الإثنين , 26 يونيو 2017

سعيد الوجاني – هل لا زال لمثيْقِف ( المثقف ) اليوم وعي طبقي

سعيد الوجاني – هل لا زال لمثيْقِف ( المثقف ) اليوم وعي طبقي 

يقول ماوتس تونغ في مجال الثقافة والوعي الطبقي والاجتماعي ” ان الثقافة كشكل ايديولوجي هي انعكاس للسياسة والاقتصاد في مجتمع محدد ، ولكنها تمارس بدورها فعلا ملحوظا على السياسة والاقتصاد في هذا المجتمع ” .
يتبين من هذه المقولة التي شغلت اليساريين طيلة السبعينات والثمانينات ، ولا تزال تشغل من لا يزال يؤمن بدور المثقف في الصراع الدائر في المجتمع ، ان الثقافة ليست معزولة عن المجتمع الذي تتفاعل بين ظهرانيه ، بل هي مرتبطة بالوضعية الطبقية وبالصراع الطبقي والسياسي والإيديولوجي ، حيث ينعكس على المستوى الثقافي ، الصراع الدائر في المجتمع ، ووجهات النظر الطبقية للطبقات المتصارعة كجزء وكامتداد للصراع الطبقي والاجتماعي ، وهي بدورها تفعل في ذلك الصراع وفي بنية المجتمع ككل . اذن هل المثقف المرتبط بالصراع الطبقي ، هو ينتمي اجتماعيا ومهنيا الى القوى التي تخوض هذا الصراع ، وهذا اذا افترضنا انه ينتمي فقط عقلا وعاطفة الى احدى قوى الصراع ، ام انه فقط ،ومن حيث طبيعة اشتغاله كمثقف برجوازي يتصرف كمحامي القضايا الخاسرة الذي يحشر نفسه في كل كبيرة وصغيرة حتى وان كانت تتعارض مع تطلعاته وآفاقه كبرجوازي مصالحه متعارضة مع مصالح العمال والفلاحين الذين يعتقد انه نذر نفسه للدفاع عن قضاياهم الاساسية ، رغم ان هؤلاء يجهلون بالمطلق وضعهم الطبقي ، ويتصرفون كأشخاص عاديين لا طبقيين . وهنا اليس اكبر عدو ل ( طبقة العمال والفلاحين ) غير الموجودة اصلا بالمفهوم الماركسي في بلادنا ، هم هؤلاء المشتغلين بالقلم والمحبرة والعقل ، والذين لا علاقة تجمعهم بالمطرقة والمنجل ؟ وهو ما يفيذ ان هؤلاء المثقفين البرجوازيين الذي قد ’يقبل بهم كمثقفين عضويين هم مثقفي قضية يتفلسفون فيها ، وليسوا مثقفي طبقة ( عمالية فلاحية ) ، هم اكبر اعداءها الطبقيين . وحين تغير هذا المثقف اجتماعيا بفعل المنافع وانخراطه التام في المشاريع الرسمية ، جف قلمه الذي كان قد نذره لقضية استخدمها للترف الفكري والإيديولوجي وأصبح من ثم عقله وفي غياب قضية ، عاقرا في ايجاد الاجوبة المطلوبة لسؤال الظرفية الحالية .
ان ارتباط الثقافة بالطبقات يجعل المهتمين المشتغلين بالشأن العام وعلى رأسهم الدولة الحاضنة لمختلف التناقضات الاجتماعية ومعارضيها ، يعملون جاهدين من اجل ان تسود ثقافة معينة مرغوبة بالمجتمع ، وان تؤدي الدور المنوط بها ، اي الدفاع عن مقومات الدولة ، في حين يبقي لباقي الطبقات الاخرى مثقوفها الذين يدافعون عن اهدافها ومطامحها السياسية التي اساسها الحكم ، رغم ادعاء الدفاع عن مصالح الطبقات المفروض ان هؤلاء المثقفون الثوريون ينتمون اليها ( العمال والفلاحين ) .
اذن كلما تقدم الوعي السياسي داخل مجتمع من المجتمعات ، كلما تقوى الحيّز الذي تشغله الثقافة المعبرة عنه ، او عن جزء منه والمرتبطة مع هذا الوعي . وإذا كان المثقف يشتغل بالفكر والقلم ، وليس بالمنجل والمعول او المطرقة ، فانه من المفروض انه ليس فوق المجتمع ، و فوق الطبقات ، بل هو وليد المجتمع ووليد الصراع الطبقي الذي يفعل فيه ، والمعبر عن طبقة معينة من الطبقات ضمن ايديولوجيا معينة ، وبالتالي فهو ينتمي ، او انه يجد نفسه محشورا ضمن الصراع الطبقي الاجتماعي ، ويعتبر نتاج اوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية وإيديولوجية في كل مرحلة تاريخية من تطور المجتمع الذي يعيش فيه وبين ظهرانيه .
ان المثقف الثوري الحقيقي والعضوي لا يخرج عن هذا الاطار ، فهو وليد صراع طبقي اجتماعي يعبر فيه عن ايديولوجية و آراء ثقافية بالنسبة للطبقات الثورية في المجتمع ، ولا يمكن بأي حال من الاحوال ان يوجد مثقف ثوري بدون طبقات ثورية في المجتمع ، ما دام الثقافي يبقى محكوما بأوضاع مادية ملموسة توجد في البنية التحتية للمجتمع وفي صلب الصراع الطبقي ، ومن هنا فان المثقف الثوري هو الذي يكتسب وعيا طبقيا ثوريا في المجتمع من خلال مساهمته الى جانب ( الطبقات الثورية ) في مواجهة الطبقات الرجعية المحافظة بهياكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية والثقافية ايضا ، فالوعي الثوري يتولد من خلال الصراع الطبقي نفسه ، من خلال الاصطدام المستمر بين الطبقات ( الثورية ) والطبقات المحافظة في المجتمع .
ولا يمكن ان يتكون مثقف ثوري بمعزل عن الصراع الطبقي والاجتماعي ، وعن المجتمع الذي يوجد فيه ، فالوعي الثوري الذي يجب ان يتوفر عليه المثقف الثوري يتولد من خلال الوعي بالواقع وتناقضاته التي تتجسد في التناقضات الطبقية المعبر عنها من خلال الصراع السياسي والاقتصادي الدائر بين الطبقات المتصارعة ، والنشاط الثقافي الذي يقوم به المثقف بما في ذلك اطلاعه على ثقافات وأفكار من خارج المجتمع الذي يعيش فيه ، تكون مساعدة فقط وتفعل فعلها من خلال الصراع الطبقي الداخلي .
ان الذي يدفع المثقف العضوي ليس هذه النظرية الخارجية او تلك ، هذا الموقف او ذاك ، ليس هو النشاط الثقافي المحض الذي يقوم عادة في شكل نزهة فكرية وتبريرات ذهنية يقوم بها المثقفون ، بل ان واقع الصراع الاجتماعي والطبقي في المجتمع والانتماءات الاجتماعية والطبقية هي التي تدفعه لتمثيل هذا الاتجاه او ذاك . وهذه مسألة لا تخص المثقف الثوري وحده ، بل هي عامة بالنسبة لجميع المثقفين سواء المحافظين او التقدميين او الثوريين . فمثقفو الطبقات المحافظة التي تسمى سياسيا رجعية في المجتمع يدخلون دائما نظريات وأفكار تلائم مصالحهم ومصالح الطبقات التي يمثلونها ، ولا يمكن ان ’يدمج في ثقافتهم كل ما يطّلعون عليه ، لان الذي يوجههم ليس هو الكتب ، بل المصالح الطبقية في المجتمع ، وهي التي تدفعهم لاقتباس من هنا او هناك ، فليس من قرأ ماركس او انجليز او لينين او ماو تسي تونغ يصبح ثوريا ، بل قد يوجد رجعيون محافظون بلبوس الثوريين ينهلون من كتب ماركس ليس بما يفيذ الماركسية ، بل من اجل مواجهة الفكر الثوري الماركسي الحقيقي في مجتمعهم . وهنا يكون الخلاف بين هذا الرأي وبين الرأي الذي عبر عنه عبدالله العروي واضحا ، فهو يعطي الاسبقية للعوامل الخارجية ، بل وقد يعتبرها حاسمة ، وهذه ( اهمية العوامل الخارجية على العوامل الداخلية ” الفكر والواقع ” ) التي تعتبر من المحاور الاساسية لفكر العروي وتطبيقها على المثقف الثوري ، ادت به الى اعتبار ان هذا الاخير لا يمكنه ان يظهر في المجتمع إلا عن طريق التأثير الخارجي ، ولولا هذا التأثير في نظره لاستحال ظهور المثقف الثوري في المجتمع العربي . وهذا تفكير مثالي للعروي من المثقف الثوري .
ان شروط نمو الوعي الثوري في المجتمع ترتبط وتتحدد من داخل المجتمع المعني نفسه ، والتأثير الخارجي لا يكون هو الحاسم ، بل يكون مساعدا فقط . فاذا اخذنا المغرب كمثال في السنوات الاخيرة ، فتجد ان نمو الوعي الثوري فيه في نهاية الستينات ارتبط بالتحولات التي عرفها المجتمع المغربي ، وتطور الصراع الطبقي الاجتماعي فيه منذ 1965 ، حيث عبر الثوار المثقفون عن طموح فعلي لتجاوز الفكر السياسي الاصلاحي ، وكأن عجز هذا الفكر عن تحقيق الطموحات الراديكالية المنتظرة هو الدافع القوي لظهور مثقفين ثوريين ، خرجوا عن دائرة الفكر الاصلاحي ، وارتبطوا فكريا وسياسيا بالطموح الثوري الذي عبرت عنه القوى الراديكالية في مارس 1965 . واذا كان لهزيمة 1967 من دروس ساهمت في نمو الوعي الثوري والمثقف الثوري في المجتمع العربي ، فذلك لأنها كانت تصب في نفس الاتجاه ، فكانت تؤكد عجز الفكر البرجوازي الاصلاحي عن تجسيد طموح الجماهير الكادحة العربية من التحرر من الصهيونية والإستعمار والهيمنة الإمبريالية .
واذا كان التعامل هنا مع هزيمة 1967 ضمن اطار الوطن العربي ، وارتباطها بشكل قومي ، ’يحظى بتأييد ومساندة الجماهيرالعربية ، فإن المغرب لم يعش الهزيمة عن قرب ، ولم يتأثر بها إلاّ من خلال كونها مشكلة قومية . وما كان لهزيمة النظام الناصري في سنة 1967 ان تولد بشكل مباشر او تلعب دورا حاسما في نمو الوعي الثوري بالمغرب .
واذا حاولنا البحث في مؤثرات خارجية اخرى مثل ماي 1968 في فرنسا ، الثورة الثقافية الصينية ، فلا نجدها كيفما كان حجمها ، وحتى ولو كان الاحتكاك بها قويا ( ماي 68 مثلا ) ذات تأثير حاسم في بروز المثقف الثوري في المغرب ، بل ان ما يجعل من تلك الاحداث مؤثرا ايجابيا في المغرب هو الواقع المغربي وتنتقضاته والصراع الطبقي والايديولوجي الاجتماعي والسياسي الذي عرفه المجتمع المغربي في تلك الفترة والذي افرز المثقف الثوري المغربي في سبعينات القرن الماضي .
فالمثقف الثوري المغربي هو اذن وليد المجتمع المغربي ولا يعلو عليه ، وهو نتاج صراع طبقي اجتماعي عرفه المغرب طيلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي ، وتبنيه لنظريات ومواقف من خارج المجتمع المغربي يلعب دورا مساعدا فقط . انه يستفيذ من كل الثقافات والافكار الثورية في العالم ، كما يعمل على الاستفادة من التجارب الثورية للشعوب ومساهمات مفكريها وقادتها الثوريين
، باعتبارهم عبّروا بالملموس عن الطموحات الثورية لشعوبهم وطبقاتها الثورية ، نظرا بالضبط لان تلك الافكار والمواقف وخلاصات التجارب تنسجم ومتطلبات الطبقات في المغرب .
هكذا إذن بالتأكيد سنجد ان الوعي الثوري في المجتمع ، هو وليد الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والايديولوجية والثقافية التي يعيشها ذلك المجتمع حيث أن بروز المثقف الثوري بنفسه مرتبط بتلك الظروف وبتوفر شروط طبقية يفرزها الصراع الطبقي والاجتماعي بالمجتمع ، وحدّة التناقضات بين الطبقات المحافظة والطبقات الثورية فيه . وما يجعل دور المثقف الثوري هاما في نمو الوعي الثوري في المجتمع هو انه يستطيع وبارتباط مع حركة الصراع الطبقي في المجتمع ، أن يعبر بشكل واعي عن كل ما يجري بشكل تلقائي وما يتولد موضوعيا في المجتمع من ممارسات الطبقات الثورية نفسها ، وتمثله الثقافة في المجتمع الذي يعيش فيه واطلاعه على ثقافات خارجية تساعده على ان يعبر فكريا بشكل واعي عن حركة الصراع الطبقي في المجتمعات والتحولات التي يعرفها وفي ارتباط وثيق مع تصاعد حدة الصراع الطبقي ، ومن هنا يساهم في تغدية الوعي الثوري المتنامي داخل الطبقات الثورية وفي مساعدتها على التحكم الواعي في مستقبلها وممارستها الثورية . فالثقافة كما عبر عن ذلك ماوتسي تونغ تستطيع ان تؤثر في السياسة كما في الاقتصاد ، وهنا يكون دور المثقف الثوري ايجابيا لانه يصارع الثقافات المحافظة الرجعية السائدة في المجتمع ، ويعري عن هويتها الطبقية في نفس الوقت الذي يستطيع فيه وبارتباط مع الممارسة الثورية ابداع مضامين واشكال تعبيرية تستجيب لمتطلبات النضال الثوري في كل مرحلة ، وتعبر عن الآمال والطموحات الثورية للجماهير ومسيرتها من اجل التحرر من الاستغلال والاضطهاد والقمع الثقافي .
ان اول مشكلة تعترض المثقف العربي هي الموقف من الثرات العربي ، من الماضي الثقافي ، وفي هذا الصدد نجد ثلاثة اتجاهات سائدة على مستوى الثقافة العربية :
— الاتجاه الاول هو اتجاه تقديس التراث : يرفض ممثلو هذا الاتجاه اي مس بالثرات او غربلته ويعتبرونه تجسيدا لكلمة الله ( السلفيون والاخوان ) ، وبالتالي فاي موقف انتقادي منه ’يدان او ’يرفض ، لان الامر يتعلق بالنسبة لهم ببنيان ايديولوجي يستمدون منه قداستهم وهيمنتهم في المجتمع ، وبالتالي يلعب التراث بالنسبة لهؤلاء دورا وقائيا ، او حاجز المناعة الذي يجعل من سيادتهم وصية إلآهية ينفذونها نيابة عن الله ( الاعدامات التي نفذتها القاعدة في العراق وسورية ) . لهذا يتشبثون بالثرات الماضي ( لله ) البريئ منهم ، ويعتبرونه في فترات ازدهاره تعبيرا عن اهليتهم الوارثة المسؤولية من الله عن البشر ( الحاكمية والوهابية ) .
وان المدافعين عن قداسة الثرات يمارسون ذلك من اجل خدمة مصالحهم حيث بسقوط قداسة التراث المزعومة سينكشفون عن حقيقتهم كمستغلين ومضطهدين للجماهير باسم الدين ، يخفون هويتهم بواسطة هالة تراثية مزعومة ، فهم اذن يتخذون من الايديولوجية الغيبية التي تمتد جذورها في الثرات العربي اداة للتعبير عن ذلك وحماية لمصالحهم الطبقية في المجتمع . ومن السداجة تصور ان المدافعين عن قداسة التراث يفعلون ذلك بحكم غموض الآفاق او بسبب تهديد خارجي كما يدعي العروي ، بل بسبب السيطرة والاستحواذ على الخيرات والمجتمع ، وفي هذا تدخل جميع الصراعات التي يخوضها الاخوان والسلفيون ضد الدولة وضد خصومهم السياسيين من يساريين وتقدميين ولبراليين .
ولقد سبق ان اوضحنا ان السلفية باعتبراها دعوة ايديولوجية رجعية للرجوع الى الاصول الدينية ، ارتبط ظهورها بظروف اجتماعية مر منها العالم العربي ( مرحلة مناهضة الاستعمار ) كما ارتبطت بمصالح طبقية برجوازية لا تزال ترتبط بها الى الآن ، بل وتلتف حولها بشكل اكبر مع احتداد الصراع الطبقي والاجتماعي ونمو الوعي التجديدي بالعالم العربي .
— الاتجاه الثاني هو الذي يرفض التراث العربي جملة وتفصيلا ، ويحمله كل المسؤوليات بصدد الأفول الذي يعيشه العالم العربي حاليا ، والمشاكل التي يتخبط فيها والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يعاني منه . ان هذا الاتجاه هو الذي يتبناه العروي فيلجئ الى بديل تراثي من خارج المجتمع العربي ، هو التراث الليبرالي ، فهو هنا يطرح المشكلة من خلال تبني الفكر الليبرالي الغربي ، وهذا الاتجاه يعتمد على منطلقات خاطئة تتمثل اساسا في عجز الفكر العربي عن الخروج من دائرة التفكير التراثي انطلاقا من الواقع العربي ، ويعتبر ان الحل الوحيد هو تبني وبشكل كلي التفكير الغربي والذي يسميه العروي ” استيعاب مكتسبات التفكير الليبرالي “، وينسى ان التفكير العربي لا يتغير إلاّ بارتباط مع تغيير الواقع العربي .
— اتجاه ثالث نفعي وهو الذي يتعامل مع التراث بشكل انتقائي ، فيقدمه على انه يحتوي الايجابي والسلبي ، ويجب اخذ الايجابي منه وترك السلبي ( وكأن الامر يتعلق ببضاعة ) . ان هذا الاتجاه نجده عند مفكرين محافظين رجعيين ، كما نجده عند مفكرين تقدميين . واذا كان الاتجاه التقدمي يحاول فعلا اكتشاف واحياء بعض الجوانب التقدمية في التراث ، فانه لا يختلف على مستوى المنهج مع الذي يتعامل مع التراث الفكري والتاريخي من منطلق طبقي ثوري .
اذن ، ان الاتجاهين معا الثاني والثالث يواجهان الموقف من التراث الذي يدافع عنه اصحاب الاتجاه الاول ، ومن هنا يلعبان دورا ايجابيا ، الا ان نظرتهم غير الطبقية ومنهجهم الانتقائي يجعلهما غير مؤهلين لمعالجة اشكالية التراث بشكل علمي .
ان النظرة للتراث العربي الفكري ، يجب ان تكون نظرة طبقية ، تطبق المنهج المادي الجدلي على الماضي والتراث العربي من خلال كونه تعبيرا عن صراع طبقي عرفته المجتمعات العربية كغيرها من المجتمعات البشرية . فليس المجتمعات العربية هي التي تواجه الآن وحاليا اشكالية التراث ، بل ان كل المجتمعات تواجهها ، كما ان المسألة ليست من خصوصيات المجتمع العربي وحده ، بل هي من خصوصيات جميع المجتمعات الكونية . واذا كانت مشكلة التراث تطرح اليوم على المجتمعات العربية بحدة ، فليس ذلك إلاّ تعبيرا عن احتداد الصراع الطبقي الذي يمتد الى المجال الايديولوجي والثقافي و الذي من احدى مميزاته ، تزايد التفاف ممثلي الطبقات المحافظة من اخوانية وسلفية ، حول التراث في مواجهتهم انتشار الفكر التقدمي والثوري المعارض . فعجلات الصراع الطبقي يزداد ضغطها ، ولهذا يهتز كيان عتاة الفكر الغيبي من تكفيريين واخوانيين وسلفيين ما انفكّوا ينبّهون من الفكر التجديد التنويري وقد بدا يتسع في اجتياح مقدساتهم وتعريتها في المجتمع على يد المثقفين المدافعين عن الخط الكادح .
فالماضي العربي هو تجسيد للصراع الطبقي والاجتماعي في التاريخ العربي ، مما يجعل التراث يطفو عليه فكر وإيديولوجية الطبقات المحافظة الرجعية التى سادت على امتداد التاريخ العربي ، وبالتالي هو مطبوع بإيديولوجيتها وتفكيرها التي عملت على سيادة فكرها في المجتمع ، وقمع كل فكر يناهض الفكر المعبر عن طموحات الجماهير الكادحة التي قاومت طبقيا وسياسيا الخرافة والأضرحة ، وابدعت انماطا من ثقافتها الخاصة التي تعبر عن مصالحها في حدود هيمنة الايديولوجية الغيبية الاقطاعية . ومن هذه الزاوية يجب التعامل مع التراث ، حيث من الضروري البحث عن الاسباب المادية الاجتماعية التي ادت الى سيادة الايديولوجية الغيبية الاقطاعية في التراث العربي منذ تسعينات القرن الماضي والتي انتهت ولأول مرة بدخول الاخوان المتحالفين مع السلفيين القصر الجمهوري بمصر ووصول عبدالاله بنكيران الى الوزارة الاولى ، وفي ارتباط وتنسيق مع البنية الطبقية للمجتمعات العربية ماضيا وحاضرا ، حيث ستستمر الطبقات المحافظة في الدفاع عن كل ما هو رجعي وغيبي في التراث وترفض ما عداه . وكما تمارس هذه الطبقات الحالية مصادرة ومطاردة الفكر التنويري التجديدي ، فلقد مارست الطبقات الاقطاعية في التاريخ العربي مصادرة كل فكر تجد فيه الجماهير الكادحة تعبيرا عن مصالحها ومطامحها واهدافها وكل ما يتعارض مع ايديولوجيتها الغيبية الرجعية والاقطاعية الاخوانية .
ان دراستنا للتراث يجب ان تستهدف تعرية التاريخ العربي الذي عادة ما يقدم وكأنه منسجم وخالي من الصراع الطبقي ، واكتشاف تناقضاته والقوانين المحركة له ، والكشف عن الاشكال التعبيرية التي مارستها الجماهير للتعبير عن طموحاتها ومتطلباتها في اطار المواجهة مع الفكر الغيبي الاقطاعي بمختلف تشعباته الاخوانية والسلفية . ان هذه مجرد افكار اولية نحو بلورة نظرة علمية للتراث ، وهنا من الضروري مناقشة افكار العروي من التراث الشعبي او الفلكلور ، لانه يحتقر التراث الشعبي وينظر اليه على انه تجسيد لتخلف الشعوب العربية ، وبالتالي فهو يرفضه ، وهذا الموقف للعروي ينسجم مع موقفه الذي يحتقر الجماهير ويراها متخلفة وغارقة في الاوهام ، كما ينفي ان يكون لها اي دور في عملية التغيير التجديدي للمجتمعات العربية ، وبالتالي تجاوز نزعة التقليد والخروج من دائرة الفكر الغيبي الاقطاعي الرجعي الاخواني السلفي . ان التراث الشعبي يعكس بشكل من اشكال الثقافة الشعبية ، وهو لذلك تجسيد في جوانب هامة من هذا التحدي الذي واجهت به الجماهير عملية القضاء على ثقافتها . لكن الطبقات الراكدة عملت على ادخال ذلك التراث ميدان التجارة ، فحولته الى بضاعة واخضعته الى قانون العرض والطلب ضمن علاقات التبعية وفي ارتباط مع السوق الامبريالية ، ومن ثم بدأت تقدمه في لوحات ترفيهية للمحتكرين والامبرياليين . ان هذه حقيقة لا يمكن انكارها ، والتعامل معها لا يكون تعاملا طبقيا ، وبالتالي فمن الضروري مواجهة هذا الهجوم الجديد الذي استهدف التراث الشعبي من اجل افراغه من تعبيره الطبقي ليشكل مصدر الربح .
ومن احدى لوازم الصفقات السياسية في العالم العربي وفي مواجهة هذا الواقع لا يجب ان تأييد مظاهر الايديولوجية المحافظة والإقطاعية التي تريد ارجاع العالم العربي الى انظمة الاستبداد التي انتهت بالفتنة الكبرى وما اعقبها من مآسي انسانية واجتماعية باسم تفسيرات متضاربة للتشريع ، حيث لا يتردد اللاهوتيون من البحث عن اي سند ( نظري ) في القرآن او السنة لتكريس الخنوع والطاعة للفقيه المتزمت الرجعي الذي يستعمل التشريع لخدمة طقوس غارقة في الرجعية ، هوفي الآن يجب العمل لخلق ثقافة تجديدية تعبر عن مطامح الطبقات التنويرية في المرحلة التاريخية الراهنة ، وتعتمد على طاقاتها الخلاقة وإمكانياتها الابداعية الثقافة ما دامت الثقافة لا تنفصل عن المجتمع ، بل ترتبط بالشروط المادية التي يعيشها . ، لذا فان الثقافة الجديدة التي تنمو منذ سنوات في اغلبية البلدان العربية ، ومن بينها المغرب ، ثقافة الديمقراطية الجديدة التي ترتبط مع هذه المهمة ، باعتبارها محور الصراع الطبقي في اغلبية بلدان العالم العربي حاليا. وكل ثقافة ديمقراطية ثورية تستجيب لتلك المهمة وتعكسها على المستوى الادبي والفني ، تساهم فعلا في المهمة الثورية المرحلية على الصعيد العربي من خلال التعبير عن كل القضايا التي تشملها تلك المهمة وما عداها فهو لا يستجيب لمتطلبات وطموح الجماهير العربية .
ان مهمة المثقفين الديمقراطيين التنويريين تتحدد من هذا المنطلق ، وفي ارتباط وثيق مع نمو الصراع الطبقي ، وتتأثر به وتؤثر فيه ، وتناهض كل ما يعارض طموحات الجماهير ويشوهها ويريد تكبيلها او تسخيرها بأي شكل من الاشكال لخدمة الطبقات المستغلة والحفاظ على امتيازاتها الفئوية والاجتماعية.
من هذه الزاوية تتصدر مهمة مواجهة الايديولوجية والثقافة الغيبية الرجعية الاقطاعية التي تخنق الوعي الثوري للجماهير وتحاول مصادرته وإجهاضه . هكذا يكون المثقف مندمجا في مجتمعه ، وليس غريبا عنه متغربا في انماط ثقافات لا علاقة لها بشرط المرحلة التاريخية التي تمر منها المجتمعات العربية والتي تتمثل في الصراع بين ثقافتين ، الثقافة التقليدية الاركاييكية من اخوانية وسلفية والثقافة الجديدة ، اي الثقافة الوطنية . ان التفتح على الثقافات العالمية يكون محددا بتلك الشروط التي تحكمه تلك الاهداف ، وليس انطلاقا من رغبات ذاتية برجوازية أنانية بتحكم المنهج الانتقائي الذي يتميز به كل المفكرين البرجوازيين . ان عدم الاستناد الى الشروط الموضوعية السياسية والاجتماعية التي تتحكم في المجتمع والمهمات المطروحة للتغيير الثوري للمجتمع من اجل خدمة مصالح الجماهير الكادحة فيه تؤدي بالمثقف الى التهاون والعزلة التي ليست إلا شكلا من اشكال التعبير البرجوازي الغارق في الانانية والفردية والذي يعيش على هامش الصراع الطبقي ، ويعجز عن المساهمة الايجابية فيه ، وهي ظاهرة يولدها الصراع في المجتمعات الرأسمالية والمجتمعات التبعية على السواء ، حيث تسود الايديولوجية البرجوازية الاقطاعية ويتحكم الراسمال في رقاب البشر . وفي الوقت الذي يولد فيه هذا الوضع وعيا ثوريا لدى المثقفين للجماهير الكادحة ، نجد بعض المثقفين الصغار يلتجئون الى الغربة واليأس ، وبالتالي يعيشون على هامش المجتمع يجترون المآسي والأحزان حيث يجدون نهايتهم الفعلية .
ان الثقافة لا تنشأ ولا تنتشر إلا في ارتباط مع حركة الطبقات الثورية في المجتمع ، والمثقف الثوري التنويري لا يمكنه ان يكون كذلك إلا اذا التزم بجانب الطبقات الفاعلة وعبر عن آمالها وآلامها من خلال اندماجه في حركتها فكرا وممارسة.
اذا كانت هذه الارضية تشكل المبادئ العامة التي يتعين على كل مثقف ثوري الالتزام بها ، فما هي حدود المثقف المغربي الذي ينتسب الى الثقافة الماركسية او التقدمية او انه يعتقد انه مندمج حتى النخاع في المشروع الطبقي الذي يناضل من اجل تحقيقه ؟
بداية وبالرجوع الى ادبيات اليسار الماركسي والثوري ، فان استعمال كلمة ” طبقة ” يعني ” الطبقة العاملة ” . والمثقف المغربي يكون قد تأثر هنا بجميع الادبيات السياسية للحركة الشيوعية العالمية بخصوص الطبقة العاملة التي يبشرون بفرض دكتاتوريتها على جميع الطبقات التي يتكون منه المجتمع . وهنا نتساءل : هل المثقف الثوري المغربي والعربي انطلق من الخصوصية المحلية ، او انه انغمس ومن دون ان يشعر في الثقافة الاممية الثورية كموضة لا تتجاوب مع الشروط التقليدية التي تفعل في البلد المحلي ؟
بطبيعة الحال ان التمعن في التركيبة ( الطبقية ) للمجتمع العربي والمغربي تنفي بالتمام وجود طبقة عاملة بالمفهوم الماركسي اللينيني ، اي طبقة ثورية مستعدة في كل حين لتحطيم اغلال الاستغلال والعبودية ، لكن الذي صدم المثقف المغربي والعربي هو الكبوات التي سقطت فيها التنظيرات الماركسية ” يا عمال العالم اتحدوا ” . ان الثورة بالمفهوم الماركسي حصلت في روسيا الفلاحية وليس في اوربة الصناعية ، وهو ما يطرح السؤال عن السبب في اعتماد ماوتسي تونغ في ثورته التحريرية على الفلاحين وليس على العمال الذين وعدهم ماركس بمستقبل زاهر لم يحلموا به الى اليوم
. فإذا كانت الثورة الماركسية قد تحققت في روسيا الفلاحية ، وليس في اوربة الصناعية ، واذا كانت الصين قد اعتمدت على الفلاحين وليس العمال في ثورتها ، واذا كانت الطبقة العاملة الاوربية قد فقدت حسها الثوري حين اندمجت في النظام الرأسمالي ،،، وهو ما يعني ان هذه الطبقة قد ظلت متخلفة وبعيدة عن التأثير في مركز القرار الذي احتكرته البرجوازية الصغيرة في الاحزاب الشيوعية ،، فماذا يمكن قوله عن ترديد مقولات ” الطبقة العاملة ” العربية والمغربية ؟. بمعنى اكثر وضوحا ، هل توجد في المغرب وبالعالم العربي طبقة ثورية تسمى ” الطبقة العاملة ” ؟ كما سطرت ذلك الكتابات الماركسية .
ان من يسمون عمالا بالمفهوم الماركسي غير موجودين بالمغرب ولا بالبلاد العربية . ان هؤلاء لا يشعرون انهم يكونون طبقة ’مستغلة ، كما انهم لا يشعرون انهم فئة متميزة بالمجتمع ، ان شعورهم غير طبقي ، بل هو شعور جماهيري او شعبي ، ومن ثم لا يشعرون بالتمايز الذي يوجب عليهم السيطرة على الحكم كطبقة لتطبيق دكتاتوريتها . ان ما يسمى بالطبقة العاملة المغربية هي التي صوتت لحزب العدالة والتنمية في المغرب ، وهي التي صوتت للإخوان المسلمين بمصر ، وصوتت للإخوان في تونس ، وتدعم الحركة الاخوانية في ليبيا . ان هذه ” الطبقة ” تؤمن بالغيب وبالسحر والشعوذة ، و تتردد على المساجد ، وتزور الاضرحة والقبور ، وتتمسك بالتقليد ، وترفض بل تعادي الفكر الماركسي والماركسيين الذين يعتقدون انهم وهبوا انفسهم للدفاع عنها ، بل ان هذه ” الطبقة ” شاركت الدولة عند البحث عن ثوار 3مارس 1973 و 16 يوليوز 1963 وعند البحث عن الفارين من معتقل السري النقطة الثابتة رقم 3 … وبالوضوح ، ماذا يجدي مثلا تفهيم عامل ’مبلّد ومتدين بطريقة كركوزية وليس عقلانية ، بأن صاحب المعمل يستأثر بقسم من عمله وأتعابه ، اذا كان هذا العامل يؤمن بان الاستغلال هو من ” قضاء الله وقدره ” ، او ” امتحان ” في الحياة الدنيا ، او جزاء لما اجترمه من آثام في ” الاجيال السابقة ” من حياته وغيرها ؟ . او ان الله هو الذي قدر له الفقر وقدر للرأسمالي البرجوازي الخير والمنفعة . او ان المصائب التي تصيب الانسان هي من فعل الله وليس من فعل البشر بسبب الاخطاء والجرائم المتعمدة ؟ وهل الله لا يسلط على عبده الضعيف غير المصائب التي ابتلي بها ؟ ان الله لا يسبب للبشر غير الخير وليس الشر . ان هذا من فعل وإنتاج انساني بامتياز بسبب المرض الذي يصيب النفوس والعقول بفعل التربية والمناخ والمسار وظروف العيش البئيسة والفقيرة .
لذا فاذا كانت ظروف الحال طيلة الستينات قد انجبت المثقف الثوري المغربي في بداية السبعينات ، فان ظروفه التي فعلت فيها الى جانب العوامل الداخلية عوامل خارجية ، جعلت منه ملتصقا بالقضايا فكريا كبرجوازي صغير يشتغل بالقلم والريشة وليس بالمنجل والمعول والمطرقة ، وهي الوسائل التي ظلت حكرا على المشتغلين ( العمال ) كجزء دائب في المجتمع ( جماهير – شعب ) وليس كطبقة متميزة ظلت ترددها اسطوانات الماركسيين المثقفين الذين منهم اليوم من قطع مع جذور النشأة ، ومنهم من تراجع عنها ، والأقلية التي لا تزال متمسكة بتلك الجذور تنظر خارج مدارات الزمن وقوانينه الجديدة

سعيد الوجاني 

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات