الأربعاء , 18 أكتوبر 2017
مهدي عامل :نقد اليساريَّة

مهدي عامل :نقد اليساريَّة

نقد « اليساريَّة »
الغموض في الأفكار نراه هنا في عدم التمييز بين مختلف ممارسات الصراع الطبقي. إن هذا التمييز بالذات هو الذي يسمح لنا بتحديد لطابع الثوري أو المغامر أو الإصلاحي لممارسة الصراع الطبقي بشكل عام. والطابع المغامر هو الوجه الآخر للطابع الإصلاحي في ممارسة الصراع الطبقي، فلا تناقض بين الإثنين إلا في الظاهر، لأن الإثنين يخضعان لمنطق واحد هو منطق الغموض في عدم التمييز بين المستويات البنيوية في ممارسة الصراع الطبقي. وكما أن الإصلاحية تقوم في أساسها النظري على إظهارالاقتصادي على أنه الصراع الصراع السياسي ، كذلك « اليسارية » فهي تقوم في أساسها النظري على إظهار كل شكل من أشكال الصراع الطبقي على أنه الصراع السياسي نفسه، لا الشكل التاريخي المحدد له. وفي كلتا الحالتين، تكون الممارسة السياسية الفعلية للصراع الطبقي غائبة عنه، لغيابها عن مستواه البنيوي في تحركها الظاهري بالذات كممارسة سياسية، ولغياب الممارستين الأيديولوجية والاقتصادية أيضا عن مستوييهما في تحركهما كممارسة سياسية، لا كممارسة أيديولوجية أو اقتصادية. معنى هذا أن « اليسارية » كالإصلاحية، تقود بالفعل إلى شل حركة الممارسة ،السياسية نفسها للصراع الطبقي، لأنها تريد أن تمارسه، في كل لحظة من تطوره، ممارسة سياسية، وإن كانت الشروط التاريخية المحددة لتطوره تفرض بالضرورة شكلا لممارسته غير سياسي، أيديولوجيا أو اقتصاديا. لهذا السبب بالذات يظل التسييس الذي تريده « اليسارية »لأشكال الصراع الطبقي تسييسا لفظيا. وعجز « اليسارية » عن تسييس الصراع الطبقي، أي عن دفعه إلى التحرك الفعلي على مستواه البنيوي، يكشف لنا في الحقيقة طبيعة الممارسة السياسية الخاصة بمتثوري البورجوازية الصغيرة. ودحض لينين لأيديولوجية من كان يسميهم بأصحاب الجملة الثورية، كان في محله، لأن الأساس النظري لعجز هؤلاء المتثورين يكمن في إظهار ممارستهم الأيديولوجية للصراع الطبقي على أنها الممارسة السياسية نفسها لهذا الصراع. حين يظهر الصراع الأيديولوجي بمظهر الصراع السياسي، أو بالاحرى حين يمارس على أنه الصراع السياسي نفسه، لا شك في أن الممارسة السياسية للصراع الطبقي تصير مغامرة. وكأن الثورة شطحة من شطحات الفكر.ولشطحات الفكر هذه شروطها التاريخية المحددة أيضا. حين تكون البنية الاجتماعية في مرحلة من التطور غير ثورية، أي حين تتطور في إطار زمانها البنيوي، يصعب على الفكر، عند صغار المفكرين من يساريي البورجوازية الصغيرة، أن يظل بالفعل ثوريا، ويسهل عليه جدا أن يصير مغامرا. ففي غفلته عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي تحدد نشاطه وفعاليته، قد يميل الفكر، عن يأس وعجز، إلى المغامرة بالثورة، وقد يشتط في مغامرته، إلا أنه يرتد دوما خائبا، لأن للثورة شروطها، ولأن منطق الواقع لا يخضع لإرادة الفكر الذاتية، بل يهزأ منه حين يشتط الفكر في رفضه له. إن ظهور ممارسة الصراع الطبقي بمظهر الممارسة الأيديولوجية أو الاقتصادية، شيء طبيعي في تطور الحركة الثورية، أما إظهار ممارسته الأيديولوجية بمظهر الممارسة السياسية، فمرض طفولي في هذه الحركة يستدعي المعالجة، أي النقد الثوري، كما تستدعي الإصلاحية ذلك. ووجود ظاهرة هذا المرض الطفولي يدل في حد ذاته على أن الممارسة الأيديولوجية للطبقة المسيطرة هي الممارسة المسيطرة في الصراع الأيديولوجي، لسيطرة ممارستها السياسية بالذات في تطور الصراع الطبقي. وهو يدل من جهة أخرى- وهذا ما يهمنا الآن في هذه الظاهرة- على أن الممارسة الأيديولوجية للصراع الطبقي تحدد ممارسته السياسية إلى درجة قدرتها على شل حركة هذه الممارسة نفسها. معنى هذا أن تحرر الممارسة السياسية للصراع الطبقي من سيطرة أيديولوجية الطبقة المسيطرة شرط ضروري لتطور الحركة الثورية، لأن هذا التحرر هو الطريق الضروري الذي يمهد ويقود إلى التحرر من السيطرة الطبقية لهذه الطبقة المسيطرة.هنا نرى كيف أن تطور التناقض الأيديولوجي في البنية الاجتماعية يحدد بالفعل تطور التناقض السياسي فيها، برغم كونه، أو بالاحرى لكونه شكلا تاريخيا محددا لظهوره، كالمستوى السياسي يحدد، في تطوره التناقضي، كما رأينا، تطور المستوى الاقتصادي نفسه من حيث هو المستوى المحدد في النهاية لمختلف المستويات البنيوية. فالطبقة الثورية لا شك تفشل في أن تكون ثورية في ممارستها السياسية للصراع الطبقي، حين تخوض صراعها هذا بأيديولوجية غير ثورية، إصلاحية مثلا، أي بأيديولوجية خاضعة لسيطرة أيديولوجية الطبقة المسيطرة. وهذا سبب رئيسي، إن لم يكن السبب الأول، في فشل كثير من الحركات الثورية في المجتمعات الكولونيالية، كبلادنا العربية مثلا.إن العائق الرئيسي لتطور الحركة الثورية في هذه المجتمعات، هو كون الطبقة العاملة تمارس صراعها الطبقي، في الشروط التاريخية الخاصة بهذه المجتمعات الكولونيالية، بأيديولوجية تخضع إلى حد ما لسيطرة أيديولوجية البورجوازية الصغيرة. فالطابع الثوري للممارسة السياسية يتحدد في البدء في إطار الصراع الأيديولوجي قبل أن يتحدد في إطار الصراع السياسي، فانتفاؤه من الممارسة الأيديولوجية يحدد انتفاءه من الممارسة السياسية، إذ لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية
مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني
مهدي عامل

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات