروس والدرك.(59) تذكروا مثل ألمانيا. ما هي الخدمة التاريخية التي أداها لاسال لحركة العمال الألمانية؟ هي أنه صرف هذه الحركة عن طريق التريديونيونية التقدمية وطريق التعاونية الذي كانت تتجه إليه بصورة عفوية (بمساعدة لطيفة – قدمها أمثال شولتزه – ديليتش وأضرابهم. وقد تطلب القيام بهذه المهمة شيئا لا يشبه إطلاقا الانتقاص من أهمية العنصر العفوي والتكتيك-الحركة وتفاعل العناصر والبيئة وهلم جرا. لقد تطلب الأمر نضالا لا يعرف الهوادة ضد العفوية. ولم يمكن مثلا تحويل سكان برلين من العمال من دعامة للحزب التقدمي إلى حصن من خير حصون الاشتراكية-الديموقراطية إلا نتيجة نضال كهذا استمر سنين طويلة، وطويلة جدا. وهذا النضال لم ينته أبدا حتى الآن (كما قد يحسب الناس الذين يأخذون تاريخ الحركة الألمانية عن بروكوبوفيتش وفلسفتها عن ستروفه). فالطبقة العاملة الألمانية ما تزال حتى الآن منقسمة، إن صح التعبير، بين بضع إيديولوجيات: فثمة قسم من العمال متحد في نقابات العمال الكاثوليكية والملكية، وثمة قسم آخر متحد في نقابات هيرش-دونكر(60) التي أسسها البرجوازيون من أنصار التريديونيونية الإنكليزية، وقسم ثالث متحد في النقابات الاشتراكية-الديموقراطية. وهذا القسم الثالث هو أكبر بما لا يقاس من سائر الأقسام. ولكن الإيديولوجية الاشتراكية-الديموقراطية لم تستطع أن تحصل على هذا التفوق ولا تستطيع أن تحتفظ به إلا بالنضال المستمر ضد جميع الإيديولوجيات الأخرى. وقد يتساءل القارئ: لماذا إذن كانت الحركة العفوية، حركة الإتجاه نحو أهون السبل، تؤدي على وجه الدقة إلى سيطرة الإيديولوجية البرجوازية؟ ذلك لمجرد كون الإيديولوجية البرجوازية، من حيث منشؤها، أقدم من الإيديولوجية الاشتراكية بكثير، ولأنها وضعت بصورة أكمل من جميع الوجوه، ولأنها تتصرف بوسائل للنشر أكثر بما لا يقاس. وكلما كانت الحركة الاشتراكية حديثة في بلد من البلدان، كلما كان ينبغي أن يشتد تبعا لذلك، النضال ضد جميع المحاولات لتوطيد الإيديولوجية غير الاشتراكية، كلما كان ينبغي أن يشتد الحزم في تحذير العمال من نصحاء السوء الذين يصرخون ضد “المغالاة في تقدير أهمية عنصر الوعي” الخ… إن واضعي الرسالة “الإقتصادية” يرعدون ويبرقون في جوقة واحدة مع “رابوتشييه ديلو” ضد عدم التسامح الذي يميز الحركة في عهد طفولتها. ونحن نجيب على ذلك: أجل، إن حركتنا تجتاز حقا عهد طفولتها، ولكيما يشتد ساعدها بسرعة، ينبغي لها أن تُعدى حتما بعدوى عدم التسامح حيال الناس الذين يعيقون نموها بتقديسهم العفوية. ليس من شيء أسخف وأكثر ضررا من أن نجعل من أنفسنا شيوخا اجتازوا منذ عهد بعيد جميع مراحل النضال الفاصلة! ثالثا، يبين لنا العدد الأول من “رابوتشايا ميسل” أن اسم “الإقتصادية” (الذي لا نفكر طبعا بالعدول عنه، لأن هذا اللقب قد رسخ بشكل من الأشكال) لا يفصح بالدقة الكافية عن جوهر الإتجاه الجديد. ذلك أن “رابوتشايا ميسل” لا تنكر النضال السياسي إنكارا تاما: فالنظام الداخلي للصندوق، النظام المنشور في العدد 1 من “رابوتشايا ميسل”، يتحدث عن النضال ضد الحكومة. كل ما في الأمر أن “رابوتشايا ميسل” تحسب أن “السياسة تسير على الدوام بخنوع في أثر الإقتصاد” (أما “رابوتشييه ديلو” فتغير هذه الصيغة مؤكدة في برنامجها أن “النضال الإقتصادي وثيق الصلة في روسيا، أكثر مما في أية بلاد أخرى، بالنضال السياسي”). وصيغتا “رابوتشايا ميسل” و”رابوتشييه ديلو” هاتان غير صحيحتين بتاتا إذا فهمنا من كلمة السياسة – السياسة الاشتراكية-الديموقراطية. فكثيرا ما يحدث لنضال العمال الإقتصادي أن يكون على صلة (وإن لم تكن وثيقة) بالسياسة البرجوازية، بالسياسة الدينية، الخ.، كما سبق أن رأينا. وتكون صيغة “رابوتشييه ديلو” صحيحة إذا فهمنا من كلمة السياسة –السياسة التريديونيونية، أي الطموح المشترك بين جميع العمال إلى الحصول من الدولة على تدابير ما للتخفيف من المصائب التي تلازم وضعهم، ولكنها لا تزيل هذا الوضع، أي أنها لا تقضي على خضوع العمل لرأس المال. وهذا الطموح هو في الحقيقة مشترك بين التريديونيونيين الإنكليز الذين يقفون من الاشتراكية موقف العداء وبين العمال الكاثوليك والعمال “الزوباتوفيين” الخ.. ثمة سياسة وسياسة. وهكذا نرى أن موقف “رابوتشايا ميسل” من النضال السياسي أيضا ليس موقف إنكار له بمقدار ما هو موقف تقديس لعفويته، تقديس لعدم وعيه. فهي إذ تعترف تماما بالنضال السياسي الذي ينبثق بصورة عفوية من حركة العمال نفسها (أو الأصح: بتمنيات العمال ومطالبهم السياسية) ترفض كل الرفض أن تضع بصورة مستقلة سياسة اشتراكية-ديموقراطية خاصة تتفق والمهام العامة للاشتراكية والظروف الروسية الراهنة. وسنبين فيما يلي أن “رابوتشييه ديلو” تقترف كذلك هذا الخطأ.

ج) “جماعة التحرير الذاتي”(61) و”رابوتشييه ديلو”

إذا كنا حللنا بهذا التفصيل افتتاحية العدد الأول من “رابوتشايا ميسل” التي لا يعرفها غير القلائل والتي كادت تنسى في الوقت الحاضر، فذلك لأنها أفصحت قبل الجميع وبشكل أوضح من الجميع عن ذلك السيل العام الذي خرج فيما بعد إلى وضح النهار جداول صغيرة لا تحصى. لقد كان ف. أ. على تمام الحق عندما قال ممتدحا العدد الأول من “رابوتشايا ميسل” وافتتاحيتها أنها كتبت “بحمية وشدة” (“ليستوك “رابوتنيكا””، العدد 9-10، ص49). إن كل إنسان واثق من رأيه ويعتقد أنه آت بجديد يكتب “بحمية”، يكتب بشكل يعرب عن نظراته بجلاء. ولا يخلو من “الحمية” غير الناس الذين اعتادوا الجلوس بين كرسيين. وليس غير هؤلاء من يستطيع أن يمتدح في الأمس حمية “رابوتشايا ميسل” وأن يهاجم اليوم خصومها “لحميتهم في الجدال”. ودون أن نتوقف عند “الملحق الخاص لـ”رابوتشايا ميسل”” (وسيتأتى علينا أن نستشهد فيما يأتي في شتى المناسبات بهذا المؤلف الذي يفصح عن أفكار “الإقتصاديين” بأكثر ما يمكن من الانسجام) نتناول فقط باختصار “نداء جماعة تحرير العمال الذاتي” (آذار- مارس – سنة 1899، وقد أعيد نشره في “ناكانونيه”(62) بلندن، العدد 7 تموز- يوليو- سنة 1899). يقول واضعو هذا النداء وهم على تمام الحق أن “روسيا العمال لا تفعل الآن غير أن تستيقظ وتتلفت حولها وتتناول بصورة غريزية أول وسيلة من وسائل النضال تقع عليها يدها”؛ ولكنهم يخلصون من ذلك إلى نفس الاستنتاج غير الصحيح الذي خلصت إليه “رابوتشايا ميسل”، ناسين أن الغريزة هي عدم الوعي (العفوية) بالذات الذي ينبغي للإشتراكيين أن يخفوا لمساعدته، وأن “أول وسيلة تقع عليها يدها” من وسائل النضال هي على الدوام، في المجتمع الراهن، وسيلة النضال التريديونيونية، وأن أول إيديولوجية “تقع عليها يدها” هي الإيديولوجية البرجوازية (التريديونيونية). ثم إن واضعي هذا النداء لا “ينكرون” كذلك السياسة، إنما هم يقولون فقط (فقط!) في أثر السيد ف.ف. أن السياسة هي بناء فوقي ولذلك “ينبغي للتحريض السياسي أن يكون بناء فوقيا للتحريض على النضال الاقتصادي، ينبغي أن ينمو على صعيد هذا النضال وأن يسير في أثره”. أما “رابوتشييه ديلو” فقد بدأت نشاطها مباشرة بـ”الدفاع” عن “الإقتصاديين”. فبعد أن نطقت “رابوتشييه ديلو” بكذب جلي في عددها الأول بالذات (العدد1، ص ص 141-142) زاعمة أنها “لا تعلم عن أي الرفاق الشباب تكلم آكسيلرود” الذي حذر “الإقتصاديين” في كراسه المعروف•، اضطرت في مجرى احتدام الجدال مع آكسيلرود وبليخانوف بصدد هذا الكذب إلى الإعتراف بأنها “أرادت عن طريق التظاهر بالدهشة أن تدفع هذه التهمة الباطلة عن جميع الاشتراكيين-الديموقراطيين الأحدث سنا في الخارج” (اتهام آكسيلرود “للاقتصاديين” بضيق الأفق). والواقع أن هذا الاتهام كان صحيحا كل الصحة، وأن “رابوتشييه ديلو” كانت تعلم حق العلم أن الاتهام ينال فيمن ينال عضو هيئة تحريرها ف. ا. وأقول في هذا الصدد أن آكسيلرود كان على تمام الحق في هذا الجدال وأن “رابوتشييه ديلو” كانت على تمام الخطأ في تفسير كراسي: “مهام الاشتراكيين-الديموقراطيين الروس”. فقد كتبت هذا الكراس سنة 1897، أي قبل ظهور “رابوتشايا ميسل” وعندما كنت أعتقد وكان يحق لي آنذاك أن أعتقد أن التفوق للاتجاه الأولي الذي اتجهه “إتحاد النضال” في سانت بطرسبورغ، والذي حددت خصائصه آنفا. وقد كان هذا الإتجاه متفوقا في الحقيقة حتى منتصف سنة 1898 على الأقل. ولذلك كان لا يحق لـ”رابوتشييه ديلو” على الإطلاق أن تستشهد في دحضها لوجود “الإقتصادية” وخطرها، بكراس يعرض نظرات حلت محلها في سانت بطرسبورغ خلال سنتي 1897-1898 النظرات “الإقتصادية”.

بيد أن “رابوتشييه ديلو” لم تقتصر على “الدفاع” عن “الإقتصاديين”، ولكنها كانت هي نفسها تنزلق على الدوام إلى أخطائهم الأساسية. ومصدر هذا الانزلاق هو الفهم الملتبس للموضوعة التالية من برنامج “رابوتشييه ديلو”: “إن أهم ظاهرة في الحياة الروسية، الظاهرة التي من شأنها أن تكون العامل الرئيسي في تحديد مهام (حرف التأكيد لنا) الإتحاد وطابع نشاطه في مضمار المطبوعات هي في رأينا حركة العمال الجماهيرية (حرف التأكيد لـ”رابوتشييه ديلو”) التي ظهرت في السنوات الأخيرة”. لا مراء في أن الحركة الجماهيرية ظاهرة في منتهى الأهمية. ولكن كل القضية هي في كيفية فهم “تحديد المهام” من قبل هذه الحركة الجماهيرية. إذ يمكن أن يفهم ذلك على وجهين: يمكن أن يفهم إما بمعنى تقديس عفوية هذه الحركة، أي جعل دور الاشتراكية-الديموقراطية مجرد دور خادم لحركة العمال كما هي (هكذا تفهم ذلك “رابوتشايا ميسل” و”جماعة التحرير الذاتي” و”الإقتصاديون” الآخرون) وإما بمعنى أن الحركة الجماهيرية تفرض علينا مهام جديدة، نظرية وسياسية وتنظيمية، أعقد بكثير من المهام التي كان يمكننا أن نكتفي بها في المرحلة التي سبقت ظهور الحركة الجماهيرية. وقد كانت “رابوتشييه ديلو” ولا تزال تميل إلى المفهوم الأول بالضبط، لأنها لم تقل قط شيئا معينا عن أية مهام جديدة، بل كانت تحاكم على الدوام كما لو كانت هذه “الحركة الجماهيرية ” تخلصنا من ضرورة الإدراك الواضح لما تطرحه من مهام ومن ضرورة القيام بهذه المهام. وحسبنا أن نذكر بأن “رابوتشييه ديلو” كانت تعتبر من غير الممكن أن توضع مهمة إسقاط الحكم المطلق كمهمة أولى لحركة العمال الجماهيرية، وأنها هبطت بهذه المهمة (باسم الحركة الجماهيرية) إلى مستوى النضال من أجل أقرب المطالب السياسية (“الجواب”، ص25). لنترك جانبا مقال محرر “رابوتشييه ديلو” ب. كريتشيفسكي في العدد 7 – “النضال الإقتصادي والسياسي في الحركة الروسية”، هذا المقال الذي كرر نفس الأخطاء، ولننتقل مباشرة إلى العدد 10 من “رابوتشييه ديلو”. لن نحلل طبعا اعتراضات ب. كريتشيفسكي ومارتينوف على “زاريا” و”الإيسكرا” واحدا واحدا، إذ لا يهمنا هنا إلا الموقف المبدئي الذي وقفته “رابوتشييه ديلو” في العدد 10. لن نحلل مثلا الأمر الغريب التالي وهو أن “رابوتشييه ديلو” ترى “تناقضا أساسيا” بين هذه الموضوعة: “إن الاشتراكية-الديموقراطية لا تقيد يديها، لا تقيد نشاطها بأي مشروع أو أسلوب يوضع سلفا من مشاريع أو أساليب النضال السياسي، فهي تعترف بجميع وسائل النضال على أن تتلاءم وقوى الحزب الواقعية” الخ. (“الإيسكرا”، العدد 1). وبين الموضوعة التالية: “إذا لم توجد منظمة قوية متمرسة بالنضال السياسي وتحسن القيام به في جميع الظروف والمراحل فلا يمكن أن يكون موضع بحث أي مشروع للعمل، متماسك الأجزاء، موضح بمبادئ ثابتة، وينفذ باستقامة، مشروع يستحق وحده من دون سائر المشاريع تسميته بالتكتيك” (“الإيسكرا”، العدد 4). إن الخلط بين الاعتراف المبدئي بجميع وسائل النضال، بجميع المشاريع والأساليب، على أن تكون ملائمة، وبين المطالبة في ظرف سياسي معين بالاسترشاد بمشروع ينفذ باستقامة، – إن هذا الخلط، إذا كنا نريد الحديث عن التكتيك، هو أشبه بالخلط بين اعتراف الطب بجميع طرق العلاج مع مطالبته باتباع طريقة معينة لمعالجة مرض معين. ولكن القضية كلها في كون “رابوتشييه ديلو” المصابة هي نفسها بالمرض الذي سميناه نحن بتقديس العفوية، لا تريد أن تعترف بأية “طرق علاج” لهذا المرض. ولذلك توصلت إلى اكتشاف فذ، وهو أن “التكتيك-المشروع ينافي روح الماركسية من أساسها” (العدد 10، ص 18)، وأن التكتيك هو “سير نمو مهام الحزب التي تنمو مع نمو الحزب” (ص 11، حرف التأكيد لـ”رابوتشييه ديلو”). هنالك كل الإمكانيات لأن تصبح هذه الحكمة الأخيرة من الحكم المشهورة، لأن تصبح ذكرى “لاتجاه” “رابوتشييه ديلو” يعجز الدهر عن محوها. فعلى سؤال: “إلى أين نسير؟” تجيب الجريدة القائدة: الحركة هي مجرى تغير المسافة بين نقطة الانطلاق والنقطة التالية للحركة. إن هذا التفكير العميق منتهى العمق ليس من الطرائف وحسب (ولو كان الأمر كذلك لما كان خليقا بالوقوف عنده)، إنما هو أيضا برنامج اتجاه بأكمله: هو البرنامج الذي أعرب ر.م. (في “الملحق الخاص لـ”رابوتشايا ميسل””) بكلمات: المرغوب فيه هو النضال الممكن، والممكن هو الذي يجري في هذه البرهة. إنه بالضبط اتجاه الإنتهازية التي لا تعرف الحدود والتي تتكيف بصورة سلبية تبعا للعفوية. “التكتيك-المشروع ينافي روح الماركسية من أساسها!” ولكن هذا افتراء على الماركسية، إنه تحويل لها إلى صورة شوهاء تشبه تلك التي عارضنا بها الشعبيون(63) في حربهم علينا. إن هذا بالضبط تثبيط لمبادرة المناضلين الواعين وهمتهم، في حين أن الماركسية، على العكس من ذلك، حافز هائل لمبادرة الاشتراكي-الديموقراطي وهمته، فهي تكشف أمامه أوسع الآفاق، واضعة تحت تصرفه (إن أمكن التعبير) القوى الهائلة، قوى الملايين العديدة من أبناء الطبقة العاملة الناهضين “بصورة عفوية” إلى النضال! إن تاريخ الاشتراكية-الديموقراطية العالمية بأكمله زاخر بالمشاريع التي وضعها هذا أو ذلك من القادة السياسيين، مشاريع تبرز بصيرة البعض وصحة نظراته السياسية والتنظيمية وتكشف عن قصر نظر البعض الآخر وأخطائه السياسية. فعندما اجتازت ألمانيا انعطافا من أكبر الإنعطافات في تاريخها – تشكيل الإمبراطورية وفتح الريخستاغ ومنح الحق الانتخابي العام- كان لدى ليبكنخت مشروع للسياسة الاشتراكية-الديموقراطية والعمل الاشتراكي-الديموقراطي بوجه عام، وكان لدى شفيتزر مشروع آخر. وعندما انقض على الاشتراكيين الألمان القانون الاستثنائي، كان ثمة مشروع لدى موست وهاسيلمان المستعدين للدعوة صراحة إلى العنف والإرهاب، وكان ثمة مشروع آخر لدى هوخبيرغ وشرام ولدى برنشتين (جزئيا) الذين حاولوا وعظ الاشتراكيين-الديموقراطيين بأن القانون جاء نتيجة لشدتهم غير المعقولة وثوريتهم، وبأنه ينبغي عليهم أن ينالوا المغفرة بحسن السلوك؛ وكان ثمة مشروع ثالث لدى الذين أعدوا العدة لنشر جريدة سرية وحققوا ذلك(64). وعندما يلقي المرء نظرة إلى الوراء بعد انقضاء سنوات عديدة على انتهاء النضال حول مسألة اختيار الطريق الواجب اتباعه، وبعد أن قال التاريخ كلمته الأخيرة بصدد صحة الطريق الذي وقع عليه الاختيار، لا يصعب عليه طبعا أن يبرهن على عمق تفكير بقوله أن مهام الحزب تنمو مع نمو الحزب نفسه. ولكن الاكتفاء بعمق التفكير هذا في وقت البلبلة، في الوقت الذي يهبط فيه “النقاد” و”الإقتصاديون” الروس بالاشتراكية-الديموقراطية إلى مستوى التريديونيونية ويدعو فيه الإرهابيون بقوة إلى قبول “تكتيك-مشروع يكرر الأخطاء السابقة، – أقول أن الاكتفاء بمثل هذا العمق في التفكير في مثل هذا الوقت، يعني تسجيل المرء على نفسه “شهادة فقر حال”. وفي الوقت الذي أصيب فيه كثيرون من الاشتراكيين-الديموقراطيين الروس بنقص المبادرة والهمة على وجه الدقة، بنقص “المدى في الدعاية السياسية والتحريض السياسي والتنظيم السياسي”، بالنقص في “مشاريع” تنظيم العمل الثوري على نطاق أوسع – إن القول في مثل هذا الوقت أن “التكتيك-المشروع ينافي روح الماركسية من أساسها” لا يعني ابتذال الماركسية نظريا وحسب، بل يعني أيضا جر الحزب عمليا إلى الوراء. تعلمنا “رابوتشييه ديلو” بعد ذلك أن “واجب الإشتراكي-الديموقراطي الثوري ليس إلا تعجيل التطور الموضوعي بعمله الواعي، لا إلغاءه أو الاستعاضة عنه بالمشاريع الذاتية. و”الإيسكرا” تعرف كل ذلك من الناحية النظرية. ولكن الأهمية الكبرى التي تعيرها الماركسية، بحق، للعمل الثوري الواعي تحملها عمليا، نتيجة لنظرتها الجامدة إلى التكتيك، على التقليل من أهمية العنصر الموضوعي أو العفوي في التطور” (ص18). وها نحن مرة أخرى أمام تشويش نظري خارق خليق بالسيد ف. ف. وشركائه. بودنا أن نسأل فيلسوفنا: بم يمكن أن يتجلى “التقليل من أهمية” التطور الموضوعي لدى واضع المشاريع الذاتية؟ واضح أن ذلك يتجلى في كونه يغفل أن هذا التطور الموضوعي ينشئ أو يقوي، يهلك أو يضعف هذه أو تلك من الطبقات أو الفئات أو الجماعات، من الأمم أو مجموعات الأمم الخ.، مشترطا بذلك هذه أو تلك من تكتلات القوى السياسية العالمية ومواقف الأحزاب الثورية الخ.. ولكن خطأ مثل هذا الواضع لا يكون، والحالة هذه، التقليل من أهمية العنصر العفوي، بل، بالعكس، التقليل من أهمية العنصر الواعي، إذ ينقصه “الوعي” لفهم التطور الموضوعي فهما صحيحا. ولذلك فإن مجرد الكلام عن “تقدير الأهمية النسبية” (حرف التأكيد لـ”رابوتشييه ديلو”) للعفوية والوعي يكشف عن انعدام “الوعي” انعداما تاما. فلئن كان الوعي الإنساني يستطيع بوجه عام فهم بعض “عناصر التطور العفوية” فإن عدم تقديرها على الوجه الصحيح يعادل “التقليل من أهمية عنصر الوعي”. أما إذا كان الوعي عاجزا عن فهمها، فنحن إذن لا نعرفها وليس بوسعنا أن نتكلم عنها. فعم يتكلم، إذن، ب. كريتشيفسكي؟ إذا كان يعتبر “المشاريع الذاتية” التي وضعتها “الإيسكرا” مغلوطة (وهو يعلنها، على وجه الدقة، مغلوطة)، فقد كان عليه أن يبرز ما تغفله هذه المشاريع بالضبط من الوقائع الموضوعية وأن يتهم “الإيسكرا” لهذا الإغفال بعدم كفاية الوعي، بـ”التقليل من أهمية عنصر الوعي”، إذا استعملنا تعابيره. أما إذا كان غير راض عن المشاريع الذاتية ولا توجد لديه براهين غير الكلام عن “التقليل من أهمية العنصر العفوي” (!!) فهو لا يفعل أكثر من أن يبرهن بذلك أنه (1) من الناحية النظرية يفهم الماركسية à la كارييف وميخايلوفسكي وأضرابهما الذين سخر منهم بلتوف(65) بما فيه الكفاية، وأنه (2) من الناحية العملية راض كل الرضى عن “عناصر التطور العفوية” التي ساقت ماركسيينا العلنيين إلى البرنشتينية واشتراكيينا-الديموقراطيين إلى “الإقتصادية” وأنه “مغيظ حانق” على الناس المصممين على صرف الاشتراكية-الديموقراطية الروسية عن طريق التطور “العفوي” مهما كلفهم الأمر. وتأتي بعد ذلك أشياء مسلية جدا. “كما أن الناس سيستمرون في التكاثر على طريقة الأجداد بالرغم من كل النجاحات التي توصلت إليها العلوم الطبيعية، كذلك فإن ولادة نظام اجتماعي جديد – بالرغم من كل نجاحات العلوم الإجتماعية ونمو المناضلين الواعين- ستظل في المستقبل أيضا وبالدرجة الأولى نتيجة للانفجارات العفوية” (ص 19). وكما جاء في حكمة الأجداد: من ذا الذي نقصه العقل من أجل أن ينجب أطفالا، كذلك يقول “الإشتراكيون المحدثون” (à la نرسيس توبوريلوف(66)) في حكمتهم: لن ينقص أحد العقل من أجل الاشتراك في ولادة عفوية لنظام اجتماعي جديد. ونحن نعتقد أيضا أن أحدا لن ينقصه العقل. فلمثل هذا الإشتراك حسب المرء أن يستسلم “للإقتصادية” عندما تسود “الإقتصادية” وأن يستسلم للإرهابية عندما تنشأ الإرهابية. وهكذا، في ربيع هذه السنة، عندما كان من الهام جدا التحذير من الولع بالإرهاب، وقفت “رابوتشييه ديلو” وقفة الحائر أمام مسألة “جديدة” بالنسبة إليها. والآن، بعد مضي نصف سنة، عندما فقدت المسألة حدتها، تقدم لنا في وقت معا تصريحا: “نحن نعتقد أن مهمة الاشتراكية-الديموقراطية لا يمكن ولا ينبغي أن تكون الوقوف في وجه تعاظم الميول الإرهابية” (“رابوتشييه ديلو”، العدد 10، ص 23)، وقرار المؤتمر: “يعتقد المؤتمر أن الإرهاب الهجومي المنتظم ليس في حينه” (“مؤتمران”، ص 18). يا له من وضوح ومن ترابط! لا نقف في وجهه، ولكننا نعلن أنه ليس في حينه – ونعلن بشكل يجعل “القرار” لا يشمل الإرهاب الدفاعي وغير المنتظم. ولا بد من الإعتراف بأن هذا “القرار” لا ينطوي على أي خطر وهو معصوم من كل خطأ، كما يعصم من الخطأ من يتكلم لكي لا يقول شيئا! ولوضع مثل هذا القرار لا يحتاج المرء إلا لأمر واحد: أن يحسن التمسك بذيل الحركة. وعندما سخرت “الإيسكرا” من إعلان “رابوتشييه ديلو” مسألة الإرهاب مسألة جديدة •، غضبت آنئذ “رابوتشييه ديلو” وهاجمت “الإيسكرا” متهمة إياها قائلة: “إن “الإيسكرا” تطمع بصورة لا يتصورها العقل في أن تفرض على المنظمة الحزبية حلا لمسائل تكتيكية وضعه فريق من الكتاب المهاجرين منذ خمس عشرة سنة ونيف” (ص 24). ويا له، في الحقيقة، من ادعاء، يا له من غلو في عنصر الوعي: حل المسائل سلفا من الناحية النظرية لكيما يصار فيما بعد إقناع المنظمة والحزب والجماهير بصحة هذا الحل!• وكم يختلف الحال إذا اقتصر المرء على اجترار أشياء سبق قولها، وعلى الخضوع لكل “إنعطاف” سواء في اتجاه “الإقتصادية” أو في اتجاه الإرهابية، دون فرض أي شيء على أحد. ولا تحجم “رابوتشييه ديلو” حتى عن تعميم هذه الوصية العظمى لحكمة الحياة وتتهم “الإيسكرا” و”زاريا” بأنهما “تعارضان الحركة ببرنامجهما بوصفه روحا تحوم فوق هيولى لا صورة لها” (ص 29). فبم يتلخص، إذن، دور الاشتراكية-الديموقراطية إن لم يتلخص في أن تكون “روحا” لا تحوم فوق الحركة العفوية وحسب، بل ترفع هذه الحركة إلى مستوى “برنامجها”؟ لا يمكنه على كل حال أن يتلخص في الإنجرار في ذيل الحركة: فهو أمر في أحسن الحالات لا يفيد الحركة بشيء، وفي أردأ الحالات يسبب لها أكبر الضرر. أما “رابوتشييه ديلو”، فإنها لا تكتفي بالسير على هذا “التكتيك-الحركة” بل تجعل منه مبدأ بحيث يصبح الوصف الأصح لاتجاهاتها لا الإنتهازية، بل الذيلية (من كلمة ذيل). ولا بد من الإعتراف بأن الناس المصممين كل التصميم على السير دائما وأبدا خلف الحركة بصفة ذيل لها يأمنون على أنفسهم بصورة أكيدة وإلى الأبد من “التقليل من أهمية عنصر التطور العفوي”. * * * * *

وهكذا يتضح لنا أن الخطأ الأساسي الذي يقترفه “الإتجاه الجديد” في الاشتراكية-الديموقراطية الروسية هو تقديس العفوية، هو عدم فهمه أن عفوية الجماهير تتطلب منا نحن الاشتراكيين-الديموقراطيين قدرا كبيرا من الوعي. وكلما ارتفع نهوض الجماهير العفوي واتسعت الحركة، كلما ازدادت بأسرع بما لا يقاس الحاجة إلى قدر كبير من الوعي في عمل الاشتراكية-الديموقراطية النظري والسياسي والتنظيمي. وقد جرى نهوض الجماهير العفوي في روسيا (وما يزال يجري) بسرعة ظهرت معها الشبيبة الاشتراكية-الديموقراطية غير مستعدة للقيام بهذه المهام العظمى. وعدم الاستعداد هذا هو مصيبتنا العامة، مصيبة جميع الاشتراكيين-الديموقراطيين الروس. لقد تعاظم نهوض الجماهير واتسع باستمرار واطراد، وهو فضلا عن أنه لم يتوقف في الأماكن التي بدأ فيها، أخذ يشمل مناطق جديدة وفئات جديدة من السكان (فتحت تأثير حركة العمال، اشتد الغليان بين الطلاب والمثقفين بوجه عام وحتى بين الفلاحين). أما الثوريون فقد تأخروا عن هذا النهوض: ب”نظرياتـ”ـهم وبنشاطهم، ولم يفلحوا في تشكيل منظمة دائمة تعمل دون انقطاع، وقادرة على قيادة الحركة بكاملها. لقد أشرنا في الفصل الأول إلى أن “رابوتشييه ديلو” قد حطت من مهامنا النظرية ورددت “عفويا” الشعار الشائع -“حرية النقد”: إن الذين رددوا هذا الشعار لم يتحلوا بما يكفي من “الوعي” لأن يفهموا التضاد التام بين موقف “النقاد” الإنتهازيين وموقف الثوريين في ألمانيا وفي روسيا. وفي الفصول التالية سنبين كيف تجلى تقديس العفوية هذا في نشاط الاشتراكية-الديموقراطية التنظيمي وفي مهامها السياسية.

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات