الإثنين , 16 أكتوبر 2017
ستالين :حول حتمية الحروب بين البلدان الرأسمالية

ستالين :حول حتمية الحروب بين البلدان الرأسمالية

حول حتمية الحروب بين البلدان الرأسمالية
ستالين
يؤكد بعض الرفاق أنه، نظراً للظروف الدولية الجديدة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد الحروب محتومة بين البلدان الرأسمالية. وهم يرون أن التناقضات بين معسكر الاشتراكية ومعسكر الرأسمالية أقوى من التناقضات بين البلدان الرأسمالية؛ وأن الولايات المتحدة الأمريكية قد أخضعت لسلطانها البلدان الرأسمالية الأخرى إلى درجة تكفي لمنع هذه البلدان من محاربة بعضها البعض وإضعاف بعضها البعض؛ وأن رجال الرأسمالية البعيدي النظر قد تعلموا ما فيه الكفاية من الحربين العالميتين اللتين أحلقتا أذى جدياً بمجموع العالم الرأسمالي، بحيث لن يسمحوا لأنفسهم بجر البلدان الرأسمالية من جديد إلى حرب فيما بينها، وأنه، بسبب ذلك، لم تبق الحروب حتمية بين البلدان الرأسمالية.
إن هؤلاء الرفاق مخطئون. فهم يبصرون الظاهرات الخارجية البداية على أديم الأشياء، ولكنهم لا يرون القوى العميقة التي ليست أقل تأثيراً في تعيين مجرى الحوادث، وإن تكن تعمل مؤقتاً بصورة غير منظورة.
ففي الظاهر يسود «الصفاء» في كل مكان: إن الولايات المتحدة الأمريكية قد جعلت أوربا الغربية واليابان وسائر البلدان الرأسمالية تعيش بالتقتير؛ فألمانيا (الغربية)، وانكلترا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، التي وقعت جميعاً بين براثن الولايات المتحدة الأمريكية، تنفذ أوامرها بانصياع. ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن هذا «الصفاء» يمكن أن يبقى إلى الأبد؛ وأن هذه البلدان ستتحمل سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية ونيرها إلى ما لا نهاية له؛ وإنها لن تحاول الانعتاق من الأسر الأمريكي لكي تسير في طريق الاستقلال.
لننظر بادء ذي بدء إلى انكلترا وفرنسا. فمن المؤكد أنهما بلدان استعماريان. ومن المؤكد أن للمواد الأولية الرخيصة وللأسواق المضمونة أهمية من الدرجة الأولى بالنسبة على هذين البلدين. فهل يمكن أن يعتقد إنسان أنهما ستتحملان الوضع الحاضر إلى مالا نهاية له، بينما الأمريكيون، تحت ستار «مساعدة» يقدمونها باسم «مشروع مارشال»، يتغلغلون في نظام انكلترا وفرنسا الاقتصادي، هذا النظام الذي يريدون أن يجعلوا منه ذيلاً تابعاً للاقتصاد الأمريكي؛ وبينما الرأسمال الأمريكي يستولي على المواد الأولية والأسواق في المستعمرات الانكلوفرنسية، فيهيء بذلك كارثة لأرباح الرأسماليين الانكلوفرنسيين الفاحشة؟ أليس الأصح أن يقال أن انكلترا الرأسمالية، ومن بعدها فرنسا الرأسمالية، ستكونان مضطرتين، في آخر الأمر، إلى التخلص من ربقة الولايات المتحدة، وإلى الدخول في نزاع معها لكي تضمنا لنفسيهما وضعاً مستقلاً، وبالطبع، أرباحاً فاحشة؟
ولننتقل إلى البلدين المغلوبين الرئيسيين، إلى ألمانيا (الغربية) واليابان. إن هذين البلدين يعيشان الآن في وضع يرثى له تحت نعال الاستعمار الأمريكي. فصناعتهما وزراعتهما، وتجارتها، وسياستهما الخارجية والداخلية وكل حياتهما مكبلة بسلاسل «نظام» الاحتلال الأمريكي. ومع ذلك، فقد كان هذان البلدان، حتى الأمس القريب، دولتين استعماريتين كبيرتين تزعزعان أركان سيطرة انكلترا والولايات المتحدة وفرنسا في أوربا وآسيا. إن الاعتقاد بأن هذين بالبلدين لن يحاولا الوقوف على قدميهما، وتحطيم «نظام» الولايات المتحدة، والسير في طريق الاستقلال، هو اعتقاد بالمعجزات.
ويقال أن التناقضات بين الرأسمالية والاشتراكية أقوى من التناقضات القائمة بين البلدان الرأسمالية. وهذا صحيح نظرياً، بلا شك. وليس اليوم قط، بل كان صحيحاً أيضاً قبل الحرب العالمية الثانية. وهذا ما كان يفهمه قادة البلدان الرأسمالية، إلى درجة ما.ورغم ذلك، فالحرب العالمية الثانية لم تبدأ بالحرب ضد الاتحاد السوفييتي، بل بحرب بين البلدان الرأسمالية. ولماذا؟ أولاً، لأن الحرب ضد الاتحاد السوفييتي، بلد الاشتراكية، أشد خطراً على الرأسمالية من الحرب بين البلدان الرأسمالية. فإذا كانت الحرب بين بلدان رأسمالية تضع فقط مسألة سيطرة هذه البلدان الرأسمالية على تلك، فالحرب ضد الاتحاد السوفييتي لا بد أن تضع حتماً مسألة وجود الرأسمالية بالذات. وثانياً، لأن الرأسماليين، وإن كانوا يثيرون على سبيل «الدعابة»، كثيراً من الضجيج حول عدوانية الاتحاد السوفييتي، فهم أنفسهم لا يعتقدون بهذه العدوانية، لأنه يأخذون سياسة الاتحاد السوفييتي السلمية بعين الاعتبار، ويعرفون أن الاتحاد السوفييتي لن يهاجم البلدان الرأسمالية من نفسه
غداة الحرب العالمية الأولى، كان الناس يظنون أيضاً أن ألمانيا قد وضعت نهائياً خارج المعركة، كما هي اليوم حال اليابان وألمانيا في رأي بعض الرفاق. وفي ذلك الزمن أيضاً، كان يقال ويذاع في الصحافة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد جعلت أوربا تعيش بالتقتير، وأن ألمانيا لن تقوم له قائمة؛ وأنه ينبغي بعد الآن أن لا تقوم حروب بين البلدان الرأسمالية. ولكن، رغم ذلك، وقفت ألمانيا على رجليها كدولة كبرى، بعد مضي خمسة عشر أو عشرين عاماً على هزيمتها؛ لقد أفلتت من أسرها وسارت في طريق الاستقلال. والشيء الذي له مغزاه أن انكلترا والولايات المتحدة الأمريكية نفسها قد ساعدتا ألمانيا على النهوض اقتصادياً، وعلى استعادة طاقتها الاقتصادية والعسكرية. ولا ريب أن الولايات المتحدة وانكلترا، في مساعدتهما ألمانيا على النهوض اقتصادياً، كانتا تقصدان توجيه ألمانيا، بعد نهوضها، ضد الاتحاد السوفييتي، كانتا تقصدان استخدمها ضد بلد الاشتراكية. غير أن ألمانيا قد وجهت قواها، في البدء، ضد الكتلة الانكليزية ـ الفرنسية ـ الأمريكية. ولما أعلنت ألمانيا الهتلرية الحرب على الاتحاد السوفييتي، لم تنضم الكتلة الانكليزية ـ الفرنسية ـ الأمريكية إلى ألمانيا الهتلرية، بل اضطرت، بالعكس، إلى التحالف مع الاتحاد السوفييتي ضد ألمانيا الهتلرية.
وبالتالي، تبين أن تطاحن البلدان الرأسمالية على امتلاك الأسواق، ورغبتها في إغراق مزاحميها، أقوى عملياً من الناقضات بين المعسكر الرأسمالي ومعسكر الاشتراكية.
ويتساءل المرء: أين الضمانة على أن ألمانيا واليابان لن تنهضا ولن تحاولا الانعتاق من النير الأمريكي، لكي تباشرا حياتهما المستقلة؟ أني أعتقد أن هذه الضمانة لا وجود لها.
فينتج من ذلك إذن، أن حتمية الحروب بين البلدان الرأسمالية لا تزال قائمة.
ويقال أنه يجب اعتبار فكرة لينين القائلة بأن الاستعمار يولد الحروب حتماً، إنها فكرة بالية، إذ قد ظهرت اليوم قوى شعبية جبارة تدافع عن السلم ضد حرب عالمية جديدة. وهذا خطأ.
إن الحركة الحالية في سبيل السلم تستهدف إنهاض الجماهير الشعبية إلى النضال في سبيل المحافظة على السلم، وفي سبيل منع وقوع حرب عالمية جديدة. وبالنتيجة، فهي لا ترمي إلى قلب الرأسمالية وإقامة الاشتراكية، ـ إنها تقتصر على أهداف ديمقراطية للنضال في سبيل المحافظة على السلم. ومن هذه الناحية، تختلف الحركة الحالية للمحافظة على السلم، عن الحركة التي قامت في زمن الحرب العالمية الأولى، لأجل تحويل الحرب الاستعمارية إلى حرب أهلية، لأن تلك الحركة كانت تذهب إلى مدى أبعد، وترمي إلى أهداف اشتراكية.
وقد يحدث، إذا ساعدت الظروف، أن تتطور الحركة، هنا وهناك، نحو النضال في سبيل الاشتراكية، ولكن تلك لن تبقى الحركة الحالية في سبيل السلم، بل ستكون حركة لقلب الرأسمالية.
والأرجح أن الحركة الحالية في سبيل السلم، بوصفها حركة هدفها المحافظة على السلم، ستساهم، في حال النجاح، في منع وقوع حرب معينة، في تأجيلها مؤقتاً، في المحافظة مؤقتاً على سلم معين، في حمل الحكومة النازعة إلى الحرب على الاستقالة وإبدالها بحكومة أخرى مستعدة للمحافظة مؤقتاً على السلم. وذلك شيء حسن طبعاً. بل حسن جداً. على أن ذلك لا يكفي لإزالة حتمية وقوع الحروب، بصورة عامة بين البلدان الرأسمالية. ذلك لا يكفي، لأنه، على الرغم من جميع هذه النجاحات لحركة السلم، لايزال الاستعمار قائماً، لا يزال ذا بأس. وبالنتيجة، لا تزال حتمية الحروب قائمة أيضاً.

لأجل إزالة حتمية الحروب، ينبغي القضاء على الاستعمار.

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات