الإثنين , 26 يونيو 2017
فلاديمير لينين : مسألة القوميات أو الاستقلال الذاتي

فلاديمير لينين : مسألة القوميات أو الاستقلال الذاتي

أحسب أنني تراخيت كثيرا بالنسبة لعمال الروسيا إذا لم اتدخل بقوة وحسم كافيين في مسألة الاستقلال الذاتي التي ذاعت بصورة ممجوجة وهي المسألة التي تسمي رسميا على ما يبدو مسألة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية.

عندما أثيرت هذه المسألة في الصيف الماضي كنت وقتذاك مريضا، ثم جاء الخريف وكنت على ثقة كبيرة من أن شفائي من المرض وكذا المؤتمرات الدورية الكاملة التي ستعقد في ديسمبر وأكتوبر سيتيح لي هذا كله الفرصة لتناول هذه المسألة. ومع ذلك لم أتمكن من حضور الاجتماع الدوري الكامل لشهر أكتوبر (وقتما برزت هذه المشكلة) وحدث الشيء نفسه في شهر ديسمبر وهكذا أفلتت مني هه المسألة تماما.

كل ما تيسر لي بعض الوقت للحديث مع الرفيق ديزيرجنسكي الذي أتي من القوقاز وأنبأني كيف ثارت هذه المسألة في جورجيا، واستطعت أيضا أن أتبادل كلمات قليلة مع الرفيق زينوفييف وعبرت له عن آرائي حول هذه القضية ولكن لم يتسن لي أن أحيط بهذه المشكلة إلا من خلال حديث الرفيق ديزيرجنسكي إليّ والذي كان يرأس اللجنة الموفدة من قبل اللجنة المركزية “لبحث” أحداث جورجيا.

ولو كانت الأمور قد ساءت حقا إلى هذا الحد مما اضطر اورجونيكيدز إلى التطرف في استخدام العنف، على حد قول ديزيرجنسكي لي، فإننا نستطيع أن نتخيل مدي الورطة التي وقعنا فيها. وواضح أن كل ما يتعلق بمسألة “الاستقلال الذاتي” كان خطأ من أساسه وأسئ تقدير الوقت المناسب له.

ولقد قيل أنه كانت هناك حاجة إلى وجود جهاز موحد. ولكن من أين جاء هذا “التأكيد”؟ ألم يأت هذا من نفس الجهاز الروسي الذي ورثناها عن القيصرية بعد دهانه بزيت سوفيتي كما سبق لي أن اشرت إلى ذلك في فكرة من مذكراتي؟

لقد كان الأفضل دون ريب إرجاء الإجراء الذي اتخذ حينا من الوقت إلى يصبح في مقدورنا أن نقول بأننا الآن على ثقة تامة بجهازنا وأنه أصبح فعلا جهازا لنا. ولكن أصبح لزاما علينا الآن وبوعي كامل أن نسلم بعكس ذلك، فالجهاز الذي نسميه جهازنا ما زال في واقع الأمر غريبا عنا فهو مزيج برجوازي وقيصري ولم يكن من المستطاع التخلص منه إبان السنوات الخمس الماضية دون مساعدة بعض البلدان الاخري ثم لأننا كنا مشغولين أكثر الوقت بمهام عسكرية وبالحرب ضد المجاعة.

وطبيعي جدا في مثل هذه الظروف أن يصبح شعار “حرية الانفصال” الذي نبرر به موقفنا قصاصة ورق ليس إلا، عاجزا كل العجز عن أن يحمي غير الروسي من تهجم الروسي الحقيقي ذلك لأن الروسي الشوفيني المتكبر هو في جوهره ماكر وطاغية مثله مثل البيروقراطي الروسي القح. ولا ريب في أن النسبة المئوية الضئيلة للغاية من العمال السوفييت والذين اتخذوا الصبغة السوفيتية سيغرقون في تيار الغوغاء من أصحاب الاتجاه الشوفيني الروسي مثل ما تغوص ذبابة في وعاء لبن.

وقد يقال دفاعا عن الإجراء أن مجالس الشعب عنيت من فورها بالجانب النفسي القومي كما تم الفصل بين أجهزة ونظم التعليم القومي. ولكن يبرز هنا سؤال! هل يمكن ضمان استقلال مجالس الشعب استقلالا تاما؟ وسؤال آخر: هل كنا حريصين بما فيه الكفاية لاتخاذ إجراءات تضمن حماية حقيقية لغير الروسيين ضد الإفتراء من جانب من عهم روسيون حقيقة؟ لا أحسب أننا اتخذنا مثل هذه الاجراءات رغم أن هذا كان في مقدورنا وكان ينبغي علينا أن نفعله.

وفي اعتقادي أن ستالين لعب دورا قاتلا هنا بسبب ما يتصف به من عجلة وولعه بالاسلوب الإداري البحت بالاضافة إلى ما يحمله من ضغينة لمفهوم “الاشتراكية القومية” الممجوج. والضغينة في مجال السياسة تلعب أحط الأدوار.

وأخشي أيضا أن يكون الرفيق ديزيرجينسكي الذي توجه إلى القوقاز لبحث “جريمة” أولئك “الاشتراكيين القوميين” قد دأب على أن يتخذ لنفسه هناك مظهرا متميزا لما يتصف به من أسلوب روسي في التفكير (فمن الشائع أن شعوب القوميات الأخري التي أخذت الصبغة الروسية يبالغون في أسلوب التفكير الروسي) وأن ما كانت تتصف به لجنته من نزاهة وعدم تحيز قد صبغ بصبغة الخشونة المعروفة عن “أرجونيكيدز”. وأحسب أن أي استفزاز أو إهانة لا يمكن أن تبرر مثل هذا الأسلوب الروسي الخشن وأن الرفيق ديزيرجينسكي كان مذنبا في أسلوبه الطائش تجاه هذا الوضع.

لقد كان أورجونيكيدز هو ممثل السلطة أمام كل المذنبين في القوقاز. وما كان يحق له أن يستثار مما أشار اليه هو وديزيرجينسكي. بل على العكس كان أحري بأورجونيكيدز أن يتمتع بقدر من ضبط النفس أكثر مما يمكن أن نطالب به أي مواطن عادي بله رجل متهم بجرم “سياسي”. والحق يقال أن أولئك الاشتراكيين القوميين كانوا مواطنين متهمين بارتكاب جريمة سياسية ولا سبيل لوصف حيثيات الحكم بصفة أخري غير هذه الصفة.

إننا هنا بصدد مسألة مبدئية ذات شأن خطير: كيف لنا أن نفهم الأممية؟*.

30 ديسمبر 1922 لينين

قام بتحريرها م. ف

——————————————————————————–

تتمة الملاحظـــــــات
31 ديسمبر 1922

مسألة القوميات أو الاستقلال الذاتي (تتمة)

سبق لي أن ذكرت في كتاباتي عن المسألة القومية أن عرض هذه القضية بصورة مجردة غير مجد على الاطلاق. إذ يلزم أن نمايز بين الاتجاه القومي لأمة قاهرة والاتجاه القومي لأمة مقهورة، أي الاتجاه القومي لدولة كبري وآخر لدولة صغرى.

أما عن النوع الثاني من القوميات فإننا نحن مواطنو إحدي الأمم الكبري كنا دائما، في التطبيق العملي على مدي التاريخ، مذنبين بارتكاب عدد لا يحصي من حالات العنف بل والأكثر من هذا إننا نرتكب جريمة العنف والتحقير مرات ومرات لا نهاية لها ودون أن نلحظ ذلك. ويكفي أن نستعيد في ذاكرتنا ما سبق أن كتبته في مذكراتي الفولجا التي ذكرت فيها كيف يعامل غير الروسيين! كيف كان البولنديون لا يدعون إلا باسم بولياشيسكا، وكيف أطلق على التتار لقب الأمير سخرية، وأن الاكرانيين يدعون دائما خوخوليين كما كان يدعي أبناء جورجيا وغيرها من القوميات القوقازية بعبارة كابكاز يانيين. ولهذا السبب نقول أن الأممية من جانب الأمم القاهرة أو الأمم “العظمى” كما تسمي عادة (رغم أنها عظيمة فقط في عنفها وبغيها) يجب ألا تقتصر على ملاحظة المساواة الشكلية بين الأمم بل يجب أن تشير إلى سياسة التفرقة واللامساواة التي تنتهجها الأمة القاهرة أو الأمة العظمى والتي تؤدي عمليا إلى التفرقة وعدم المساواة في التطبيق. إن أي انسان لا يفهم هذا الوضع على حقيقته لن يدرك الاتجاه الحقيقي للبروليتاريا نحو المسألة القومية وهذا يعني أنه مازال محتفظا بخصال البرجوازية الصغيرة في نظرته وسيتردي لا محالة إلى النظرة البرجوازية الصغيرة.

ما هو الشيء المهم في نظر البروليتاريا؟ يجب أن يتأكد البروليتاري من أن غير الروسيين هم موضع ثقة كبيرة في النضال الطبقي البروليتاري، وليس هذا بالشيء الهام فقط بل هو أكثر الأمور حيوية وأهمية بصورة مطلقة. ولكن ما الذي نحتاج اليه لتأكيد هذا المعني؟ ليس مجرد مساواة شكلية. وإنما يجب علينا بطريقة أو بأخري أن نعوض لغير الروسيين الثقة التي تعوزهم، بسبب ما عانوه في حياتهم من شك وامتهان من جانب حكومة الأمة “المتسلطة” التي خضعوا لحكمها في الماضي.

أحسب أنني لست بحاجة ماسة لتوضيح هذا تفصيلا للبلاشفة أو الشيوعيين. وأحسب أيضا أن لدينا في اللحظة الراهنة الأمة الجيورجية كمثل لحالة نموذجية نلمس فيها الاتجاه البروليتاري الأصيل في حذره الشديد وفكره العميق واستعداده للتفاهم حول مسألة ملحة وضرورية لنا. إن الجيورجي الذي يغفل هذا الجانب من القضية أو الذي يبعثر الاتهامات “بالاشتراكية القومية” (بينما هو في حقيقة أمره اشتراكي قومي، بل ربما كان باغي روسيا عظيما) إنما يخون أساسا قضية تماسك الطبقة العاملة البروليتارية، ذلك لأنه لا يعدل الظلم القومي شيء في عرقلة وإضعاف التضامن الطبقي البروليتاري، فالقوميات التي “أثير غضبها” لا تكون عادة حساسة لشيء مثل حساسيتها لمشاعر المساواة وانتهاك هذه المساواة حتي ولو كان ذلك عن طريق الإهمال وحده من جانب رفاقهم البروليتاريين. وهذا هو السبب في أن من الأفضل لنا في مثل هذه الحالة أن نفرط إلى حد ما لا أن نمسك يدنا فيما نقدمه من تنازل وتسامح تجاه الأقليات القومية. وهذا هو السبب أيضا في مثل هذه الحالة أن المصلحة الأساسية للتضامن البروليتاري ومن ثم للنضال الطبقي البروليتاري تتطلب منا بالضرورة ألا نتخذ لأنفسنا نهجا شكليا إزاء المشكلة القومية وإنما نضع في إعتبارنا دائما الاتجاه النوعي لنظرة البروليتاريا في البلد المقهور (أو الصغير) إلى البلد القاهر (أو العظيم).

لينين
قام بتحريرها م. ف
31 ديسمبر 1922

——————————————————————————–

استطـراد للملاحظات
31 ديسمبر 1922

تري ما هي الإجراءات العملية التي يلزم علينا أن نتخذها في الموقف الراهن ؟

أولا :

يجب العمل على تأكيد وتدعيم وحدة الجمهوريات الاشتراكية وليس ثمة شك حول هذه النقطة، فمثل هذا الإجراء ضروري لنا كما أنه ضروري للبروليتاريا العالمية الشيوعية في نضالها ضد البرجوازية العالمية وللدفاع عن نفسها ضد المؤامرات البرجوازية.

ثانيا :

يجب أن نبقي على اتحاد الجمهوريات الاشتراكية لخدمة جهازه الديبلوماسي. وأذكر بهذه المناسبة أن هذا الجهاز يعتبر عنصرا فريدا من العناصر المكونة لجهاز دولتنا.

ذلك لأننا لم نسمح بدخوله لي فرد من الأفراد من أصحاب النفوذ في الجهاز القيصري القديم. فقد تولي الشيوعيون كل القطاعات الأساسية فيه. ولهذا السبب استطاع بحق (ولنا أن نقول ذلك بجرأة) أن يحرز اسم الجهاز الشيوعي الموثوق به بعد أن تطهر إلى حد كبير من كل العناصر القيصرية القديمة والبرجوازية صغيرها وكبيرها وهو يفضل من هذه الناحية سواه من المجالس الشعبية الاخرى.

ثالثا :

لابد من توقيع عقوبة لفت نظر على الرفيق أورجونيكيدز (أقول هذا والأسى يملؤني إذ أنني واحد من أصدقائه الشخصيين وعملت معه بالخارج) ويجب استكمال البحث الذي قامت به لجنة دزير جينسكي أو أن يبدأ من جديد لتصحيح هذا الركام الهائل من الأخطاء والأحكام المتحيزة التي تملؤها دون ريب.

إن عبء المسئولية السياسية لكل هذه المعركة القومية الروسية يجب أن يقع بطبيعة الحال على عاتق ستالين ودزيرجينسكي.

رابعا :

يجب أن نطبق أشد القواعد صرامة وحزما لاستخدام اللغة القومية في الجمهوريات غير الروسية التي يضمها اتحادنا ويجب أيضا متابعة تنفيذ هذه القواعد بعناية خاصة. فليس ثمة شك في أن جهازنا بوضعه الحالي يقتضي بالضرورة أن ينهج سياسة معتدلة إذ أن كثيرا من التصرفات الروسية المتعسفة تحدث بحجة الوحدة في مجال خدمة السكك الحديدية أو الوحدة في مجال الدخل القومي. وهذا يستلزم براعة من نوع خاص للنضال ضد مثل هذه التصرفات التعسفية ناهيك عن حاجتنا إلى الاخلاص التام من جانب أولئك الذين اخذوا على عاتقهم مهمة هذا النضال. وقد يتطلب الأمر استصدار تشريعات تفصيلية بيد أن أبناء القومية الواحدة الذين يعيشون في الجمهورية القومية التي يعنيها الأمر هم وحدهم القادرون على تحديد هذه التشريعات وتنفيذها بنجاح.

ونحن هنا لا نستطيع أن نكون على يقين مقدما من أننا بسبب هذه المهام لن نخطو خطوة إلى الوراء في مؤتمر السوفييتات القادم أي أن نبقي على أتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية من أجل المسائل العسكرية والديبلوماسية وحدها ونمنح الاستقلال التام في كل ما عدا ذلك من شؤون الكومسييرات الشعبية كل منها على حدة.

ويجب ألا يغيب عن ذهننا أن سلطة الحزب قادرة بما فيه الكفاية على أن تعوض لامركزية الكومسييرات الشعبية وما تعانيه من نقص في تنسيق أعمالها مع موسكو أو غيرها من المراكز، ولكن بشرط أن يتم هذا بحكمة ونزاهة كافيتين. ذلك لأن الضرر الذي قد يلحق بدولتنا بسبب نقص في الوحدة بين الاجهزة القومية والجهاز الروسي يعد شيئا لا يذكر بالنسة للضرر الذي قد لا يلحق بنا فقط بل يمتد ليصيب الأممية كلها ومئات الملايين من شعوب آسيا التي يرتبط مصيرها بنا لتقتفي أثرنا على مسرح التاريخ في المستقبل القريب. إننا سنقترف عملا انتهازيا لا يغتفر لو أننا في عشية يقظة الشرق، وهو الآن في فترة صحوه قوضنا دعائم هيبتنا في نظر شعوبه حتى ولو كان لمجرد اتباع سياسة خشنة أو ظالمة ومهما كانت واهية، تجاه قوميتنا نحن غير الروسية. إن الحاجة إلى التحالف ضد إمبرياليي الغرب الذين يدافعون عن الرأسمالية العالمية مسألة قائمة بذاتها. وأحسب أن هذه قضية لا يتطرق اليها أدني شك، وقد بات من نافل القول بالنسبة لي أن أردد الحديث عن موافقتي غير المشروطة على ذلك. ولكنها ستكون مسألة أخري أن ننزلق نحن إلى مهاوي الاتجاهات الامبريالية في معالجتنا لقضايا القوميات المقهورة، حتي ولو كانت أقل هذه القضايا شأنا. إذ أننا بهذا سنقوض كل دعائم اخلاصنا المبدئي ودفاعنا عن مبدأ النضال ضد الامبريالية. إن غداة التاريخ العالمي ستكون يوم اليقظة للشعوب التي قهرتها الامبريالية فتصحوا للأبد لتبدأ مسيرة نضالها الطويل الحاسم والشاق من أجل تحررها.

لينين
31 ديسمبر 1922
أشرف على تحريرها م. ف.

——————————————————————————–

كتب: 30-31 ديسمبر 1922
المصدر العربي: “عن المسألة الوطنية والأممية البروليتارية”
النسخ الالكتروني: تامر المصري (أكتوبر 2005)

——————————————————————————–

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات