الخميس , 24 أغسطس 2017
اوراق منظمة 23 مارس – مناقشات حول تطور المجتمع المغربي – 1975

اوراق منظمة 23 مارس – مناقشات حول تطور المجتمع المغربي – 1975

منظمة 23 مارس – مناقشات حول تطور المجتمع المغربي –
( مناقشة التقرير الايديولوجي للمؤتمر الاستثنائي – 1975- للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية )
مقدمة : يهدف هذا النقاش الى التعرض لأهم مرتكزات التقرير الايديولوجي الصادر عن المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ( 1975 ) ، باعتبار هذا اللتقرير يعطي صورة متكاملة عن اختيارات الاتحاد الاشتراكي ، والأسس التي صيغت على اساسها هذه الاختيارات ، وباعتبار ان بيننا وبين هذا التقرير خلافات جوهرية ، بات مطروحا عرضها على جميع المناضلين وجماهيرنا الشعبية .
وما يجب التأكيد عليه في هذا المجال اننا اعتمدنا وسنعتمد على الاسلوب الجدي الذي يعمل على الانطلاق من نصوص وممارسات القوى السياسية التي سنناقش اطروحتها ، عوض السقوط في تحليل النوايا ، او الصاق كليشيهات او السب والشتم الرخيصين ، او تقديم المعلومات السرية الى السلطات الرجعية الشيء الذي لم يتورع البعض عن استعماله ضدنا .
ان تمسكنا بهذا الاسلوب مع القوى الوطنية والتقدمية آت من كونه الاسلوب الوحيد الذي يمكن من الوصول الى الحقيقة ، والذي يعرضها غير مشوهة على المناضلين وعلى جماهير شعبنا الكادح ، و آت كذلك من اعتقادنا الراسخ ان الاسلوب السلبي في النقاش ، انما يعبر بشكل واضح عن تخلف وجمود وضيق افق اصحابه ، غير المعزول طبعا عن المنطلقات الطبقية والاختيارات السياسية . وان الاسلوب الايجابي في الصراع والنقاش سيفرض نفسه حتما على كل المناضلين الذين سيجذّرون مواقفهم ضد النظام القائم .

تمهيد :
1 — يلاحظ الدارس للتقرير الايديولوجي ، وعبر صفحاته العديدة ، وعبر التوضيحات المكتوبة حوله ، يلاحظ هياما وعشقا ل ” الخصوصية ّ ، وغراما ب ” التمييز والأصالة ” ، وانتقادا متكررا لمرددي ” القوالب الجامدة ” و ” النصوص المعزولة ” باعتبارها منهجا وهدفا ” قوامها الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والتبادل ، يتصرف فيها المنتجون بواسطة تنظيماتهم وجهاز الدولة الذي يكون جهازا في خدمتهم وتحت مراقبة تنظيماتهم الحزبية والمهنية ” .
فما هي حقيقة هذه ” الخصوصية ” وهذا ” التمييز ” و ” الاصالة ” ؟ . هل يعني ذلك ضرورة الانطلاق من واقع بلادنا الملموس او يعني شيئا آخرا غير ذلك ؟ ؟
وهذا ” المنهج الاشتراكي ” ، ما هو نصيبه من العلمية والجدلية ؟ .
ان هذه الاسئلة وغيرها ، سنحاول الاجابة عليها من خلال التعرض لأهم دعائم التقرير الايديولوجي : تاريخ المجتمع المغربي ، مفهوم الدولة ، التحليل الطبقي ، الثورة الديمقراطية الوطنية والثورة الاشتراكية ، الحزب … لخ .
2 — وان تقديم النقاش حول التقرير الايديولوجي ، والخط العام للاتحاد الاشتراكي ، لا يتأتى من التقيد فقط بنصوص التقرير ، بل يفرض التعرض ايضا لخطب وكتابات وتصريحات زعمائه التي قد يكون بينها وبين التقرير بعض التناقض ، او تضيف اليه توضيحا ، مثل تصريح السيد بوعبيد لمجلة ” الحوادث اللبنانية ” : ” نحن نريد ان يتطور النظام الملكي حتى يصبح المغرب ملكية دستورية ، الدستور الذي لم يطبق حتى هذه الساعة ينص على ذلك ” ( خط التشديد منّا ) .
3 — يضاف الى ذلك ، ان النقاش النظري والاستراتيجي قد لا يوضح عمق الخلافات او الاتفاقات بالشكل المطلوب ، وتبقى الممارسة العملية هي المحك الذي يظهر زيف المواقف من اصيلها ، ولذلك ، فسنعمل على مناقشة بعض الممارسات العملية للاتحاد الاشتراكي منذ مؤتمره الاستثنائي وحتى المدة الاخيرة . ” ان التحرر من اسار المفاهيم والقبليات الايديولوجية والتحليلات الصورية المجردة ، التي تضفي على نفسها طابعا علميا مزيفا ، معناه القيام بتحليل دياليكتيكي يتناول كل العمليات التطورية التاريخية المشخصة ، التي تمد كياننا الاجتماعي – الاقتصادي بخصائصه النوعية الاساسية ، وتحدد شكل تطوره ، وأسلوب هذا التطور . فبهذا النوع من التحليل الملموس ، وبه وحده ،، نتمكن من ان نحدد لنضالنا التاريخي ، اختيارات واضحة وإستراتيجية دقيقة ، ومهاما مستعجلة ، مبنية على المعطيات الموضوعية المتجددة والمتغيرة ، وبالتالي نتمكن من اكتساب رؤية موضوعية سليمة لمصالح جماهيرنا الشعبية . ” ( التقرير الايديولوجي : ص – 47 ) .
من هذا المنطلق الصحيح ، ننطلق مع التقرير ، لنرى الى اي حد اخلص له واضعو التقرير في تحديد استراتيجيتهم . وسنبدأ معه مناقشة الجزء التاريخي ، الذي يدرس المجتمع المغربي قبل الاستعمار المباشر .
يركز التقرير الايديولوجي على الفترة السابقة مباشرة للاستعمار المباشر ، هذا دون اهمال بعض الالتفاتات للمراحل الاخرى ، ولكنها تبقى التفاتات عابرة في الغالب . ويستنتج التقرير من ذلك :
— ان مغرب ما قبل الاستعمار ، قد سادت فيه البنيات الاجتماعية الجماعية القائمة على اساس علاقات انتاج مؤسسة على التضامن بين عناصر الجماعة ( القبيلة او الدوار ) .
— ان الاقتصاد كان زراعيا مطبوعا بطابع الكفاف ، و أن الظاهرة العامة هي الملكية الجماعية للأرض التي ” تتحكم في توزيعها المؤسسات الجماعية ” الممثلة للجماعات .
— اما التجارة والصناعة الحرفية ، فقد كانت هامشية ، لم تتعد المتاجرة بمنتوجات الرفاهية ، ولم تتجاوز الصناعة الحرفية البسيطة تصريف منتجاتها في الضواحي القروية المجاورة .
— ان هذه البنيات الاجتماعية – الاقتصادية قد تميزت بالركود ، وان اسباب الركود راجعة من جهة ، الى العزلة والحذر من طرف المغرب تجاه اوربة الصاعدة المتربصة بالوطن المغربي . وراجعة من جهة ثانية ، الى ضعف انتشار النقد في البادية ، وعدم تراكمه في ايدي الفلاحين ، لان التداول كان محدودا جدا .
ان ملاحظتنا الجوهرية على هذا الجزء من التقرير الايديولوجي ، تتلخص في كونه لم يخلص للمنهج التاريخي الجدلي ، و ذلك لكونه لا يتتبع تطور المجتمع المغربي تاريخيا ، ويقتطع بشكل تعسفي مرحلة معينة من التاريخ المغربي ، ويفصلها عن المراحل السابقة .
فالقول ان الاقتصاد المغربي قبل الاستعمار ، كان اقتصادا زراعيا مطبوعا بطابع الكفاف ، يتجاهل ، ويحاول تشطيب واقع عنيد ما زال لحد الآن متشبثا بالبقاء . هذا الواقع هو واقع المدن المغربية العظمى التي تلألأت عبر قرون طويلة . ان هذه المدن ليست نتاج اقتصاد زراعي مبني على الكفاف ، فأي حظ سعيد زرعها وسقاها حتى ازدهرت وأعطت ما اعطت من ثمار ؟ .
وهذه العزلة التي عاشها المغرب في القرون الاخيرة ، حين اصبح الخطر الاوربي ماثلا ، والتي يفسر بها التقرير الايديولوجي ، بالإضافة الة ضعف التبادل وضعف انتشار النقد وسط الفلاحين ، هذه العزلة لم تكن موجودة في القرون السابقة . فما السبب في عدم تفجر البنيات الاجتماعية – الاقتصادية الراكدة في تلك المراحل ؟ .
وفي هذا الصراع المحتدم الطويل ، سواء بين القبائل ، او بين دول شمال افريقيا ، او في اطار الدولة المغربية المتعاقبة ، وفي صفوف ” الاسرة الحاكمة ” ، وهذه الثنائية : المخزن – السيبة … ما هي الاسس الموضوعية لكل ذلك ؟ . ان هذه الظواهر لم تبرز فقط عندما اصبح الخطر الاستعماري محدقا بالمغرب ، وبالتالي ، فلا يمكن تفسيرها فقط بالدين او بالدفاع عن الوطن .
ان القول ان ” المهم في الامر هو ان المغرب لم يعرف نظاما شبيها او قريبا من اسلوب الانتاج الاقطاعي الاوربي الذي نبع من صلبه النظام الرأسمالي الغربي … لم تكن هناك سيطرة تتمتع بقوة القانون ، سيطرة تغلغل في وعي الجماهير الفلاحية ، وتسمح للسيد الاقطاعي بان يقتطع ” سلميا ” جزءا من ناتج العمل ، كما لم تكن هناك ايضا اوليغارشية اقطاعية قوامها طبقة منظمة تتسلسل فيها السلطان عموديا ، وتتوفر على جهاز القمع وعلى مراتب كهنوتية موازية ” ( التقرير الايديولوجي : ص 57 ) .
ان هذا القول لا يكفي ولا يقدم في تفسير وتحليل البنيات الاجتماعية – الاقتصادية قبل الاستعمار ، لأنه لا احد يمتلك اطلاعا عاما على التاريخ المغربي ، يستطيع القول ان الغرب قد شهد قبل الاستعمار نمط الانتاج الاقطاعي . و لان المطروح هو تحليل طبيعة وصيرورة البنيات الاجتماعية – الاقتصادية المغربية ، وتفسير عوامل ركودها ، لا حبا في التفسير وبحثا عن المعرفة ما اجل المعرفة ، بل وأساسا من اجل تفسير ظاهرة التخلف التي جاء الاستعمار وركزها وعمقها .
وفي اطار المساهمة الايجابية على الاسئلة المطروحة اعلاه ، نقسم خلاصتنا المركزة عن تاريخ المجتمع المغربي الى مراحل . ويشمل القسم الاول المرحلة التاريخية التي ستستمر حتى القرن الرابع عشر . والقسم الثاني حتى حلول الاستعمار المباشر . والقسم الثالث يشمل مرحلة الكفاح الوطني ضد الاستعمار المباشر ، مع التأكيد على ان هذه الخلاصة لن تكتمل إلا بتحليل طبيعة الدولة المغربية قبل الاستعمار المباشر الذي سنقوم به في فصل خاص .
الفصل الاول : خصوصية المرحلة القبيلة في المغرب
لقد تمثلت البنيات الاجتماعية المغربية اساسا في القبائل الزراعية والرعوية المتنقلة . وشكلت هذه القبائل المتماسكة مرحلة انتقالية من مجتمع المشاعة البدائية اللاطبقي ، الى المجتمع الطبقي . فلم تظهر فيها بصفة عامة مظاهر تمايز افقي واضح ومقنن بين عناصرها . هذا لا يعني ان المساواة كانت معممة ، بل هناك مراتبية لصالح الشيوخ والرؤساء . وهذا المراتبية تضعف وتقوى لتصل الى تهديد تماسك القبيلة بالانفجار ، و ذلك حسب وضعية وتطور كل قبيلة .
فالقبائل الرعوية المتنقلة التي اشتغلت بالتجارة ، اكتسبت قوة عسكرية واقتصادية خصوصا بعد سيطرتها على طرق التجارة الصحراوية . وهذه القبائل افرزت مراتبية واضحة تمثلت في نضج ارستقراطية قبلية تجارية وعسكرية . ولان هذه المراتبية لم تتحول في اطار القبيلة الى تمايز وانشطار طبقي ، لعدة اسباب سنبينها بعد قليل ، فقد استطاعت هذه الارستقراطية توظيف تضامن وتماسك القبيلة لبسط سيطرتها على القبائل والمناطق ، وتأسيس الدولة العظمى ( المرابطون ، الموحدون .. لخ ) . ولكن هذه ” القبائل السائدة ” منذ استيلائها على السلطة ، ومع الطور الاقتصادي والاجتماعي ، تنحو نحو المزيد من تمايز ارستقراطيتها ، وانعزالها عن القبيلة الام ، او عن جزء اساسي منها ، تتجه – حفاظا – على دولتها ومصالحها – الى الاعتماد على قبائل وأحلاف اخرى .
وبذلك تخسر هذه الارستقراطية القبلية القوة التي رفعتها الى السلطة ، ويضعف تضامن القبيلة التي يتحضر جزء منها . كل ذلك ، والقبائل الاخرى محتفظة بتماسكها ، فتستفيد لقواها من ضعف السلطة المركزية ، وتبدأ بالسيطرة على طرق التجارة ، والاستيلاء على السلطة .
في هذه العملية المتكررة ، لا تتحلل البنيات القبلية ، بل سرعان ما تنتكس عملية التحلل وتعود القهقرى ، وبالتالي لا تنشأ طبقة سائدة قوية على المستوى الوطني .
1 – ان السيطرة الرومانية والبيزنطية الى فجرت مثل هذه البنيات في عدة بلدان احتلتها ، وأقامت فيها الملكيات الزراعية الكبرى ، هذه السيطرة لم تعمر طويلا في المغرب ، ولم تستطيع تجاوز بعض الموانئ والمناطق القريبة منها . هذا في وقت تراجعت فيه القبائل المغربية نحو المناطق الداخلية الجبلية والصحراوية ، وظلت محافظة على تماسكها القوي تقاوم المحتلين .
2 – اما بعد ” الفتح الاسلامي ” ، فان الفاتحين العرب لم يغرسوا في المغرب حكاما اجانب عنه ، مدعمين بكل وسائل الحكم ، وذلك سبب عامل البعد ، وبسبب المستوى الاقتصادي الذي كان عليه المغرب ، والذي لم يجتذب اليه هجرة عربية كبيرة منذ البدء ، كما حصل في الشام ومصر وغيرهما ، وبسبب التماسك القبلي نفسه في المغرب ، هذا التماسك الذي جعل اخضاع المغرب بالشكل الذي اخضعت به بأقسى المناطق في الشرق ، في منتهى الصعوبة .
وهكذا ، لم يدم الارتباط الهش للمغرب بالدولة العربية المركزية في الشرق ، بل سرعان ما تلاشى . وقد وجد الدعاة الخوارج وسط البنيات الاجتماعية الجماعية في المغرب المتميز بنوع من ” الديمقراطية القبلية ” تربة خصبة لنشر مبادئ المذهب الخارجي ، وإثارة القبائل المغربية ضد السلطة المركزية في الشرق ، وقطع الصلات السلطوية بها .
3 – انتشار الاقتصاد الرعوي : ان انتشار الاقتصاد الرعوي في المغرب ليجد شروطه في جزء هام منها في الوضع الجغرافي في المغرب ، في وجود سهول واسعة تصلح للرعي ، وجبال للانتجاع والاحتماء في حالة الخطر ، دون التعرض حتى لضياع القطعان الشيء الذي لم يكن ممكنا ضمانه للزراعة البسيطة .
ويضاف الى ذلك ، حاجة التجارة القافلية الى القبائل الرعوية المتنقلة ، باعتبارها اكثر اعتيادا على التنقل ، ومتوفرة على وسائل هذا التنقل ، وغير مرتبطة بأرض زراعية تفرض استقرارها فيها ، وانشغالها بالسهر الدائم عليها ؟
ويضاف ايضا ، غياب ضرورة تكتل سكان المغرب من اجل استمرار عيشهم لانجاز المشاريع الكبرى ، كما حدث في مصر والصين مثلا ، حيث تطويع الطبيعة ( السدود والسواقي ) يفترض طاقات تتجاوز طاقات القبيلة . بل كانت القبائل المغربية تستطيع العيش من الزراعة البسيطة ومن الرعي والتجارة . ان هذه الاسباب افقدت الاهتمام بالأرض وتطوير زراعتها إلا في حالات قليلة اثناء استقرار الدول العظمى .
4 – وهناك عامل اخر وثيق الارتباط بالاقتصاد الرعوي ، ساهم في الحفاظ على تماسك القبائل المغربية . هذا العامل هو استمرار تسلحها ، وتقدم اتقانها لفنون الحرب والقتال ، الشيء الذي حال بشكل كبير دون سيطرة ” الاسياد العسكريين ” المحتكرين للسلاح والقتال ، وحال دون سقوط الفلاحين تحت ” حماية ” هؤلاء وهيمنتهم ، مثلما حدث لجزء من الفلاحين في الشرق العربي في اواخر الدولة العباسية وما بعدها ، او مثلما كان الامر – كسبب من الاسباب الهامة – في ظهور الاقطاعية في اوربة .
لم يحدث ذلك في المغرب نظرا لما سبقت الاشارة اليه ، إلا في حالات قليلة واستثنائية في بعض المناطق القريبة من المدن التي يضعف فيها التماسك القبلي ، وتظهر فيها بعض حالات اللجوء من طرف الفلاحين الى طلب الحماية من رؤساء احدى القبائل .
5 – ان العامل الذي لعب دورا هاما ، في هذه المرحلة التي نتحدث عنها والمرتبط بالعوامل السابقة ، في بقاء البنيات الاجتماعية في المغرب متماسكة راكدة ، هو عامل التجارة البعيدة المدى .
ان جزءا لامعا من تاريخنا لا يمكن فهمه مطلقا ، بدون التعرض لهذا العمل الهام . ان اعظم الدول المغربية ، وأروع المراحل التاريخية ، إنما قامت على هذا الاساس على اساس التجارة البعيدة المدى ( تجارة الذهب القادم من افريقيا السوداء ) ، وخصوصا منذ القرن التاسع الميلادي الذي تحولت فيه طرق التجارة هذه نحو المغرب ، والى حدود القرن الرابع عشر الذي تحولت فيه هذه الطرق نحو مصر . بل ان الشرط الحيوي لقيام الدولة المغربية طوال هذه المرحلة كان ، هو استيلاء قبيلة معينة على طرق التجارة ، وبعد هذا الاستيلاء ، كان يسهل بسط النفوذ على المغرب وعلى كل افريقيا الشمالية والأندلس .
ان دور الوسيط في التجارة البعيدة المدى بين افريقيا السوداء وأوربة وغيرها ، الذي لعبه المغرب ، كان مصدر الدخل الاساسي لدولة عظمى ، وذلك عن طريق الضرائب المفروضة على القوافل والأسواق والموانئ ، وعن طريق القوافل التجارية التابعة مباشرة للحكام .
وفي ظل هذه التجارة ، نشأت ونمت وتضخمت المدن ، وبهذا الصدد يقول ” ايف لاكوست ” في كتابه عن العلامة ابن خلدون : ” كانت المدن الكبرى التي تشكل مركز التجارة الكبيرة تستمر في تمثيل دور هائل في حياة افريقيا الشمالية ، وتبقى في كل دولة هي محاور الحياة الدينية والثقافية والسياسية ، وتجتذب عددا كبيرا من التجار المسيحيين والشرقيين . لقد كانت تضم مجموعات من الناس جد كثيفة نسبيا في ذلك العصر . كان عدد السكان في كل من تلمسان وقسطنطينة وبجاية ، يتراوح بين 40 الف و 50 الف ، وكانت مراكش تضم زهاء 60 الفا ، وتضم فاس 100 الفا . وكان سكان هذه الحاضرات الكبيرة جدا متداخلين : فهناك سكان متنقلون من ريفيين يأتون من القرى لأسباب دينية وتجارية ، او لأنهم طرائد عدم الاستقرار . اما السكان الاصليون ، فكانوا يشكلون عدة فئات منها : الموظفون والجنود الذي يحتلون القصبة ( المحلة الرسمية ) والمثقفون والحرفيون . وكانت تتحلق حول المسجد الكبير ، وهو قلب المدينة ، مختلف الاسواق المتخصصة ( وهي شوارع التجارة والحرف ) . كانت التجارة الاكثر غنى ، تتجمع قرب المسجد ، اما الحرف الوسخة فهي كانت تقام في الضواحي ” ( التقرير الايديولوجي – ص 44 ) .
وفي ظل هذه التجارة وعائداتها الهائلة ، خفت بشكل كبير الضرائب على الفلاحين ، الشيء الذي ساهم ، زيادة على الاستقرار والتبادل ، في تطوير نسبي للزراعة في عدة سهول مثل سوس ، وفي ضواحي المدن ، وان مثال الحوز في عصر الموحدين مثال بارز في هذا الشأن .
والجدير بالذكر في هذا السياق ، ان التطور الزراعي النسبي ، وتطور الحرف ، كانا مشروطين اساسا بالواقع الذي حلقته التجارة البعيدة المدى ، بالارستقراطية التي نشأت في احضانها ، ولذلك فأنهما سيخبوان بمجرد ما سيتحول اتجاه التجارة البعيدة عن المغرب .
يقول الدكتور سمير امين في كتابه ” التطور اللامتكافئ ” : ” هذه التجارة تربط بين مجتمعات لا تعرف بعضها البعض ، اي تربط بين منتجات يجهل كل من المجتمعين كلفتها بالنسبة للآخر ، وبين منتجات نادرة ، لا يمكن تعويضها . وتحتل الفئات الاجتماعية التي تقوم بهذه المهمة موقعا يمكنها من الاحتكار ، ويساعد بذلك على تحقيق ارباح عالية .
وتلعب التجارة البعيدة دورا حاسما حين يكون الفائض الذي يمكن للطبقات المسيطرة محليا ان تؤمنه من المنتجين في الداخل محدودا ، بسبب تطور القوى المنتجة وقسوة الظروف البيئية او بسبب المقاومات الشديدة للجماعة القروية .
في هذه الحالة نجد ان التجارة البعيدة تساعد عن طريق الربح الاحتكاري الذي تبيحه ، على انتقال الفائض من مجتمع الى آخر . وهذا الفائض المنقول ، يمكن ان يكون اساسا ، ويشكل بالنسبة للمجتمع الذي يستفيد منه ، القاعدة الرئيسية لثروة وقوة الطبقات القائدة . ويمكن ان يتوقف مصير حضارة ما بأكملها على هذه التجارة ، وان يدفع تغيير خطوط التبادل التجاري الى الانحطاط لبعض المناطق ، او بالعكس ، الى ازدهار مناطق اخرى ، دون ان يكون لهذا اي اثر هام على تطور القوى المنتجة او على تدهورها ” ( ص 18 ) .
وهكذا فان الحضارة الزاهية المغربية والشمال افريقيا ودولها العظمى ،
حتى القرن الرابع عشر ، وأثناء فترة عابرة في عهد السعديين ، لم تكن قائمة على الفائض المنتج محليا ، بل قامت على دور الوسيط في التجارة البعيدة المدى ، وما ان انعدمت شروط استمرار القيام بهذا الدور ، حتى تغير الوضع .
ومن هذا المنطلق ، فان تأكيد ” التقرير الايديولوجي ” على ضعف التبادل وبالتالي ، ضعف انتشار النقد ، كعامل من العوامل التي ابقت البنيات الاجتماعية – الاقتصادية راكدة ، هو تأكيد خاطئ ، ذلك الان انتشار النقد وحده لا يكفي لذلك ، خصوصا اذا كان مصدره هو دور الوسيط في التجارة البعيدة الذي يقول :
” وحتى في المناطق التي عرفت انتشارا نسبيا للملكية الفردية ، فان الارض لم تكن تنتقل بين الايدي لتتجمع في شكل ملكيات كبيرة واسعة ، نظرا لان تداول العملة في البادية كان ما يزال في مراحله الاولى ، حتى القرن التاسع عشر ، وأيضا لان التبادل الواسع الذي تقتضيه آلية الاقتصاد التجاري ، لم يكن موجودا إلا في حدود ضيقة ، الشيء الذي لم يكن يسمح بالتراكم النقدي في ايدي الفلاحين ، ذلك التراكم الضروري لقيام ملكيات زراعية واسعة وممركزة . يضاف الى ذلك ، عدم استقرار الزواج وتأثير قوانين الميراث الاسلامي ” ( ص 57 ) .
على العكس ، لقد لعب ، تراكم الثروات النقدية الهائلة الاتية من التجارة البعيدة المدى ، دورا معرقلا لتفجر البنيات الاجتماعية – الاقتصادية الجماعية ، و ذلك نظرا :
لكون الارستقراطية القبلية العسكرية والتجارية كانت تجد في عائدات التجارة البعيدة المدى ما يغنيها عن تملك وسائل الانتاج ، كما وجدت الدولة المتعاقبة حتى القرن الرابع عشر ، في هذه العائدات ما يغنيها عن تشديد نهبها للفائض الداخلي البسيط .
وهكذا ، بقيت وسائل الانتاج بسيطة وجماعية في الاغلب الاعم ، واستمرت البنيات الاجتماعية الجماعية متماسكة ، واستمرت الارستقراطية القبلية العسكرية والتجارية تعيش من دور الوسيط في التجارة البعيدة المدى ، حتى تحولت طرق التجارة الصحراوية نحو الشرق .
الفصل الثاني : المجتمع المغربي قبل الاستعمار المباشر
لقد رأينا في الفصل الاول كيف ان التقرير الايديولوجي في قسمه التاريخي ، لا يتحدث تقريبا ، ولا يحلل البنيات الاجتماعية – الاقتصادية المغربية قبل القرن الرابع عشر ، وبذلك يقفز عن مرحلة لامعة من تاريخنا ، ويفشل في اكتشاف الاسس التي قامت عليها الدول المغربية العظيمة ، ويلغي من حسابه واقع المدن الضخمة التي ما تزال تتحداه بعناد الواقع .
ونتيجة لذلك ، فما كان بإمكانه ان يرقى الى فهم اسباب ركود البنيات الاجتماعية – الاقتصادية الجماعية ، فظل يحوم حول السطح ، ضاربا في العمق المنهج الجدلي التاريخي الذي يدعي الاتكاء عليه . وسنرى فيما بعد ما اذا كان هذا التعسف على المنهج الجدلي التاريخي آتيا من ضعف في الاستيعاب ، ام آتيا من اختيارات ايديولوجية وسياسية مسبقة ، انطلاقا من موقع طبقي معين .
وفي هذه الحلقة سنساهم في القاء بعض الاضواء على المرحلة الممتدة من القرن الرابع عشر الى حلول الاستعمار المباشر . وسنبدأ بعرض الافكار الرئيسية الواردة في التقرير الايديولوجي :
1 ) – استمرار ركود البنيات الاقتصادية – الاجتماعية الجماعية القائمة على التضامن والمعتمد على اقتصاد الكفاف الزراعي .
2 ) – العزلة عن التقدم التكنولوجي بسبب حذر المغاربة ” الشديد من محاولات التدخل الاستعماري الذي كان يريد النفاد باسم ” الاصلاحات ” والعزلة عن ” الحركة الثقافية السياسية الاصلاحية التي عرفها الشرق العربي آنذاك ، نتيجة العلاقات التي ربطتها مع اوربة برجوازية عربية ناشئة ..؟ ” .

وضعية العزلة والدفاع هذه ” هي التي تشرح لنا اسباب بقاء البنيات الاقتصادية الاجتماعية والثقافية السائدة آنذاك في بلادنا ، راكدة تقاوم كل تغيير ، بل بعيدة عن اي تغيير .. ” .
3 ) – ظهور برجوازية جنينية هامشية ، يعتمد جزئها الاسفل القديم على الربا ، والمتاجرة بمنتوجات الصناعة التقليدية مع الفلاحين ، ” في حين كانت الفئة العليا والتي تشكلت خلال القرن التاسع عشر ، تجني ارباحها من ترويج المنتجات البيتية المستوردة من اوربة ، والمحدودة كما وكيفا بسبب مشكلة الامن … ان هذه البرجوازية كانت تتألف من كبار موظفي الدولة ، او من كبار التجار المرتبطين بهم . ولقد كنا هؤلاء يتعرضون دوما للمصادرة من طرف الجهاز الحاكم . ولذلك سارعوا الى الاستفادة من قوانين الامتيازات الممنوحة للدول الاجنبية فدخلوا في حمايتها زرافات ووحدانا ” .

4 ) – حل الاستعمار المباشر بواسطة المبشرين والقناصل ” والمساعدات التقنية والقروض والمعاهدات المفروضة السرية منها و العلنية ، الدولية والثنائية ..الخ . وأخيرا الغزو البري والبحري ، ثم جاءت بعد ذلك معاهدة ” الحماية ” لتكرس هذا الواقع .
5 ) — نظرا لكون المغرب منذ القرن الخامس عشر ظل هدف الغزاة الاوربيين ، ونظرا لكونه شكل كيانا مستقلا عبر تاريخه الطويل ( 11 قرنا ) ، ونظرا لبنياته الاجتماعية الجماعية .. نظرا لذلك ، فقد كان الدفاع عن الوطن هو المحور الاساسي لتحرك المغاربة ونضالهم ، ونشوء دولهم او سقوطها . وكان المحور الثاني للتحرك والصراع ، انطلاقا من طبيعة البنيات الاجتماعية ، ومن المفهوم الاسلامي للدولة ، هو النضال ضد الاستبداد . ” وهكذا فالدفاع من اجل حماية الوطن ، والنضال من اجل ما نسميه اليوم بالديمقراطية ، كانا يعنيان شيئا واحدا طوال عصور تاريخ شعبنا ، هذا الشعب الذي بقيت روحه مطبوعة بتقاليد الحذر والمبادأة ” .
6 ) – وقد استمرت مقاومة شعبنا للغزو الاستعماري ستة قرون ، اي طيلة العصر الذي كانت فيه الفروق التكنولوجية تسمح بالمقاومة .
ونستطيع ان نذكر مجمل هذه الافكار في كون المغرب ظل يقاوم الغزو الاجنبي لمدة ستة قرون ، وفي كون الاساس الذي حدد مواقف الشعب منها ، هو دورها في النضال الوطني ، وفي تطبيق المفهوم الاسلامي للحكم . ومقاومة المغاربة للغزو الاستعماري ، هي التي فرضت عزلة المغرب عن العالم الخارجي ، الشيء الذي يفسر استمرار ركود البنيات الاجتماعية – الاقتصادية ، والنضال ضد الغزاة او المخزن المتقاعس في الوقوف في وجههم ، او المستبد في علاقته بالقبائل هو ما يفسر الحركات المستمرة ، حركات القبائل او الحركات الدينية الاصلاحية . ولقد استمرت مقاومة الغزاة الى الحد الذي لم تعد تسمح فيه الفروق التكنولوجية بين المغاربة وبينهم بذلك .
وانتقاداتنا لهذا القسم ، نجملها فيما يلي :
1 – السقوط في نزعة مثالية تقديسية لتاريخنا . وما من شأن هذه النزعة إلا ان تعمي اصحابها عن الفهم الموضوعي لتاريخ مجتمعنا ، وقد اعمت هذه النزعة بالفعل اصحاب التقرير الايديولوجي عن ادراك وفهم وتفسير واقع التشتت والتجزئة وانعدام الاستقرار . وعوض ذلك ، الصقوا لكل مظاهر التشتت والتجزئة وانعدام الاستقرار ، لافتات الوطنية والديمقراطية . وحسبهم ، يمكن ادراج تحركات الكلاوي والمتوكي وغيرهما تحت اللافتتين العزيزتين الوطنية والديمقراطية .
2 – ونظرا لهذه النزعة المثالية التي تطمس الابصار ، وتحول دون الفهم الصحيح ، فهاهم اصحاب التقرير يسقطون في خطأ كبير عندما يفسرون ركود البنيات الاجتماعية – الاقتصادية ، ومقاومتها للتغيير ، بالعزلة والدفاع . وهذا لعمري منتهى الضحالة والتبسيط . فهم يفكرون بهذا الشكل الكاريكاتوري : لقد استمرت البنيات الاجتماعية – الاقتصادية راكدة ، ولكن دخول الاستعمار المباشر فجرها . اذن ، لو تجاوز المغرب موقف العزلة والحذر والدفاع ، وتغلغل الاستعمار قبل 1912 بكثير ، لتغير البنيات الراكدة .
ان جذر الخطأ آت من عدم فهم الواقع المعتمد اقتصاديا اجتماعيا سياسيا وثقافيا ، والذي كان يعيشه المغرب منذ القرن الخامس عشر . ان تغيير البنيات الاجتماعية – الاقتصادية باستثناء حالات الغزو المباشر او غير المباشر ، إنما تلعب فيه العوامل الداخلية الدور الرئيسي . بل ان وضع العزلة الذي عاشته اليابان في القرنيين الاخيرين ساعدها بشكل هام على التطور نحو الرأسمالية ” الاصيلة ” . صحيح ان البنيات التي كانت سائدة في اليابان قبل انتقالها الى الرأسمالية ليست شبيهة ببنياتنا . ولكن الجوهري في هذا النقاش هو ان العزلة ، او العوامل الخارجية ما كانت في يوم من الايام هي العامل الرئيسي في تغير او ركود بنيات اجتماعية – اقتصادية معينة ، باستثناء حالات الغزو المباشر او غير المباشر . وقد رأينا في الحلقة الماضية كيف ان التجارة البعيدة المدى رغم اهميتها ، ورغم استمرارها عدة قرون ، لم تغير البنيات الاجتماعية والاقتصادية المغربية .
3 — وفي نفس الاتجاه ، ولان المنطق مثالي ، يفشل التقرير الايديولوجي في معرفة اسباب هزيمة النضال الوطني الذي دام ستة قرون ، ولا يجد شيئا يبرر به ذلك غير ” الفوارق التكنولوجية التي لم تعد تسمح بالمقاومة ” ، رغم ان هذا التبرير تسفهه كل تجارب الماضي والحاضر ، تجارب شعبنا وتجارب شعوب عديدة . ويبقى الاساسي الذي لا يلتفت اليه التقرير في نزعة مثالية ، هو تعرية الواقع الاجتماعي – الاقتصادي – السياسي الذي يعتبر عاملا ثانيا رئيسيا في دخول الاستعمار ، بالإضافة الى العامل الرئيسي الاول ، وهو صعود الرأسمالية الاوربية ، وتوجهها الحتمي نحو الاستعمار ، وقوتها الهائلة لانجاز ذلك .
4 — وبالنتيجة ، يتحاشى التقرير الايديولوجي رصد التغييرات التي طرأت على المخزن في صيرورة النضال الوطني والصراع الاجتماعي ، والتي جعلته في الاخير يلتقي موضوعيا مع الاستعمار .
وسنحاول البرهنة على ما نذهب اليه ، بعرض الخلاصات التالية حول المرحلة التاريخية ابتداء من القرن الرابع عشر الى دخول الاستعمار .
تحول طرق التجارة البعيدة :
منذ القرن الرابع عشر ، تحولت طرق التجارة الصحراوية نحو الشرق ، نحو مصر ، الشيء الذي شكل قاعدة ، بالإضافة الى زراعة وادي النيل المتطورة ، قامت على اساسها قوة المماليك في هذه المرحلة . وفي هذه الاثناء ، انطفأت سجلماسة التي شكلت عبر قرون عديدة ذاك المركز التجاري الهام المتحكم في طرق التجارة مع ” السودان ” ومفتاح السيطرة الاقتصادية والسياسية على المغرب وشمال افريقيا .
وقد ترافق ذلك تقريبا مع نهوض البرجوازية المركانتيلية باكتشافها لأمريكا وطريق الهند عبر رأس الرجاء الصالح ، ثم سيطرتها على هذه المناطق والطرق ، وتبع ذلك غزو الشواطئ المغربية والاستيلاء على اهم الموانئ من طرف البرتغاليين والأسبان . وبذلك فقد المغرب والعالم العربي بصفة عامة ، دوره كوسيط احتكاري في التجارة البعيدة المدى ، وانحطت الى الحضيض حضارته المتلألئة السابقة .
هذا الواقع الجديد : تحول طرق التجارة الافريقية نحو مصر ، ثم سيطرة البرجوازية الاوربية الصاعدة عليها وعلى سواها ، والغزو الاستعماري لشواطئنا وبعض مناطقنا الاخرى … هذا الواقع الجديد ، بالإضافة طبعا الى نوعية البنيات الاجتماعية الاقتصادية المغربية الراكدة ، هو المفتاح لفهم وتحليل التطورات التي مرت بها بلادنا الى غاية سقوطها تحت الاستعمار المباشر .
تفاقم التشتت والتجزئة :
ان المتتبع لتاريخ الدولة المغربية منذ عهد بني مرين مرورا بالوطاسيين والسعديين والعلويين ، لن يجد فترة شملت فيها سيطرة هذه الدول المغرب كله ، فبالا حرى شمال افريقيا . فما ان يفرغ سلطان من اخضاع قبيلة او منطقة حتى تنتفض اخرى . وما يتوجه لقمع الانتفاضة الجديدة ، حتى تنتفض القبائل التي ’اخضعت سابقا . اما عند موت السلطان ، فان الامر يصبح ادهى ، وتطل رؤوس المطالبين بالعرش من كل جهة ، مدعمة بجزء من القبائل ورجال الدولة والعلماء والزوايا . هذا بالإضافة الى تمرد المطالبين بالعرش في حياة السلطان .
ففي عهد المرينيين مثلا ، في الفترة ما بين 1358 و 1465 ، مر على كرسي السلنطة 17 سلطانا ، اغتيل سبعة من هؤلاء السلاطين ، وعزل عن العرش خمسة ، واستمر على العرش حتى مات بشكل طبيعي خمسة سلاطين فقط . وكان من هؤلاء اطفال تتراوح اعمارهم عند اعتلاءهم كرسي السلطنة ما بين خمس وعشر سنوات .
وهكذا اصبحت ظاهرة ” السيبة ” – المخزن خلال كل هذه المرحلة ظاهرة مزمنة دائمة . وقد كانت بلاد السيبة تضيق وتتسع حسب قوة قمع الدولة ، وحسب انتعاشها الاقتصادي ، وحسب التهديد الاستعماري وموقف الدولة منه . ولكن الاساسي ان ظاهرة بلاد السيبة لم تغب طوال هذه المدة والمرحلة .
ان تفسير هذا الواقع ، يكمن في تلاشي الاساس الاقتصادي الذي كانت تقوم عليه القبائل القوية التي شكلت الدول العظمى ، هذا الاساس الذي تمثل في السيطرة على طرق التجارة البعيدة المدى ، وجني العائدات الهائلة من ذلك ، هذا الاساس الذي مكن الدول العظمى من تدعيم قوتها العسكرية والسياسية ، واصطناع القبائل الحليفة ، وتطوير اوضاع السكان في المدن والبوادي ، بتخفيف النهب وتحقيق الاستقرار ، وتطوير نسبي للزراعة والحرف ، وتنشيط الثقافة والعلوم نتيجة لذلك .
ان هذا التلاشي ، كما قلنا ، ابتدأ منذ المرينيين ، وتعمق باحتلال الموانئ المغربية ، وبذلك :
— ازداد تماسك القبائل ونفورها من الخضوع ، نتيجة لانعدام امكانيات ظهور القبائل القوية القادرة بفضل قوتها الاقتصادية والعسكرية على بسط نفوذها على ما عداها من القبائل .
— ازداد النهب ، واشتدت وطأة الضرائب المختلفة على القبائل وعلى سكان المدن ، الشيء الذي ادى ، بالإضافة الى كثرة الاضطرابات وضعف التبادل ، الى تراجع خطير في الزراعة والصناعة ، وادى في نفس الوقت الى تقوية الاتجاهات التمردية من طرف القبائل .
النضال الوطني :
صحيح ما جاء به التقرير الايديولوجي حول الدور الحاسم الذي لعبه النضال الوطني ضد الغزاة الاجانب ، سواء في جمع شتات القبائل المتصارعة ، او في عزل وإسقاط دول متقاعسة وإعلاء دول جديدة . وصحيح ايضا ان الانتصارات الكبيرة على الغزاة كانت تنعش بشكل هام وضع الجماعات والدول المحركة والقائدة للنضال الوطني ، فمن الناحية الاقتصادية على الخصوص ، كان تحرير الموانئ ينعش التجارة نسبيا رغم الحصار البحري الاوربي ، ورغم الحصار البري من الشرق ( الاتراك في الجزائر آنذاك ) . كما كانت الفترة العابرة التي استعاد فيها السعديون جزءا من السودان عمال تدعيم اقتصادي وسياسي وعسكري لدولة هؤلاء ، خصوصا اذا ’اضيفت الى ذلك انتصاراتهم المدوية على البرتغاليين ( وادي المخازن ) .
ولكن ما يجب ابرازه ، هو ان الاتجاه الوحدوي الذي كان يقوى اثناء مواجهة الغزاة الاجانب ، لم يكن يصمد ويترسّخ خارج هذا الاطار ، نظرا لما اشرنا اليه من استمرار تماسك القبائل ، والضعف الاقتصادي والسياسي والعسكري ، وتشديد النهب نتيجة لذلك من طرف دول هذه المرحلة بصفة عامة .
وهكذا ، فقد كان التشتت والتجزئة اللتين يضيقان ويتسعان ، بالأساس نتيجة للازمة البنيوية التي كان يعيشها المغرب : نتيجة التركيب القبلي للمجتمع ، ونتيجة الاقتصاد الزراعي الرعوي البسيط الذي بقي عند مستوى التركيبة الاجتماعية ، ولم يتجاوزها ليفجرها بشكل عميق ، ويولد طبقة قوية تستطيع توحيد البلاد اقتصاديا وسياسيا ، توحيدا ليس محدودا فقط في رد الغزوات الاستعمارية ، وليس محدودا فقط في الدين الواحد .
الاشراف والزوايا :
لم يكن صدفة ، بعد توالي الدول القائمة على القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية لقبائل رئيسية خصوصا دول المرابطين والموحدين والمرينيين ،، لم يكن صدفة ان يطل تحول جديد في اصل ومميزات الاسرة الحاكمة بعد الوطاسيون ( السعديون والعلويون ) .
فالدولتان الاخيرتان لم تقوما على كاهل القبيلة الاقوى بقدر ما قامتا على اساس ، فئات تمتلك بعض المميزات الايديولوجية المهمة في ذلك الوقت ( النسب الشريف ، الاطلاع على الدين ) الشيء الذي كان اساسيا نظرا للدور الذي يلعبه الدين ، وما يرتبط به في مواجهة الغزاة غير المسلمين والحفاظ على الاستقلال .
وبالفعل ، فقد لعبت هذه الفئات ، طبعا بالاعتماد على بعض القبائل دورا فعالا في النضال الوطني ، ومن هنا تأهلا لإنشاء الدولي .
ان هذا التحول الجديد يثبت ما سجلناه سابقا حول غياب الشروط التي كانت في المرحلة السابقة تتيح امكانية ظهور ” القبائل السائدة ” . وهذا لا يعني ان السعديين لم يعتمدوا في انشاء حكمهم على بعض القبائل ، بل يعني الاعتماد على القبيلة بالأساس لإقامة الدول لم يعد ممكنا ، بل اصبح الامر يقتضي توفر ” امتيازات ايديولوجية ” اكثر من السابق ، هذا زيادة على البروز في النضال الوطني .
وفي هذه المرحلة ايضا ، ظهرت ثم انتشرت الزوايا في كل جهات البلاد ، وهذه الظاهرة لعبت بالفعل ادوارا هامة في النضال ضد الغزاة الاوربيين ، كما لعبت ايضا دورا في وقف النفوذ العثماني الطامح الى التسلل الى المغرب ، كما لعبت بعض الزوايا دورا نشيطا في تدعيم نفوذ السلاطين العلويين في بعض القبائل والمناطق ، وساهمت في نشر الثقافة الدينية بالأساس .
ولكن هناك دور خطير لعبته هذه الزوايا او جزءا كبيرا منها ، ولم يذكره او يشر اليه التقرير الايديولوجي انسياقا مع نزعته المثالية التقديسية لتاريخنا .
فقد لعبت اغلب الزوايا دورا في تركيز المحلية والتجزئة وتوسيع دائرة بلاد السيبة ، لا فقط ضد السلطنة المتقاعسة عن النضال الوطني ، بل ضد السلطة بصفة عامة ، وذلك ناشئ بالضبط من منافسة هذه الزوايا للدولة المركزية سياسيا ودينيا ، وبمنافستها لها اقتصاديا . وفي هذا الباب فان الثروات التي كانت تستحوذ عليها الزوايا كانت هائلة ، واغلبها كان عبارة عن ضرائب تأخذها من القبائل ، ’سميت تلطيفا ب ” الزيارة ” او ” الهدية ” . كما كانت ثروة الزوايا تتشكل في جزء منها من دور الحماية للقوافل التجارية ، هذا الدور الذي كانت تضطلع به بعض الزوايا مستغلة في ذلك نوفدها الديني ، هذا بالإضافة الى الاستفادة ، بالنسبة للزوايا غير المتناقضة جذريا مع المخزن ، من اموال الاحتباس .
وهكذا ، فقد كانت اغلب الزوايا تشجع المحلية والتجزئة ، لأنها تستمد منها قوتها الاقتصادية والسياسية والدينية : وقد صرح احد شيوخ الزوايا لأحد الاستعماريين : ” نحن الوزانيين نريد ان نكون سادة مناطقنا ، اننا لا نرفض دفع الضرائب فحسب ، بل ان من حقنا ان نستلم الضرائب لصالحنا ” .
كما لعبت كثير من الزوايا دورا رجعيا في تشويه الاسلام وتحويله الى طرق لا تحصى من ” الجذب ” و الغيبوبة و ” الاذكار ” .
هذا بالإضافة الى دور العمالة المستترة والمفضوحة والذي لعبته بشكل فعال بعض كبريات الزوايا ومشاهير الشيوخ . فقد كانت مثلا الزاوية الوزانية المشهورة سباقة الى طلب الحماية الاجنبية ، والركوع للحماية الفرنسية . هذا وستلعب الزاوية الكتانية ، بعد دخول الاستعمار المباشر دورا رهيبا في العمالة له . وقد سئل شيخ الزاوية الكتانية عن الدور الفعال الذي لعبته الزاوية في النضال ضد الاستعمار وعن دور العمالة المفضوحة الذي تلعبه بعضها اثناء الاستعمار فأجاب : بأنا نريد النظام والاستقرار ، ولما تحققنا من ان الفرنسيين لا يريدون الا مصلحة شعبنا ، فقد وقفنا الى جانبهم .
محاولات التوحيد والإصلاح وفشلها :
لقد بذلت هذه المرحلة التي نتحدث عنها جهودا مضنية من اجل فرض سيطرتها على كل المناطق والقبائل المغربية ، وقد شملت هذه المحاولات اكثر من جهة :
فعلى المستوى الوطني ، ومن اجل تحرير الموانئ المغربية التي اصبحت هدف الغزاة الاسبان والبرتغاليين منذ عهد بني مرين ، شنت الدول المتعاقبة نضالا مريرا في هذا الاتجاه . وكان هذا النضال بطبيعة الحال يأخذ درجة اتساعه او ضيقه او تخاذله حسب قوة كل دولة في كل مرحلة من مراحلها ، الامر الذي كان يصل ببعض هذه الدول اثناء ضعفها الى حد التقاعس الذي لم يكن من شأنه إلا ان يحفر قبرها .
وعلى المستوى الاقتصادي ايضا بذلت جهود كبيرة اعتمدت حينا محاولة السيطرة من جديد على طرق التجارة الصحراوية ، كما حدث بشكل عابر في عصر المنصور الذهبي ، واعتمدت في غالب الاحيان الزيادة في الضرائب العادية ( التي يقررها الاسلام ) ، وفرض الضرائب الجديدة مثل المكوس على الابواب والأسواق والمتاجر ، او مثل ” الهدايا ” المفروضة على القبائل ( من الامثلة التي اوردها جاك بيرك في كتابه البنيات الاجتماعية في الاطلس الكبير ، ان ظهيرا سلطانيا صدر سنة 1884 لتنظيم الضرائب ، حدد لقبيلة سكسيوة كضرائب وخدمات ما يلي : 1215 مثقالا ( نقود ) في الاعياد . 50 كبشا في عيد الاضحى . 300 دجاجة + البيض . قنطار من الفواكه . السخرة في انشاء السواقي المخزنية و المشاركة في ” الحركة ” بشريا وماديا ) . هذا بالإضافة الى تقوية القوات البحرية ( القرصنة ) والسيطرة على الموانئ ، ومحاولات فرض الامن وحماية القوافل التجارية .
وقد كانت اجرأ المحاولات ما اقدم عليه المخزن العلوي في القرن التاسع عشر من احتكار التجارة الخارجية بواسطة تجار تابعين للمخزن ( تجار السلطان ) الذين كان اغلبهم من اليهود .
وعلى المستوى السياسي والعسكري ، اعتمدت دول هذا المرحلة على جزء من القبائل ومنحتها الكثير من الامتيازات مثل الاعفاء من الضرائب ومنح الاراضي ، وإسناد الوظائف الهامة لعناصر منها ، هذه القبائل سميت ” قبائل الجيش ” . كما اعتمدت بعض هذه الدول في بعض المراحل على تجنيد المرتزقة من ” العبيد ” الافارقة بالأساس ، هذا زيادة على الاعتماد على الزعماء والاعيان المحليين وربطهم مصلحيا بالدولة ، وتكليفهم اساسا بجباية الضرائب ، وكان اجرأ المحاولات هي محاولة السلطان اسماعيل العلوي في استهدفت اعتمادا على مرتزقة ” البواخر ” ، نزع اسلحة القبائل التي لا تشكل جزءا من قبائل الجيش ، وربطها بالأرض والزراعة لاستغلالها .
وقد وصلت محاولات الاصلاح العسكري الى ” التفتح ” على ” الاساليب والتقنيات الاوربية ” ، وفتح المجال امام الدول الاستعمارية ، وخصوصا فرنسا للتحكم في الجيش المغربي .
ووصلت محاولات الاصلاح السياسي ، مع تطور الاحتجاج ضد الغزو الاجنبي الاستعماري ، وضد تقاعس المخزن ، الى فرض ” المجلس الاستشاري ” المكون من العلماء والأعيان .
وعلى المستوى الديني حاولت الدول المتعاقبة ، وخصوصا السعديين والعلويين ، اضعاف نفوذ ” الاشراف ” الاخرين ، ونفوذ الزوايا . وكان الاسلوب الاساسي المعتمد في ذلك هو نشر المذهب المالكي ، وفرض القضاء الاسلامي الرسمي ، هذا بالإضافة الى تفتح السلاطين العلويين على السلفية الصاعدة في الشرق العربي ، والجزيرة اساسا . وقد بذلت محاولات اخرى ، عندما اصبح نفوذ الزوايا لا يقهر ، تركزت في العمل على كسب ومساندة بعض الزوايا ، وهكذا سنجد ان اغلب السلاطين العلويين في القرن التاسع عشر ، كانوا مرتبطين بزوايا مختلفة و ” اخوانا ” فيها .
وقد كان الفشل الذريع مصير هذه المحاولات المختلفة. فقد تفاقمت الوضعية الاقتصادية باتساع حركة التمرد القبلي ( وهناك حركات دعمت من طرف الاستعماريين كحركة الروكي بوحمارة ، وهذه الحركة طبعا ليست وطنية ، اللهم إلا اذا كان للتقرير الايديولوجي مفهوم خاص للوطنية والديمقراطية لا نعلمه ) ، واتساع دائرة السيبة ، وحرمان المخزن من الضرائب ، هذا الحرمان الذي زاد منه التجاء اعداد هامة من التجار الى الحماية الفرنسية والأجنبية ، يضاف الى ذلك ” التعويضات ” الباهظة المفروضة على المخزن بعد هزائمه امام الفرنسيين والأسبان ، وفي كل مناوشة شعبية ضد ” رعاياهما ” ، والقضاء على البقية الباقية من التجارة الصحراوية بعد استعمار الجنوب المغربي وإفريقيا السوداء ، الشيء الذي جعل المخزن ينبطح متهالكا امام القروض الاجنبية ، ثم يفتح البلاد على مصراعيها للغزو الاستعماري ويسلمه كل مفاتيحها .
ونفس المصير بالنتيجة ، كان نصيب المحاولات السياسية والعسكرية والدينية . فموظفو الدولة بمختلف درجاتهم ، كانوا يتقاضون اجورهم نهبا من الشعب بشكل فظيع ، وما كانت الدول تستطيع دفع اجورهم من ميزانيتها . وكان طبيعيا ان يفشلوا في ابقاء نفوذ الدولة على اوسع القبائل والمناطق . والجيش تتضاءل وتتقوى اجوره ، ثم يفجره التدخل الاستعماري للتحكم فيه . كل ذلك اضعف بشكل كبير ” هيبة ” الدولة وافشل جهودها ضد زعماء الزوايا .
وهكذا سقط المخزن بالتدريج راكعا تحت اقدام الاستعمار الفرنسي والاسباني ، بعد ان استنفد كل امكانيات الصمود ، وأصبحت مصلحته في البقاء في هذه المرحلة مرتبطة بالاستعمار المباشر .
وقد قررت هذه النتيجة عوامل داخلية شرحناها اعلاه ، تلخصت في طبيعة البنيات الاجتماعية – الاقتصادية الجماعية الراكدة ، وعوامل خارجية تمثلت بالأساس في صمود الرأسمالية ووصولها الى مرحلتها العليا : الامبريالية .
ولتبيان اهمية هذه العوامل الداخلية التي اثرت بشكل كبير في المصير الذي آل اليه المغرب – اما العوامل الخارجية فلا احد يجادل فيها — نشير اولا الى النجاح الكبير نسبيا الذي عرفته اصلاحات محمد علي في مصر ، هذه الاصلاحات التي اعتمدت على انتاج زراعي متطور ، وتمايز طبقي واضح ، اساسه الملاّكون الكبار والفلاحون الصغار والعمال الزراعيون ، هذه الاصلاحات التي وصلت الى انشاء جيش قوي وخلق بذور صناعة واعدة ، بالإضافة الى التطويرات العلمية والثقافية . ورغم ذلك ، فما كان بالإمكان النجاة من السقوط تحت السيطرة الاستعمارية.
ونشير ثانيا الى الصعود المتأخر للرأسمالية اليابانية ، على انقاض بنية اجتماعية – اقتصادية اقطاعية ، مستفيدة في ذلك من عوامل العزلة والبعد عن مراكز الرأسمالية في اوربة ، الشيء الذي مكنها رغم تأخر صعودها من النجاة من الاستعمار .
وهكذا ، فالمسألة في الحقيقة لا تتوقف عند المستوى التكنولوجي المائل بشكل هادئ لصالح اوربة الرأسمالية ، بل المسألة هي مسألة بنيات اجتماعية اقتصادية اكثر توجها نحو التجزئة المحلية ، خصوصا بعد زوال العوامل الخارجية الاقتصادية ( التجارة البعيدة المدى ) التي كانت تشكل الاساس المادي لظهور القبائل القوية ، وبالتالي الدول المغربية العظمى .هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية ، فالمسألة هي مسألة صعود الرأسمالية وتجاوزها الحدود القومية وتحولها الى امبريالية .
وهكذا ، فلم تكن كل الصراعات والتحركات تتمحور فقط في النضال الوطني و الديمقراطي ، رغم النصيب الهائل من التحرك والتأثير الذي حظي به النضال الوطني ، والنضال ضد تعسف السلطة . لكن اضطرابات وتحركات لا تحصى ، إنما كان مصدرها الطبيعة القبلية المميزة للمجتمع المغربي الاكثر نفورا من السلطة المركزية ، اللهم إلا القبائل المستفيدة من المخزن . يضاف الى ذلك ان تحركان هائلة ، مثل تحركات قوات الجنوب ضد الهيبة ، ومثل تحركات الروكي بوحمارة ، لا يمكن نهائيا ان ننعتها بالوطنية . هذا ، بالإضافة الى دور كثير من الزوايا لا في تركيز التجزئة وحسب ، بل في دور العمالة للاستعمار الذي لعب لعبه بعضها بشكل نشيط .
والخلاصة ، ان النظرة المثالية التقديسية لتاريخنا التي اعتمدا التقرير الايديولوجي ، ما كان بإمكانها ان تنجز تحليلا علميا للبنيات الاجتماعية الاقتصادية المغربية ، وما كان بإمكانها ان تفسر العوامل التي قررت سقوط بلادنا تحت الاستعمار المباشر ، والتقاء مصلحة المخزن في الاخير مع المصالح الاستعمارية .
لقد انطلقنا في مناقشة التقرير الايديولوجي للاتحاد الاشتراكي من المنطلق الصحيح الذي حدده التقرير نفسه : هذا المنطلق الرامي الى تجاوز المسبوقات والصيغ الجامدة ، والهادف الى تحليل الوقائع والبنيات في تطورها وصيرورتها التاريخية من اجل فهمها فهما صحيحا والعمل تغييرها ثوريا . نقول ، لقد انطلقنا مع التقرير الايديولوجي من هذا المنطلق وذلك : لنرى الى اي حد اخلص لمنطلقاته المنهجية ، وبالتالي نجاحه او فشله في تحليل خصوصيات المجتمع المغربي عبر تطوره . كل ذلك طبعا بهدف الفهم والتفسير الصحيح لظاهرة الاستعمار بشكليه المباشر وغير المباشر ، بهدف تفسير ظاهرة التخلف وتحليل تعقيداتها الاقتصادية الاجتماعية السياسية الثقافية والدينية ، ومن تحديد الاتجاه العام للثورة المغربية ، وتكتيكات المرحلة .
وقد رأينا لحد الآن ، من خلال الحلقتين السابقتين ، ان التقرير الايديولوجي سقط في عدة اخطاء منهجية ، وجره ذلك الى ارتكاب اخطاء فادحة نركزها فيما يلي :
1 ) – تجاوز التحليل المادي التاريخي ، عن طريق اقتطاع مراحل معينة من تاريخ المجتمع المغربي – بشكل متعسف – عن باقي المراحل الاخرى . والنتيجة التي يقود اليها هذا المنهج اللاتاريخي ، والتي وصل اليها التقرير الايديولوجي ، هي عدم فهمه لجوهر البنيات الاجتماعية الاقتصادية المغربية قبل الاستعمار ، وإلغاءه بشكل ” نعامي ” ( نسبة الى النعامة ) لوقائع عنيدة ، وبالتالي سقوطه في الصيغ الجامدة التبسيطية التي يصرخ ضدها ، و ذلك بتأكيد طابع الركود الذي طبع البنيات الاقتصادية والاجتماعية ، وكفى … وبالتأكيد السلبي اللفظي : ” المهم ان المغرب لم يعرف نمط الانتاج الاقطاعي الذي عرفته اوربة ” .
2 ) – السقوط في التعميم والتقديس ، وهكذا فكل التمردات القبلية وكل الصراعات ، وجميع تحركات الزوايا … لخ ، كل ذلك انما يترك تحت اللافتتين العزيزتين : النضال الوطني والنضال الديمقراطي .
وبالنتيجة ، فالتقرير الايديولوجي لا يرى في اسباب السيطرة الاستعمارية إلا عاملا وحيدا ، هو قوة الاستعمار التكنولوجية ، وليس ايضا نوعية البنيات الاجتماعية الاقتصادية المغربية ، ودور القوى الرجعية ( جزء هام من الزوايا والمخزن وسادة القبائل ) .
وقبل المرور الى القسم الثالث ، نعيد التذكير بان النقاش لم يكتمل بعد حول المرحلة السابقة للاستعمار المباشر ، وسيكون المجال لاستكمال هذا النقاش ، هو تحليل مفهوم الدولة وتطورها ودور العوامل الايديولوجية في ذلك ، الشيء الذي سنخصص له فصلا على حدة .
الفصل الثالث : مرحلة الاستعمار المباشر
وسنبدأ كعادتنا ، بتلخيص اهم افكار التقرير الايديولوجي حول هذه المرحلة .
ينطلق التقرير الايديولوجي بهدف تعرية لا علمية وخداع شعار ” الليبرالية ” ، وتتبع تطور التحولات الاجتماعية في ظل السيطرة الاستعمارية ، فيركز على النقاط التالية :
1 ) – استراتيجية الاقتصاد الاستعماري قامت على اسس : تحديد نوعية وكم الانتاج الزراعي والمنجمي حسب ما يخدم الميتروبول – تقسيم البلاد انطلاقا من ذلك الى مناطق اقتصادية — ، فكل الانشاءات التي اقدم عليها الاستعمار انما كانت في الجوهر تخدم استراتيجيته الاقتصادية هذه بالأساس .
وقد مرت هذه الاستراتيجية بثلاثة اطوار : اقامة اسس بنية تحتية ( طرق موانئ … لخ ) ، وقمع تمردات القبائل — انطلاق الانتاج الاستعماري والاستيلاء على الاراضي ، وإنشاء المكاتب الموجهة والمشرفة على عملية الانتاج ، وما يقتضيه كل ذلك من اجراءات قانونية وإدارية وغيرها – توسيع مجال الاقتصاد الاستعماري ، والتخطيط لذلك من حاجيات الامبريالية بعد الحرب العالمية الثانية ، وإنشاء مشاريع الري ومصادر الطاقة ، بتدعيم الزراعة الاستعمارية والصناعة المكملة لصناعة المتروبول ، هذا بالإضافة الى التعليم — .
2 ) – الاداة المسيرة والموجهة لهذه الاستراتيجية تتداخل فيها : الشبكة الاقتصادية – المالية – السياسية التي قادها بنك باريس والبلاد المنخفضة من جهة ، وإدارة الحماية ، من جهة اخرى .
3 ) – التحولات الاجتماعية في ظل السيطرة الاستعمارية :
في المرحلة الاولى ، كانت التحويلات سلمية بفعل تغلغل النقد والتجارة الاستعمارية ، وإنشاء بعض المشاريع .
وفي المرحلة الثانية ، كانت التحويلات قسرية وعنيفة لعبت فيها مصادرة الاراضي ، ومنع تنقل القبائل ، بالاعتماد على القياد في البوادي .
وفي المرحلة الثالثة ، ستظهر تحولات اكثر عمقا بظهور برجوازية محلية مستفيدة من ” مغربة ” التجارة الاستعمارية ، وبنمو الطبقة العاملة والمثقفين من ابناء الفئات الشعبية .
4 ) – المخزن ، اصبح وجوده شكليا في ظل الاستعمار المباشر ، ولم تكن المحافظة على وجوده الشكلي هذا إلا مراعاة للمعاهدات الدولية ، وخدمة لديماغوجية ” المحافظة والتقليد ” ، وسيتحول المخزن في اواخر العهد الاستعماري الى اداة بيد الحركة الوطنية .
5 ) – الحركة الوطنية وتناقضاتها : التناقض الرئيسي هم بين الاستعمار وبين الحركة الوطنية ، وقيادة الحركة الوطنية كانت بيد البرجوازية المحلية المستفيدة من الاقتصاد الاستعماري ، ومع تطور تناقضات وعوامل تخريب البنية الاستعمارية ، تطورت وتعمقت تناقضات الحركة الوطنية ببروز الطبقة العاملة والمثقفين من ابناء الفئات الشعبية ، الى ان وقع انقطاع بين القيادة والمناضلين والجماهير ، وفي هذه الاثناء توسعت المقاومة المسلحة وأسس الاتحاد المغربي للشغل ، وتوحد النضال بين المدن والبوادي . ورغم ذلك ، ونتيجة للتوعية القاصرة والغامضة ، ولنقص الاطر المثقفة بالحركة المسلحة ، لم تنته الهيمنة البرجوازية على الحركة الوطنية ، بل استمرت البرجوازية ناطقا رسميا باسمها ، وساهمت في اجهاضها ، عندما غير الاستعمار اسلوب المواجهة وجاءت اكس ليبان .
هذه باختصار شديد اهم نقاط التقرير الايديولوجي حول المرحلة الاستعمارية .
وملاحظتنا الاساسية على هذا القسم تتركز في كون التقرير الايديولوجي :
1 ) – لا يكشف ابعاد المخطط الاستعماري في بلادنا وخصوصا ، أبعاد التقسيم والتجزئة للتراب الوطني والشعب المغربي .
2 ) – لا يكشف عن كل تحالفات الاستعمار مع القوى الرجعية المحلية زيادة على القياد .
3 ) – يسقط في التبسيط والسطحية عند رصده لتطور السيطرة الاستعمارية .
4 ) – يخطئ في تحليل وضعية البرجوازية المحلية ولا يميز بين فئاتها .
5 ) – ى يحلل المصالح التي دفعت جزءا من المخزن الى التحالف مع الحركة الوطنية ، ولا يحدد مدى هذا التحالف .
6 ) – وبالنتيجة ، لا يستخلص التقرير الايديولوجي كل الدروس من تجربة الحركة الوطنية .
وسنفصل الحديث نسبيا حول هذه الانتقادات .
من ابرز دعائم الاستراتيجية الاستعمارية والامبريالية ، في اتجاه وبهدف تخليد سيطرتها على الشعوب ونهب خيراتها وجهدها ، من ابرز دعائم هذه الاستراتيجية ، مخطط التجزئة الترابية والبشرية .
وبالفعل ، ومع بداية القرن العشرين ، كان الوطن المغربي قد جزأه الاستعمار الى عدة اشلاء :
+ + القسم الجنوبي : موريتانيا بيد الاستعمار الفرنسي ، والساقية الحمراء ووادي الذهب بين الاستعمار الاسباني .
+ + القسم الشمالي : جزء اساسي منه بيد الاستعمار الفرنسي ، والجزء الاخر بيد الاستعمار الاسباني . اما طنجة ، فكانت بيد كل الامبرياليات .
+ + هذا بالإضافة الى تمييع وتعتيم الحود الشرقية .
ولم يتوقف الاستعمار عند هذا الحد ، بل سخر كل طاقاته الاقتصادية والعسكرية و ” العلمية ” والقانونية والدينية ، لخلق الشعب البربري وفصله عن الشعب المغربي ، وذلك على امتداد مرحلة زمنية طويلة .
كما عمل الاستعمار على قطع كل الصلات × وتنمية اسباب الفرقة بين الشعوب العربية .
وهكذا ، فان ابرز معالم مخطط التجزئة والتقسيم الاستعماري ، ليس شيئا ثانويا في اكتشاف اسس ظاهرة التخلف ، وفي تحديد استراتيجية المواجهة .
تحالف الاستعمار والقوى المحلية الرجعية :
منذ البدايات الاولى للتسرب الاستعماري المباشر الى بلادنا ، كان اتجاهه في اصطناع الحلفاء والأتباع واضحا ( التحالف مع عديد من الزوايا ، الحماية لعدد من التجار ، التحالف مع بعض القياد …لخ ) . ومع فرض الاستعمار سيطرته على البلاد ، كان تحالفه مع القوى الرجعية المحلية التالية :
— كبار القياد الذين اعطاهم سلطات واسعة على قبائلهم ، ودعمهم عسكريا وسياسيا ، وفسح المجال للسيطرة على مساحات هائلة من اراضي القبائل واستغلال الفلاحين بشكل فظيع عن طريق الضرائب والسخرة .. كما اعتمد الاستعمار على جزء هام من اعيان البادية ، الذين شكلوا هم والقياد كبار الملاكين العقاريين ، واستحوذوا تقريبا على 4 مليون هكتار من الارض ، وعلى مصادر المياه ، بالاضافة الى امتلاكهم عقارات في المدن .
— الزوايا والمرابطون : كما اعتمد المستعمرون على كسب العديد من الزوايا والمرابطين ، و إغداق العطاءات المادية عليهم ، وتوفير الحماية لهم ، وبذلك تمكن المستعمرون من استعمال هؤلاء في محاربة الثورات الكبرى وعلى رأسها ثورة الجنوب بقيادة ماء العينين وابنه الهيبة .
— المخزن : كذلك ، وبعد ان صادر المستعمرون شروط الوجود الحقيقي للمخزن ، وحولوه الى اداة مصطنعة بيدهم ، لا امكانية لها في الحياة بدون الارتباط بالاستعمار .. بعد ذلك ، اصبح تحالف المخزن في وضعه الجديد ، والاستعمار شيئا مألوفا ومهما افاد منه هذا الاخير في الظهور بمظهر المحافظ على ” السيادة المغربية ” ، والمحترم للمعاهدات الدولية ، وليس هذا وحسب ، بل استعمال ما تبقى من هيبة السلطان والمخزن لعزل النضالات الوطنية وتحطيمها . ومن الامثلة البارزة في هذا المجال : دور سلطان الحماية يوسف في محاربة ثورة الهيبة وثورة الخطابي .
وهنا نميز طبعا بين دور المخزن في السنوات الاخيرة للاستعمار المباشر الذي سنناقشه بعد قليل ، وبين دور المخزن في المراحل السابقة ، وخصوصا قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية .
— كبار التجار : كما اعتمد المستعمرون ايضا في مراحل متقدمة من سيطرتهم ، على فئة محددة من كبار التجار المغاربة الذين يقومون اساسا بدور الوسيط الثانوي في التجارة الاستعمارية .
— تطور البنية الاستعمارية : يركز التقرير الايديولوجي على مراحل ثلاث لخصناها اعلاه . تنتهي المرحلة الاولى في اواخر العشرينات ، وتنتهي المرحلة الثانية بانتهاء الحرب العالمية الثانية ، وتستمر الى حين اعلان الاستقلال الشكلي .
ونحن نلاحظ على هذا التقسيم العام تبسيطه وضحالته وعدم جدليته ، خصوصا في عدم ربطه التطورات الاستعمارية في المغرب بوضعية البلد المستعمر والاستعمار والامبريالية عامة . هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، لا يشير التقرير الى تناقضات المستعمرين : الدولة الفرنسية والمستوطنين الفرنسيين في المغرب ، هذا اضافة الى اغفاله لمحاولات الاحتواء الاستعمارية لنضالات الشعب المغربي عن طريق برامج الاصلاحات .
وهكذا ، فالتقرير الايديولوجي لا يهتم تقريبا بخصوصية فترة الحرب العالمية الثانية التي شكلت ذروة في ازمة الامبريالية الاوربية . وفي هذا الاطار ، حصل ذلك النمو النسبي للبرجوازية المغربية ، وللعديد من المستوطنين ، الشيء الذي سيكون له تأثير هام في مجرى التطورات القادمة في مواقف البرجوازية المغربية وفي موقف المستوطنين .
وقد خرجت البرجوازية المغربية من هذه المرحلة اقوى من السابق ، وأكثر معارضة للاستعمار . كما خرج المستوطنون بقوة اقتصادية اهم ، وبإصرار على محاربة كل تفتح على المغاربة او تفكير في الاصلاح فبالأحرى الاستقلال . وقد عرقل هؤلاء الاصلاح والاحتواء التي قرر المقيم العام لابون تطبيقها ، ردا ومحاولة لاحتواء النضال المتصاعد للشعب المغربي .
كما ان مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، جاءت بعدة تغيرات اساسية في موازين القوى داخل المعسكر الامبريالي لصالح الامبريالية الامريكية بشكل حاسم . هذه التغيرات ، كان لها تأثيرها على الوضعية في المغرب ، ونجملها فيما يلي :
— دخول عدة بنوك وشركات امريكية الى المغرب .
— غرس قواعد عسكرية امريكية خطيرة بالقنيطرة وسيدي سليمان .
— محاول النقابات الصفراء الامريكية احتواء الحركة النقابية المغربية الصاعدة .
— تدعيم الاتجاه الجديد في الاستراتيجية الامبريالية العالمية الهادف الى استبدال الاستعمار المباشر بالاستعمار الجديد .
البرجوازية المغربية : يرتكب التقرير في تحليل نشوء وتطور البرجوازية المغربية افدح الاخطاء ، و يسقط في التناقض نتيجة لذلك . فهو يعتبر ان التجارة الاستعمارية قد ” تمغربت ” في ظل الاستعمار المباشر . وهو يعتبر ان ” الطرف الوحيد الذي يجني فوائد كثيرة ومتنوعة من هذه التجارة هي البرجوازية المحلية والاقتصاد الاستعماري ، بعد ان كانت قد اختارت من قبل الاحتماء بالدول الامبريالية ” ( ص 73 ) . ثم يقول التقرير : ” فلقد تمكنت هذه البرجوازية من تجميع ثروات طائلة عن طريق مركزة منتجات الصناعة التقليدية وتصدير المنتجات الفلاحية ، ووضع اليد على تجارة الجملة في ميدان النسيج وغيره من المنتجات المستوردة ، كما تمكنت بفضل هذه الثروات نفسها من الاقتداء بالمعمرين في احتكار الاراضي الزراعية ، إما بواسطة الربا و إما بشرائها بأثمان بخسة حين الجفاف والكوارث الطبيعية في ذات الوقت الذي شنت فيه حملة دينية ضد الظهير البربري من جهة ، وضد الاغتصاب الاداري للملكيات الزراعية من جهة اخرى . اضف الى ذلك السوق السوداء اثناء الحرب العالمية الثانية التي مكنتها من توسيع ثرواتها بشكل هائل ، وتعزيز صفوفها بوافدين جدد ، ومن ثم الارتفاع بدورها كوسيط الى مستوى اعلى بفضل التشجيع الذي لقيته من السلطة الاستعمارية ” الليبرالية ” التي تسلمت زمام الامور في فرنسا عقب الحرب الكونية الثانية .
وانتقادنا يرتكز في :
— ان البرجوازية التجارية المغربية الناشئة في القرن التاسع عشر في ظل التجارة الاستعمارية ، والمستفيدة من الحماية الاجنبية ، قد تضررت من السيطرة الاستعمارية المباشرة بعكس كبار الملاكين ( القياد والأعيان ) .
— ان الاستعمار فعلا ، قد ادمج والحق به الشريحة العليا من البرجوازية التجارية التي اخذت تلعب دور الوسيط الثانوي بالبنية الاقتصادية الاستعمارية ، بينما ضيق الخناق على الفئات السفلى من هذه البرجوازية ( البرجوازية المتوسطة ) . وفي هذا الصدد تقول الحركة الماركسية اللينينية المغربية :
” ان التحول الاساسي الذي ادخله الاستعمار المباشر بعد الحرب العالمية الاولى على هذا التحالف الطبقي بين التجار وطبقة المخزن ، هو انه اضعف شوكة طبقة التجار وفككها بسبب سيطرته على منافذها الاقتصادية – التجارة الداخلية والخارجية ، توحيد النقد ونمو دور البنوك الشيء الذي ضيق مجال المضاربة على التجار ، وسيطرة الاستعمار على الاراضي الفلاحية بناحية فاس ، وهي المرتع الفلاحي لهذه الطبقة ، وادمج الباقي منها كملحق ثانوي في بنيته الاقتصادية ، لكنه في نفس الوقت ركز وعمم طبقة الاقطاع على حساب الملكية الجماعية للفلاحين ، وعلى حساب امكانية تكون طبقة برجوازية قوية تنافسه اقتصاديا وسياسيا ” .
وهكذا ، فقد لعبت البرجوازية المغربية دورا ثانويا في التجارة ، رغم كون هذا القطاع هو المفضل لبرجوازيتنا . وفي هذا الاطار ، يجب التمييز بين الفئة التي ارتبطت مصلحيا بالاقتصاد الاستعماري ، وبين الفئات المتضررة ، والتي بدأت منذ اواخر الثلاثينات بشكل ضعيف ، تنشئ مشروعات صناعية ضعيفة : ورشات للنجارة والنسيج والدباغة والميكانيك … لخ بالإضافة الى بعض انواع الصناعة التقليدية التي نجت من الخراب . هذا بالإضافة الى دورها في جزء من التجارة الداخلية ، وامتلاكها لجزء من الاراضي . هذه البرجوازية المتوسطة متميزة عن الشريحة العليا ( الكمبرادورية ) المندمجة في الاقتصاد الاستعماري ، متميزة عنها سواء في قوتها الاقتصادية ، وسواء في عداءها للاستعمار .
ان التقرير الايديولوجي ، نظرا لأنه يخطئ فهم وتحليل وضعية البرجوازية المغربية في عهد الاستعمار ، ونظرا لأنه لا يميز بين فئاتها ، يسقط في تناقض في تحديد موقفها من الاستعمار . فهو يعتبر ان البرجوازية المغربية ككل تشارك في اقتسام الغنيمة الاستعمارية ، ويعتبر ان السلطة الفرنسية الاستعمارية بعد 1945 قد شجعت هذه البرجوازية ، ومع ذلك يعتبرها جزءا من الشعب ، وتدخل معه في تناقض رئيسي ضد الاستعمار .
ونحن نميز ، نعتبر ان الفئات البرجوازية المضايقة والمحاصرة من طرف الاستعمار ، والتي شكلت البرجوازية المتوسطة آنذاك ، هذه الفئات هي التي كانت تتناقض مصالحها مع مصالح الاستعمار ، ولا تشاركه في اقتسام الغنيمة ، وهي التي عارضته ، وشكلت جزءا من الشعب ، وجزءا في طرف التناقض الرئيسي ضد الاستعمار . اما الشريحة العليا المرتبطة مصلحيا بالاستعمار ، فلم تعارضه الى حد المطالبة بالاستقلال ، وبالتالي لا تدخل ضمن الشعب ، مثلها مثل القياد وكبار الملاكين الذين شكلوا الحليف المخلص للاستعمار ، ودخلوا في تناقض رئيسي ضد الشعب المغربي وبعض الاستثناءات لا تلغي القاعدة والاتجاه العام .
وصحيح ، ان لهذه البرجوازية المتوسطة تناقضات مع باقي الطبقات والفئات الشعبية . وصحيح كما دلت تجربتنا وعدة تجارب اخرى ، ان هذه الطبقة في حال تمكنها من قيادة الحركة الوطنية ، ما كان بإمكانها ان تصل الى ما وصلت اليه : الاستقلال الشكلي .
المخزن والحركة الوطنية :
والغريب حقا ، والانتهازي بشكل واضح ، ان يعتبر التقرير الايديولوجي ، كل البرجوازية المغربية قد استفادت من السيطرة الاستعمارية ، وشاركت في اقتسام الغنيمة معه ، وبالتالي ، شكلت ” الخصم السياسي ” للاستعمار ، ولم تشكل العدو السياسي والاقتصادي والثقافي في تلك المرحلة بالضبط ( انظر التقرير – ص 78 ) . وفي نفس الوقت ، يعتبر ان المخزن ” اصبح اداة بيد الحركة الوطنية ” ، وينفخ في الدور الوطني ” للملك الراحل ” – محمد الخامس — ، ويعتبر انه الشعب سواء في الطموح الى بناء ” الدولة الشعبية ” .
وفي اعتبارنا ، ان الدور المحدود جدا الذي لعبته ” الاسرة الملكية ” ، إنما كان يهدف في اقصى ما كان يهدف اليه ، الى اعادة نوع من الاعتبار للمخزن ، والحفاظ على مصالحه المادية ، ونفوذه السياسي ، وذلك في شروط اهمها :
— القوة الهائلة التي اكتسبها كبار القياد والراعيان على حساب المخزن .
— القوة الهائلة التي حصل عليها المستوطنون الاستعماريون في المغرب .
— هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، نمو الحركة الوطنية المغربية ، وحركة التحرر في العالم ، وظهور الاستراتيجية الامبريالية الى استبدال السيطرة المباشرة بالاستعمار الجديد ، وبروزا لامبريالية الامريكية كمشجع على هذا الاتجاه ، خصوصا بتناقضاتها الثانوية مع باقي الامبرياليات .
وفي هذه الشروط ، ظهرت ونمت معارضة المخزن للاستعمار ، هذه المعارضة التي حددناها ، والتي لعبت فيها الحركة الوطنية الدور الاكبر ، وارتكبت في ذلك خطأ فادحا ، حيث بالغة في ابراز دور ” الملك ” وجعلت رجوعه شعارها المركزي .
وقد بينت الاحداث الملموسة فيما بعد ، للغافلين على الخصوص ، حدود ” وطنية القصر ” ، وذلك في موقفه من جلاء الجيوش والقواعد الاجنبية ، وموقفه من الوطنيين الحقيقيين ، ومن المقاومة وجيش التحرير ، ومن مسألة الاراضي المغربية المحتلة … لخ .
هذه باختصار شديد اهم انتقاداتنا على هذا القسم من التقرير الايديولوجي ، والتي على اساها نستخلص ان :
— المخطط الاستعماري مخطط متكامل اقتصاديا وسياسيا وثقافيا . وجوهره جعل المغرب مزرعة للمتروبول وسوقا لبضائعه ، وموردا لليد العاملة والجنود . وهذا يقتضي تذويب الشخصية المغربية ، وتجزئة المغرب بشريا وترابيا وقطع صلاته بالأمة العربية .
— الاستعمار ، كاتجاه عام ، يدعم ويقوي ، ويربط مصلحيا به كل القوى المحلية الرجعية المعادية للتقدم .
— ان التقدميين والثوريين الحقيقيين لا يعزلون من نضالهم ما ليس قابلا للعزل في الواقع الملموس : النضال الوطني والنضال الطبقي . هذا النضال الذي لا يمكن ان تقوده الى غايته إلا الطبقات ذات المصلحة الفعلية في التحرر الكامل .
— ان استغلال كل التناقضات في صفوف الاعداء ، وفي صفوف اوسع القوى ضد العدو الرئيسي ، مبدأ ثوري سديد ، ولكن ينقلب الى نقيضه عندما لا توضح وتبين التناقضات الثانوية وحدودها بين الأعداء وتوضح وتبين للجماهير التناقضات الثانوية في المعسكر الوطني . لقد ارتكبت الحركة الوطنية مزالق فادحة في هذا الشأن نظرا لطبيعة قيادتها ، ونظرا لعدم ارتقاء وعيها المتجاوز لهذه القيادة .
وها هو الاتحاد الاشتراكي في تقريره الايديولوجي سنة 1975 ، وبعد ان اصبحت اخطاء الحركة الوطنية وموقفها من القصر حديث الخاص والعام ، ها هو يلقي مزيدا من الغموض ويضخم دور ” الملك الراحل ” في النضال الوطني .
اما بعد ، فان المفاهيم المغرضة والمخادعة التي يجهلها التقرير الايديولوجي لتسفيهها ، مثل شعار ” اللبرالية ” او ” امكانية التطور الرأسمالي ” … لخ ، فهي مفاهيم قديمة منذ البداية ومرفوضة كحركة ماركسية لينينية مغربية ، على اساس تعرية ضلالها وخداعها في كل ادبياتنا العلنية والسرية .
نعتبر – ككل الماركسيين – اللينينيين ان الموقف من الدولة احد اهم المقاييس الدقيقة ، والمعايير الصارمة لتمييز وتصنيف الاتجاهات السياسية ، لفرز الخطوط الاصلاحية – بما فيها الانقلابية – والخطوط الفوضوية ، والخط الثوري حقا . ومن هذا المنطلق يكتسي نقاش مفهوم الدولة لدى التقرير الايديولوجي للاتحاد الاشتراكي ، اهمية بالغة .
الدولة المغربية والاستعمار :
كنهجنا في الحلقات الماضية ، سنقوم بتلخيص مجمل الافكار الواردة في التقرير الايديولوجي حول الدولة المغربية قبل الاستعمار ، وذلك على الشكل التالي :
— تأكيد ان ” العوامل التي تلعب في المجتمعات ما قبل الرأسمالية ، دور المحدد المباشر والمتحكم في الروابط التي تعطي للكيان الاجتماعي وحدته ، هي عوامل تنتمي في الغالب الى ميادين اخرى غير الميدان الاقتصادي بالذات ، رغم ما يمكن ان يكون لمضمون هذه العوامل من فحوى اقتصادي .
— لقد نشأت الدولة المغربية في المغرب في احضان ظروف تاريخية خاصة ، ظروف الفتح الاسلامي والصراعات الداخلية التي رافقته .
— ان وحدة الكيان الاجتماعي للمغرب قد تحققت عبر الاسلام كعقيدة وشريعة .
— لم تكن الدولة اذن انعكاسا ولا نتاجا للبنيات الاجتماعية – الاقتصادية ( السابقة على الاسلام ) ، و لا تشخيصا لطبقة اقطاعية منظمة تتسلسل فيها السلطات والمراتب من اعلى الى اسفل ، وتضمن لها ( اي الدولة ) وحدتها واستمراريتها ، بل لقد كانت الدولة بالعكس من ذلك ، الاداة التي بواسطتها تحققت وحدة الكيان الاجتماعي .
— اما مصدر هذه الاداة ، اما مبرر وجودها ، فهو الاسلام الذي بلور الكيان الاجتماعي في ذلك الواقع الاجتماعي السياسي الذي عبر عنه بالأمة .
— ان الدولة … كانت عبارة عن اداة وكيان تستعملها جماعة من ذوي الحظوة والنفوذ لكسب الثروة ( ثروة عابرة في الغالب ) ، جماعة كانت تتغير باستمرار بتغيير الملوك والأمراء .
— كان مجال الاستعراض واسعا جدا ، كما كانت امكانياته الفعلية غير محدودة بحدود . وهكذا ، فالخلفاء والملوك والأمراء نزعوا الى تقليد اساليب الاستبداد التي عرفتها نظم الحكم في بيزنطة وفارس ، فلم يكونوا يجدون الميدان فارغا وسهلا . ”
هذه مجمل افكار التقرير الايديولوجي في هذا المجال . فما هي قيمتها ؟ وما هو وزنها في ميزان النقد العلمي ؟ .
الحقيقة ان الماركسية ، لأول مرة في تاريخ البشرية ، قد اماطت اللثام ، ونزعت كل الحجب عن الدولة ” المؤهلة ” المقدسة ، الموضوعة فوق جميع الطبقات . لقد انزلت الماركسية الدولة من سماء الحياد المجلل بالضباب الى حيث هي في الواقع ، الى معمعان الصراع الطبقي الذي تمثل فيه قيادة اركان الفئة او الطبقة او التحالف الطبقي ، السائدة في مرحلة تاريخية معينة .
وسفهت الماركسية في نضالها النظري والعملي خليطا من النظريات الاصلاحية والفوضوية ، وهزمتها هزيمة مدوية . ولا غرو بعد ذلك ان يتشبع وعي مئات الملايين من العمال والمثقفين بالمفهوم الماركسي عن الدولة ، ويمارسونه في تحطيمهم لأجهزة الدولة الاقطاعية والبرجوازية ، وفي بنائهم سلطة العمال والفلاحين ، وفي توسيعهم مجال المبادرة المباشرة للجماهير في مواقع الانتاج والعيش . وبذلك يعملون زيادة على قمع اي انبعاث للطبقات المستغلة ، على توفير شروط اضمحلال الدولة نفسها .
ومع ذلك ، فما تزال الاوهام والمفاهيم الاصلاحية والفوضوية تطل برأسها مكررة ، قزمية ، ذميمة شاحبة ، وتنتعش في مراحل الجزر ، وفي شروط الضعف الذاتي لقوى الثورة . وقد وجد بعض المتأخرين في الزمان ضالتهم المنشودة لتبرير مفاهيم البرجوازية الاصلاحية حول الدولة في ” خصوصية ” واقعهم وتاريخهم ، وقد اعتقدوا بسذاجة انهم وجهوا الى الماركسية ضربة في القلب .
والحقيقة ان التقرير الايديولوجي – على صعيد مفهوم الدولة بالخصوص – ليس بعيدا عن هذا النهج . فقد حدد لنفسه هدفا اساسيا ، هو ابطال مفهوم الماركسية للدولة ، والسياق العام لحديثه عن الدولة ، إنما يتوجه بالأساس الى الرد على المقولات الماركسية المعروفة حول الدولة ، وكل خلاصاته تسير في هذا الاتجاه : الدولة المغربية لم تكن انعكاسا للبنيات الاجتماعية – الاقتصادية . الدولة المغربية لم تكن تمثل مصالح طبقة اجتماعية . الدولة المغربية مصدرها هو الاسلام ، ومبرر وجودها هو الاسلام .
مهلا ايها السدة مدبجو التقرير الايديولوجي ، رفقا بهذه الدولة المغربية ” الخاصة ” التي انكرتم اباءها الحقيقيين وحرفتها الرئيسية ، مهلا ، و لنتناول المسائل اولا بأول .
ان التقرير الايديولوجي في سياق خلقه للدولة المغربية حسب مشيئته ، لا في سياق تحليله للشروط الموضوعية التي خلقتها ، انه في هذا السياق ، يقدم لنا بدون وعي منه ، ومن حيث لا يحتسب ، حجة هامة تتلخص في ان الدولة المغربية ليست ازلية ، بل هي ظاهرة تاريخية نشأت كما يقول التقرير الايديولوجي في ” ظروف الفتح الاسلامي والصراعات الداخلية التي رافقته ” ، ويبقى علينا ان نكمل الطرح لنصل الى الخلاصات الصحيحة ، وذلك بعرض ملامح ” ظروف الفتح الاسلامي والصراعات الداخلية التي رافقته ” ، وبكلمة اخرى ، الاجابة عن السؤال :
ماذا مثلت مرحلة الفتح الاسلامي في تطور المجتمع المغربي ؟
1 ) – يعلم الجميع ان المغرب قد ارتقى الى مرحلة الحضارة قبل الفتح الاسلامي بكثير ، وعرف تقسيما متطورا نسبيا للعمل ( الزراعة ، الرعي ، التجارة ) ، وعرف اشكالا وأدوات لتسيير الشؤون العامة على صعيد القبيلة وما دونها ، تمثلت في المجالس الجماعية .
ويعلم الجميع كذلك ان تغيرات مهمة بدأت تظهر معالمها في البنيات الاجتماعية الاقتصادية المغربية ، وذلك خصوصا منذ انهيار الامبراطورية الرومانية ، وضعف حلفائها البيزنطيين ، ثم تدهور الوندال . وفي هذه المرحلة بدأت التجارة تتطور بين الجنوب الصحراوي ، وموانئ الشمال وعلى رأسها سبتة .
هذا الواقع كان قد بدأ يحبل بتناقضات اجتماعية ما تزال لم تحتدم بعد ، تمثلت بالخصوص في صراع القبائل الفلاحية والرعوية ، وفي بدايات تبلور ارستقراطية قبلية وان كانت ما تزال عميقة الارتباط والاندماج بالقبيلة .
هذا الواقع ، واقع التناقضات الاجتماعية غير الحاد داخل القبيلة ، وواقع انعدام امكانيات لدى قبيلة ما لفرض سلطتها على باقي القبائل ،، هذا الواقع ما كان بإمكانه ان يلد الدولة وبالتالي ، فقد استمرت اشكال تسيير الشؤون المشتركة العامة ، ديمقراطية ، غير منفصلة عن المجتمع ، ولا تعتبر نوعا من الامتياز .
وعليه ، فقد عبرت اشكال وأدوات تسيير الشؤون العامة هنا على المستوى الذي بلغه تطور المجتمع .
2 ) – وفي خضم الفتح الاسلامي ، برزت احداث وطرأت تطورات حاسمة ، نختصرها كالأتي :
— انشار الاسلام : لقد كان انتشار الاسلام بين المغاربة عامل توحيد عظيم الاهمية . ولكن الجوهري الذي ينساه مدبجو التقرير الايديولوجي ، هو عدم تفسير اسباب انتشار الاسلام ، وعدم ربطه بالشروط الموضوعية .
والحقيقة ان الاسلام قد عبر عن قفزة نوعية في تطور مجتمع الجزيرة العربية ، وفي تطور المجتمعات التي انتشر بينها فيما بعد .
وما تبلور الاسلام في اعظم مركز تجاري وديني وثقافي في شبه الجزيرة ألا وهو مكة ، وليس في البادية ، وما تعبيره في اتجاهه العام ، وبمنطق مرحلته التاريخية عن المتضررين في المجتمع المكي ، وعلى الخصوص منهم العوام ، ووقوفه ضد الاشكال القادسية للاستغلال الممارس من طرف كبار التجار المرابين … ما كان كل ذلك ، زيادة على مجابهة التحدي الخارجي الفارسي والبيزنطي والحبشي ، إلا برهانا ساطعا عى ان الاسلام ليس شيئا معزولا عن الشروط الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية لمجتمع شبه الجزيرة ، وخصوصا مراكزه التجارية .
وقد كانت المجتمعات التي انتشر وسطها الاسلام بصفة عامة ، تمر بمستوى متشابه او متقارب من التطور الذي وصله المجتمع العربي في الجزيرة العربية . فالمجتمع العربي بالخصوص ، كان ما يزال محتفظا ببنياته القبلية وهيئاته السياسية الديمقراطية ، هذا بالإضافة الى بدايات بروز ارستقراطية قبلية عسكرية وتجارية .
وعلى كل حال ، فلا نحتاج الى تأكيد ان الاسلام – رغم دوره الكبير في توحيد القبائل المغربية ضد اعدائها الخارجيين – فانه ، وهذا بديهي بالنسبة لنا ، لم يكن بإمكانه ان يفجر الاطار القبلي ، بل لم يكن بإمكانه وضع حد للحروب الدامية بين القبائل المغربية المسلمة . وهذا يبرز لنا بجلاء ، ان الشروط المادية هي الاساس في التحولات العميقة ، وليس البنيات الفوقية ، رغم استقلالها النسبي وأهميتها في الاسراع بالتحولات او عرقلتها ، لا في تقريرها .
وما دمنا في هذا السياق ، فلا بأس ان نزيل الافتراء عن الماركسية ، هذا الافتراء الذي يقوم به التقرير الايديولوجي ، ناهجا نهج من ارادوا ” ان يفقئوا عين ماركس بيده ” . فهو يأخذ خلاصة ، ان الماركسية تؤكد اهمية العوامل الايديولوجية في المجتمعات ما قبل الرأسمالية ، وتعتبر ان هذه العوامل يكون لها الدور المهيمن ، بينما يبقى الدور المحدد والمقرر للعوامل المادية . ان التقرير يزيف عن هذه الخلاصة فتصبح عنده العوامل الايديولوجية هي التي ” تلعب في المجتمعات ما قبل الرأسمالية دور المحدد المباشر ، والمتحكم في الروابط التي تعطي للكيان الاجتماعي وحدته . ”
— تحول المغرب الى امارة تابعة للدولة العربية في المشرق : لقد قام اول شكل للدولة بعد الفتح الاسلامي مباشرة على اكتاف قوة خارجية بالأساس . فطوال عهد الامارة لم تسد فئة او قبيلة مغربية بقدر ما ساد قادة الفتح ، حيث بقي جهاز الامارة – بما في ذلك جنودها – مشارقة ، وغرباء عن المغرب . وكان دور الامارة مركزا على توسيع نفوذ الدولة العربية المركزية ، وجباية الضرائب لتمويل اجهزة الامارة ، وإرسال جزء هام منها الى المركز ، هذا بالإضافة طبعا الى تسليم بعض الشؤون العامة التي تتجاوز الاطارات القبلية والمحلية . وواضح للجميع ان الامارة لم تستطيع بسط نفوذها على كل القبائل المغربية ، وان عمرها كان قصيرا ، وذلك مرتبط بالشروط الاقتصادية والاجتماعية ، فالقبائل في مستوى التطور الذي وصلته آنذاك ، كانت اشد تمسكا بالاشكال الديمقراطية ، وترفض الخضوع لحكم مركزي ، ولو كان مسلما ، خصوصا وان هذا الحكم لم يكن يتوفر على وسائل بسط السيطرة ، اي الوسائل الاقتصادية والاجتماعية .
وعلى كل حال ، فقد كانت الامارة اول شكل للدولة المغربية الاسلامية ، لعبت فيها العوامل الخارجية الدور الاساسي ، فنقلت الى المغرب جزءا من خلاصات الخبرة العربية الاسلامية في الشرق في مجال الحكم .
— فتح الاندلس : وكان فتح الاندلس حدثا من تلك الاحداث العظيمة ذات الاثر البعيد في تطور المجتمع المغربي . فزيادة على نتائج الانتصار المعنوية في حرب الفتح التي ساهم فيها المغاربة بقسط كبير ، وهذه النتائج التي تجسدت في الاقبال على الاسلام ، وفي التقدم نحو الوحدة ، زيادة على ذلك ، فقد كان القضاء على الحكم القوطي واحتلال الاندلس ، اثره الفعال في تنشيط التبادل بين الشمال الافريقي وبين شبه الجزيرة الايبيرية خاصة ، وأوربة عامة . وفي هذه الفترة سيبدأ تألق الموانئ الشمالية المغربية وعلى رأسها سبتة . وقد ازدادت الروابط وقوى التأثير المتبادل بين الاندلس والمغرب في كل الميادين بهجرة عدد من القبائل المغربية الى الاندلس .
— نمو دور المغرب في التجارة الصحراوية : رغم ان دور المغاربة في التجارة الصحراوية قديم العهد ، فان فتح الاندلس واستعادت الموانئ قد نشط هذا الدور ، وسيصبح دور المغرب رئيسيا منذ تحول طرق التجارة من الشرق الى الشمال الى المغرب . ومع تطور التجارة تطورت القبائل الرعوية التي سيطرت على طرق التجارة اقتصاديا وعسكريا ، وبرزت ارستقراطيتها العسكرية والتجارية ، وأصبح بإمكان اقواها ان تفرض نفوذها على بقية القبائل و تشكل الدولة .
هذه الشروط الجديدة ، هذه التغيرات العميقة ، بما فيها الجانب الايديولوجي غير المفصول عن اساسه المادي ، هذه الشروط يمر بها التقرير الايديولوجي في الطريق دون ان يعيرها اهتمام ، اللهم إلا عامل الدين المعزول عن اسسه الموضوعية .
3 ) — في هذه الشروط نشأت الدولة المغربية ، ويعلم الجميع انها لم تولد مكتملة ، بل تعثرت في تطورها ولم تشمل المغرب كله إلا ابتدءا من عصر المرابطين . وبموازاة هذا التعثر في تطور الدولة ، ظلت الهيئات الديمقراطية راسخة على الاصعدة المحلية ، وظلت القبائل مسلحة ، وكانت السيبة تتسع احيانا لتشمل جزءا كبيرا من البلاد ، وكانت الارستقراطيات التي توالت على الحكم ضعيفة الاستقرار متغيرة باستمرار .
وهذا مرتبط بالواقع الاقتصادي الاجتماعي للمغرب قبل الاستعمار . وهذا الواقع لم ينضج التناقضات الاجتماعية الى حد بروز طبقات واضحة المعالم ، متناحرة فيما بينها ، بل ظلت القبائل محتفظة بتماسكها ، وبفضل هذا التماسك ، وبفضل القوة الاقتصادية والعسكرية المستمدة في الغالب من التجارة الصحراوية ، تمكنت قبائل عظمى بقيادة ارستقراطيتها العسكرية والتجارية من مد نفوذها على باقي القبائل في المغرب ، وأحيانا في كل شمال افريقيا .
ومنذ القرن الخامس عشر ، منذ تفاقم مخاطر الغزو البرتغالي والاسباني والتركي … وتحول طرق التجارة الصحراوية نحو الشرق ، اصبح الاساس الذي تقوم عليه الارستقراطيات الحاكمة ، هو الدفاع عن الوطن . ومن هنا احتلت الارستقراطية القبلية العسكرية ذات الامتيازات الايديولوجية ( الاشراف ) قمة الهرم وقلب الدولة ، متحالفة مع التجار والعلماء .
— تلك هي ابرز خاصية للدولة المغربية تميزها بوضوح عما يسمى بنمط الانتاج الاسيوي . هذه الدولة التي كانت بيد فئة بيروقراطية شديدة المركزية ، وجدت اساسها الموضوعي في عوامل مادية ، جغرافية ومناخية ، فرضت تكتلا بشريا واسعا لانجاز مشاريع الري الضخمة اللازمة لاستمرار العيش والاستقرار ، وتتطلب اشرافا شديد المركزية .
— تلك هي ابرز خاصية للدولة المغربية تميزها ايضا عن الدولة في المجتمعات التي بلغ فيها الفرز الطبقي درجة واضحة ، واستولت الطبقات السائدة فيها على الدولة .
ولكن هذه الخاصية ، خاصية ان الدولة المغربية قبل الاستعمار ، إنما كانت بيد ارستقراطية قبلية غير مستقرة ، ولم تستطيع محو الهيئات الديمقراطية على الاصعدة المحلية . هذه الخاصية لا تنفي باي حال من الاحوال ان الدولة دائما تكون بيد القوة الاجتماعية السائدة : فئة بيروقراطية ارستقراطية قبلية ، طبقة او تحالف طبقي ، وتؤكد بجلاء ان الدولة نتاج التطور الاقتصادي الاجتماعي الايديولوجي ، وتؤثر فيه طبعا .
الدولة في عهد الاستعمار :
يستمر التقرير الايديولوجي في حديثه عن الدولة في عهد الاستعمار ، بنفس الهدف السابق ، هدف ابطال المفهوم الماركسي للدولة . وينطلق ايضا من اطروحة لا يبرهن على صحتها ويبني عليها كل استنتاجاته . يقول التقرير الايديولوجي : ” علينا ان نؤكد بادئ ذي بدأ حقيقة اساسية ، وهي انه في الاقتصاد الاستعماري ، لا يشكل الجهاز السياسي – الاداري ، جهاز قمع وتسيير ، انعكاسا ونتاجا للإنتاج وعلاقات الانتاج ، بل انه بالعكس من ذلك ، الجهاز المحرك والمنظم في هذا الاقتصاد ” .
ونكتفي لتسفيه هذا الزعم لدى التقرير الايديولوجي ، بإيراد اقوال التقرير نفسه ، فهو يعتبر ان هذا الجهاز ، جهاز الحماية ” جزء وامتداد للكيان الاستعماري نفسه ” وان وظيفته ” هي خدمة الرأسمال الاستعماري على النطاق المحلي ، وعلى صعيد الامبراطورية الاستعمارية كلها ” .
واذن ، فان المصالح التي يعبر عنها هذا الجهاز ، ويقوم بخدمتها ، هي مصالح الرأسمالية الفرنسية التي تحولت منذ بداية القرن العشرين الى امبريالية . وواضح ان جهاز الحماية الفرنسية في المغرب ليس هو الذي خلق الامبريالية الفرنسية ، بل العكس هو الصحيح طبعا . فلماذا هذا الطرح المنكر لكون جهاز الحماية نتاجا للإنتاج ، وعلاقات الانتاج الاستعمارية ؟ . وعندما نقول نتاجا ، فلا نعني انه نتاج سلبي ، بل جدلي ، نؤكد على استقلاليته النسبية .
هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فان مركزية هذا الجهاز المفرط لا يمكن فهمها بدون وضعها في اطارها الصحيح ، بدون ربطها اولا بجوهر الاستعمار الذي هو اضطهاد وطني يستهدف محو ومصادرة مظاهر السيادة المغربية ، وكل مقومات الشخصية الوطنية اقتصاديا ، سياسيا ، عسكريا ، دينيا وثقافيا . وهو في نفس الوقت طبقي ضد الفئات والطبقات الكادحة خصوصا ، وضد كل الطبقات الوطنية عموما ، وتقديم لمواقع الفئات والطبقات الرجعية العميلة .
وبدون ربطها ثانيا بالتحولات التي طرأت على الدولة البرجوازية في مرحلتها الامبريالية ، حيث تعمقت رجعيتها وقوي تدخلها في الميدان الاقتصادي ، في التوجيه والإنتاج .
وعندما نتفق الى حد كبير مع التقرير الايديولوجي في حديثه عن الدور الهام الذي اضطلع به جهاز الحماية في التوجيه الاقتصادي ، وذلك بوضعه في اطاره الصحيح الموضح اعلاه ، فإننا نؤكد ايضا ان الرأسمال الاجنبي الامبريالي الخصوصي ، وعلى رأسه البنوك الامبريالية مثل بنك باريس والبلاد المنخفضة ، كان يحتل موقع حاسمة في كثير من المجالات : الطاقة ، النقل ، التأمين ، التجارة ، الفلاحة ، العقار ، الصناعة الكيماوية والغذائية ، المناجم باستثناء الفوسفات …. وبعض مواقع هذا الرأسمال ، سبقت تكون جهاز الحماية ، هذا بالإضافة الى احتلال هذا الرأسمال مواقع هامة حتى فيما يسمى بالقطاع العام .
والخلاصة ، ان جهاز الحماية نتاج النظام الاستعماري الفرنسي في مرحلة محددة هي بداية القرن العشرين ، ورغم دوره الهام في الميدان الاقتصادي ، فانه لم يكن الوحيد في الساحة ، بل ترك مجالا فسيحا للغاية للرأسمال الامبريالي الخصوصي ، وقدم له الخدمات الضرورية ، في نفس الوقت الذي ترك فيه هامشا للبرجوازية الكمبرادورية وكبار الملاكين من القياد والأعيان .
اما اذا كان التقرير الايديولوجي يعني بكون جهاز الحماية ليس نتاجا للإنتاج وعلاقات الانتاج ، انه ليس وليد التطور الذاتي المستقل للمجتمع المغربي ، فذلك اقحام لا معنى له ومبرر له في اطار الحديث عن اجهزة الدولة في المرحلة الاستعمارية .
الدولة في مرحلة الاستعمار الجديد :
في هذا المجال ، يوظف التقرير الايديولوجي خلاصاته السابقة المنسقة بلباقة ، والمنطلقة من المسبقات لتبرير اختياراته السياسية ، فيسير بمنطق صوري ملغوم من اساسه :
لقد تبلورت تاريخيا الدولة المغربية الشعبية المبنية على الديمقراطية ، الدولة المغربية التي لم تكن بيد طبقة من الطبقات ، بل بيد الشعب ، كان مصدرها وموجهها هو الاسلام ، ومهمتها هي الدفاع عن الوطن وتسيير شؤون المجتمع .
وقد جاء الاستعمار وأقام جهاز الحماية لخدمة الاقتصاد الاستعماري ، وترك دولة المخزن على الهامش ، بلا حول ولا قوة .
ثم غير الاستعمار شكله متحولا الى استعمار جديد ، واستمر جهاز الحماية بعد مغربته بنفس وظيفته .
والمطروح لانجاز التحرر الوطني وبناء الاشتراكية ، تحويل جهاز الدولة من جهاز فوق الشعب الى جهاز في خدمة الشعب ، وذلك بواسطة الديمقراطية .
وخلافاتنا الجوهرية مع التقرير الايديولوجي في هذا الجهاز تتركز في :
1 – انكاره لمضمون الدولة الاجتماعي ، لمضمونها الفئوي والطبقي . وقد بينا فيما سبق ، بيد من كانت الدولة المغربية قبل الاستعمار ، ومصلحة من كانت تخدم . كما بينا ايضا ان جهاز الحماية ليس إلا تعبيرا عن سيطرة الامبريالية الفرنسية على الوطن المغربي ، واداة لخدمة مصالحها .
والدولة المغربية الحالية ، ليست إلا دولة الذين دعمهم وخلقهم الاستعمار ، وهيأهم للقيام بدور الخلفاء له : البرجوازية الكمبرادورية وكبار الملاكين العقاريين الذين دعموا مواقعهم بعد فترة من التوازن بينهم وبين القوى الوطنية ، بفضل استغلالهم لأخطاء هذه القوى وإمساكهم بجهاز الدولة الذي لعب الدور الاساسي في تدعيم قوتهم . وهذا يفسر ( دور الدولة ) حتى عند التقرير الايديولوجي ب ” عجز البرجوازية على تحمل مخاطر الانشاء والتصنيع ، واستعمالها الدولة والقطاع العمومي كأداة تسير تجارتها ومنشآتها المتأخرة ، وكوسيلة تضع رهن اشارتها اموال وممتلكات الامة ” . وبدلا من ذلك كله ، اخضعت الادارة الى اساليب العمل والتسيير التي كان يتسم بها المخزن القديم ، تلك الاساليب التي لا تخضع لاية قواعد غير تلك التي تنتج عن التعسف واستغلال النفوذ والسلطة المبنية على الزبونية والتبعية . ( ص 100 ) .
ان انكار المضمون الطبقي للدولة الحالية والتوهم بامكانية تحويلها ديمقراطيا بدون نسف النظام والطبقة السائدة ، ليدل دلالة عميقة على الاتجاه البرجوازي – الاصلاحي ، البرلماني او غير البرلماني ، الذي يعبر عنه التقرير الايديولوجي .
ان المطروح هو انضاج النضال الجماهيري وعيا وتنظيما بكل الاساليب والأشكال ومراكمة المكاسب والخبرات لتهيئ شروط القضاء على نظام التبعية وتحطيم جهاز دولته وبناء سلطة الجماهير انطلاقا من مواقع الانتاج والعيش ، وصولا الى المستوى الوطني .
التحليل الطبقي : يصل التقرير الايديولوجي الى التحليل الطبقي للمجتمع المغربي الراهن ، يصل بعد ان يكون قد فرش لهذا الجهاز ارضا ملغومة بالمسبقات المثالية والتنظيرات الذاتية التبريرية ، هذا بالإضافة الى العديد من المغالطات . واذا كنا قد رأينا نماذج بينة عن لا علمية ولا جدلية التقرير في حلقاتنا الماضية ، فإننا سنصطدم في هذا الجزء المخصص لتحليل المجتمع المغربي في كل فقرة ، وأحيانا في كل سطر بنماذج صارخة عن انعدام العلمية والجدلية ، ومزيدا من التبريرات والتحايل على الالفاظ .
وقبل المرور الى استعراض طبقات المجتمع المغربي عند التقرير الايديولوجي ، لنر اولا تحديده لتاريخ البنية الاستعمارية ولمضمونها .
في الحقيقة ان التقرير الايديولوجي لا يعتبر ان المغرب قي انتقل منذ بداية 1956 الى مرحلة الاستعمار الجديد . وقد كان ذلك واضحا بشكل نسبي في قفزه عن اتفاقية ايكس ليبان السيئة الذكر ، وتغطيته لهذه القفزة بانتقاد بعض اخطاء القيادة البرجوازية للحركة الوطنية . ولكن صمته عن استخلاص الدروس الحقيقية ، ورفعه الملك محمد الخامس الى مستوى قادة الشعوب في نضالها من اجل التحرر والديمقراطية ، يبين وقوفه الى جانب اتفاقية ايكس ليبان ومولودها المسخ : الاستقلال الشكلي . يقول التقرير الايديولوجي ( ص 96 ) : ” واذا كانت السنوات الاولى التي تلت الاعلان عن الاستقلال قد اكتنفها شيء غير قليل من التردد والغموض نتيجة الاسلوب الذي فرضته الدولة الحامية خلال مفاوضات ايكس ليبان ، فان الامور سرعان ما اخذت تعود الى مجراها الطبيعي ، الى طريقها الوطني التحرري ، عندما صادق الملك الراحل على التدابير الاقتصادية التحررية التي هيأها الجناح التقدمي في الحركة الوطنية آنذاك ، تلك التدابير التي تبلورت بشكل مذهبي عام في التصميم الخماسي لسنوات 1960 – 1964 ” .
ولكن جاءت في عام 1960 ” الحملة المضادة التي شنها الاستعمار الجديد وتبنتها الرجعية المحلية ، والتي ادت الى اجهاض عملية التحرير الوطني ، على الرغم من ذلك الحلف الذي كان يربط الملك الراحل محمد الخامس والحركة الوطنية ” .
وكأننا بمدبجي التقرير لا يستطيعون هضم هذا الواقع : واقع وجود القادة الوطنيين على رأس اغلب الحكومات الى حدود 1960 ، ومع ذلك فالمغرب ، رغم هؤلاء الوطنيين ، ورغم ” ملكهم الراحل ” كان يعيش تحت سيطرة الاستعمار الجديد .
ولكن الواقع عنيد ، واقع سيطرة الشركات المالية والصناعية والتجارية الامبريالية على مفاتيح الاقتصاد المغربي وتوجهه الى خدمة السوق الامبريالية ، وسيطرة الاطر والخبراء الامبريالية ، ومرابطة الجيوش الفرنسية والقواعد الامريكية ، واستمرار احتلال مناطق الشمال والجنوب … لخ . هذا الواقع العنيد يؤكد ان المغرب قد انتقل مباشرة بعد ايكس ليبان الى مرحلة الاستعمار الجديد . ووجود الوطنيين وحتى جناحهم التقدمي آنذاك في الحكومة لا يغير من الواقع جوهره . والدلالة الحقيقية لهذا الوجود ، هو التوازن النسبي الذي كان بين الحركة الوطنية من جهة ، وبين ركائز الاستعمار الجديد : الاوتوقراطية الملكية والبرجوازية الكمبرادورية الصاعدة ، هذا التوازن لم يلبث ان مال بشكل حاسم لصالح طرف التناقض الرجعي ، وقد استفاد الطرف الرجعي من الاوهام الاصلاحية للحركة الوطنية ، رغم ان استفادته الحقيقية والأساسية كانت من ايقاف المقاومة المسلحة ضد الاستعمار والرجعية ، وتوقيع اتفاقية ايكس ليبان .
وبعد تحديد تاريخ انتقال المغرب الى مرحلة الاستعمار الجديد ، ننتقل الآن ، مع التقرير الايديولوجي ، الى بحث مضمون البنية الاستعمارية الجديدة .
في هذا الاطار ايضا ، فان التقرير لا ينجح بشكل دقيق في تحديد هذا المضمون . فرغم كثير من الكلام في هذا الشأن ، فانه لا يتجاوز التأكيد على ان الاقتصاد المغربي موجه لخدمة السوق الامبريالية بإمدادها بالمواد الاولية المعدنية والزراعية ، وبوضع اللمسات الاخيرة على بعض منتجاتها ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، استيراد المواد المصنعة من آلات ومواد استهلاكية . والتأكيد كذلك على اهمية دور الدولة في هذا الاقتصاد التبعي ، كل ذلك بشكل عام اولا ، وبشكل ناقص ثانيا بغض الطرف عن مرتكزات التبعية الاخرى ، بل يصل به الامر الى اعتبار ” القطاع العام ” جزءا هاما من الانتاجية الوطنية .
وتقدم ارضية الحركة الماركسية اللينينية المغربية تدقيقا حول البنية الاستعمارية الجديدة ، مرتكزاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية . تقول الارضية ( 23 مارس – العدد الاول ، فبراير 1975 ) : ” تقوم السيطرة الامبريالية الجديدة على اساسين :
1 ) تفكيك الاقتصاد الوطني ، ودمجه بالسوق الامبريالية .
2 ) امساك الرأسمال الامبريالي بكل مقدرات الاقتصاد الوطني المالية والصناعية والتجارية والزراعية ، وبالتالي ، التحكم في توجيه الاقتصاد الوطني خدمة لأغراض الامبريالية .
في النظام القائم ، تراجع الاستعمار جزئيا عن بعض مواقعه الاقتصادية لمصلحة الطبقة الحاكمة ، ولمصلحته نفسه ، واحتفظ بكل مواقع السيطرة الامبريالية في الميدان الصناعي والبنكي . لقد تراجع خاصة في ميدان الملكية الفلاحية ، وفي بعض استثمارات التجهيز والسكك الحديدية والكهرباء والماء ، وجزئيا في القطاع الثالث بسب مغربته . لكن تفكيك الاقتصاد الوطني ودمجه بالامبريالية ازدادت وثيرته وارتباطاته ، ويظهر ذلك حاليا في النشاط الاقتصادي الانتاجي والسياحي الذي قامت به الدولة خلال العشر سنوات الاخيرة . لقد ركزت الدولة كل مجهوداتها لتشجيع فلاحة التصدير الى الاسواق الاوربية ، ولتشجيع كل الانشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة .
وتضيف الارضية : ” يؤطر هذا الاستغلال الاقتصادي ، اسمرار التواجد الامبريالي الاداري والفني والعسكري . ان حجم التواجد الامبريالي الاداري والفني الذي ما زال يعادل 50 في المائة من الكوادر ، ليس استغلالا اقتصاديا وحسب ، بل هو تعبير عن استمرار بنيات فوقية شبه استعمارية في الادارة والتعليم ، هذه التي وظيفتها في النظام القائم ضمان السيطرة الاقتصادية بواسطة عزل الجماهير الشعبية عن الوظائف التسييرية الحساسة في الميدان الاقتصادي وبواسطة السيطرة الايديولوجية والثقافية على الجماهير الشعبية . اضف الى ذلك انتصاب قواعد عسكرية فوق التراب الوطني ، والتي تشكل تهديدا مستمرا لحركة الثورة في المغرب ، وعلى امتداد منطقة المغرب العربي ” .
وبعد ان رأينا خطأ التقرير الايديولوجي في تحديد تاريخ حلول الاستعمار الجديد ، ورأينا قصوره في تحديد مضمون بنيات التبعية ، وقفزه على عدة جوانب اساسية فيها ، بعد ذلك لننتقل الى تحليله لطبقات المجتمع المغربي .
الطبقة السائدة :
يتأرجح التقرير الايديولوجي بشكل مرتبك في تحديد الطبقة او الطبقات السائدة ، فهو يتحدث عن ” الطبقات المسيرة ” وعن ” العناصر التي تخدم الاستعمار الجديد ” وأحيانا عن ” جماعة اوليغارشية من المضاربين والسائرين في ركابهم ” ، وأحيانا اخرى عن ” التشكيلات البرجوازية الحاكمة ” يستعمل مرات ” طبقة ” ومرات اخرى ” الطبقات ” ويحدث ذلك احيانا في فقرة واحدة .
وبغض النظر عن هذا ” الكشكول ” من المصطلحات المتنافرة ، فان المهم هو ما هي الفئات المكونة لهذا الكشكول حسب التقرير الايديولوجي ، ما هي مرتكزاتها الاقتصادية ، وما هو موقعها من الثورة ؟ .
انه تكون في بادئ الامر في احضان التجارة الاستعمارية والمضاربات العقارية ، وانضافت اليه فئات جديدة متفتحة على التقنية ، فتمكنت من تحديث القطاعات الفلاحية ، ثم تعزز بالتحاق ” عناصر اخرى معظمها هذه المرة من التقنيين والأطر العليا ” . وقد استطاع هذا الكشكول الذي ظل مرتبطا بالتجارة والعقار ، ان ينوع نسبيا نشاطاته الاقتصادية ، مستفيدا من التقلبات الى يعرفها الرأسمال الامبريالي وانعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني ، ومجبرا جهاز الدولة على تدعيمه . ولكن الصناعة التي يقوم بها ، هي صناعة تكميلية موجهة فقط لخدمة قنوات الاستيراد والتصدير ، وعليه ، فان مهمته التاريخية ” لا يمكن ان تكون شيئا آخر سوى القيام بذلك الدور الذي يجعل منها اداة لتكييف عملية الاستغلال الامبريالي ” .
ان انتقاداتنا تشمل التأرجح في تعريف الطبقة السائدة ، وتشمل عدم ابراز العمود الفقري للطبقة السائدة ، وهم الملاكون العصريون الكبار ( البرجوازية الزراعية ) المفروض ان يحطمهم الاصلاح الزراعي الحقيقي ، وتشمل عدم تدقيق المرتكزات الاقتصادية لهذه الطبقة ، وعدم ابراز طبيعتها السياسية . ان التعميم والتهرب من التحليل والتدقيق ، إنما يخدم ذلك الغرض المبيت ، غرض انكار البرجوازية المتوسطة ، الشيء الذي سنناقشه بعد قليل .
ان ارضية الحركة الماركسية اللينينية المغربية تقدم تحديدا ادق للطبقة السائدة ، تركيبها ، طبيعتها الاقتصادية والسياسية . تقول الارضية ( 23 مارس – العدد 2 – يناير 1975 ) : ” ان الطبقة السائدة هي في الجوهر طبقة برجوازية كمبرادورية ، ونعني بالكمبرادورية الطبقة البرجوازية التي ترتبط مصالحها بالإمبريالية ولها في النظام القائم مصلحة في استمراره .
تتشكل هذه الطبقة من :
1 – البرجوازية الزراعية و ” بقايا الاقطاع ” .
2 – البرجوازية العليا التجارية و الصناعية والعقارية .
3 – البرجوازية العليا الادارية والعسكرية .
وتضيف الارضية : ” ان البرجوازية الحاكمة غير قادرة بحكم ضعفها الشديد على انتزاع زماما القيادة من الرأسمال الامبريالي ، بل انها لا تتقدم في الميدان الهامشي الذي تحتله إلا بعد ضمانات وحماية الدولة . وبمجرد المقارنة بين الوزن الذي اصبحت تحتله الدولة في مختلف الميادين : الصناعة والتجارة والميدان المالي ، وتدخلها الشامل في الفلاحة … يؤكد الدور الطفيلي للبرجوازية الكمبرادورية ، ومدى تعلقها بالدولة ، وفي نفس الوقت ، الخدمة المجانية التي تؤديها دولة الكمبرادورية لطبقتها . وإضافة الى ذلك ، فان هذه الطبقة لم تخرج بعد عن اصلها الاقطاعي التجاري ، ورثت صفات هاتين الطبقتين : التبذير والبذخ والمضاربة والرشوة … لم تكن الطبقة المسيطرة تعرف الصراع السياسي بداخلها . فطبيعة السلطة الاوتوقراطية ، وطبيعة الطبقة الطفيلية نفسها ، يمنعان ذلك . ان الصراع الوحيد الذي مارسته جماهيريا ، هو صراع التكتلات الاقليمية ، والذي تشجعه الاوتوقراطية لهدفين : ضمان توازن داخلي حول القصر ، وتحريف انظار الجماهير عن المشاكل الطبقية الحقيقية . وفي هذا الوضع ، ليس هناك إلا الجيش المنظم القادر على حسم المشكل ، وفي نفس الوقت ، امتصاص اي امكانية داخل الجيش خارجة عن مبادرات الطبقة المسيطرة . ” .
ان الاساسي الذي نسجله على التقرير ، هو خلاصته الثمينة التي يتنكر لها بعد بضع صفحات ، ويتنكر لها في حديثه عن بناءه الاشتراكي .
لقد قال التقرير الايديولوجي ، ان المهمة التاريخية للطبقة السائدة ” لا يمكن ان تكون شيئا آخرا ، سوى القيام بذلك الدور الذي يجعل منها اداة في تكييف عملية الاستغلال الامبريالي … ” .
وبعد قليل ، يلوم ويعاقب الدولة التي يضعها فوق الطبقات ، لأنها تخطئ ، فتضع الامتيازات والموارد تحت تصرف البرجوازية المغربية الناشئة ، للقيام بدور الوكيل للرأسمال الاجنبي . يقول التقرير : ” ان الدولة إذ تفعل ذلك ، تعتقد خطئا ووهما ، ان الطبقة تسير في طريق التحول الى طبقة منتجة او ذات مشاريع صناعية مهمة ، وبالتالي ، الطبقة التي تصبح مؤهلة للقيام بنفس الدور الذي قامت به البرجوازيات الغربية في تنمية الرأسمالية في بلدانها . ” . انه ” اعتقاد باطل ووهم ساذج ” ( ص 105 ) .
الاعتقاد الخاطئ اعتقادكم ، والوهم الساذج وهمكم ، ايها السادة مدبجو التقرير الايديولوجي . ان دولة الكمبرادور مدركة لطبيعتها ، ومهمتها ، ولمهمة وطبيعة طبقتها في خدمة الارتباط بالامبريالية . وابحثوا ايها السادة كل اختيارات وتصاميم ومشاريع الدولة في الاقتصاد والسياسة والثقافة … لخ اذا كنتم في شك من ذلك .
قلنا ، ان الاعتقاد الباطل اعتقادكم ، والوهم الساذج وهمكم ، لأنكم انتم الذين تعتقدون انه بالإمكان تحويل هذه الطبقة لخدمة الاقتصاد المتحرر . الستم القائلين ” ان اصحاب رؤؤس الاموال من المغاربة ، مطالبون بالمساهمة في المجهود الخاص بالتحرير والتنمية ، ولا يجوز ابدا ان يتذرعوا بأنهم يشكلون او يريدون تشكيل برجوازية وطنية حقيقية ، إلا اذا كفوا نهائيا عن المضاربات المالية والعقارية ، وخدمة التجارة الاستعمارية ، وانصرفوا الى النشاطات المنتجة التي تنسجم مع ضرورات التنمية والتخطيط الاشتراكي الذي يجب ألا يخشوه قط ، بل عليهم ان يساندوه ” ( ص 152 ) .
البرجوازية المتوسطة :
يطيل التقرير الايديولوجي الحديث لإثبات البديهيات ، لإثبات الفرق النوعي بين البرجوازية في نمط الانتاج الرأسمالي الصافي ، وبين البرجوازية في بنيات التبعية ، كأن احدا من الناش لا زال في شك من ذلك ، وهو في حديثه هذا لا يميز مطلقا بين البرجوازية الكمبرادورية المرتبطة حتى الموت بالامبريالية ، وبين البرجوازية المتوسطة ، هذه البرجوازية التي تشترك مع البرجوازية الكمبرادورية في كونها تعيش من استغلال عمل الآخرين ، ولكنها تتميز عنها بموقعها من الاقتصاد ، وموقعها من السلطة ، وبالتالي بموقفها من النظام الحالي وسيدته الامبريالية .
فهي تحتل مواقع هامشية بالنسبة للكمبرادورية والامبريالية في كل القطاعات الاقتصادية ( التجارة ، الزراعة ، الصناعة ، البناء .. لخ ) . ويضيق عليها الخناق باستمرار من طرف الكمبرادور والامبريالية . فتحكم الكمبرادور وجهاز دولته في التجارة الخارجية استيرادا وتصديرا ، وتحكمهما في تحديد ومراقبة الاسعار ، يضيق هامش الربح بالنسبة للتجار المتوسطين . وسيطرة اكبر الملاكين على اجود الاراضي ، وتسخيرهم لجهاز دولتهم لتقديم كل الخدمات يجعلهم هم المسيطرين على البادية المغربية بشكل مطلق ، الشيء الذي لا يبقى للفلاحين الاغنياء مجالا لمنافستهم والاستفادة الكبيرة من مشاريع دولتهم . واذا انتقلنا الى قطاعات الصناعة نرى نفس الشيء ، فقطاع النسيج مثلا ، وهو القطاع المفضل لبرجوازيتنا المتوسطة ، والذي تواجدت فيه بمجموعة لا بأس بها من المعامل الصغيرة ، هذا القطاع ايضا ، اخذت هيمنة الكمبرادور والرأسمال الامبريالي عليه تقوى يوما بعد يوم ، خصوصا بعد بناء اكبر مركب النسيج في افريقيا ، وهو ” كوطيف ” بفاس . والأمر ادهى في قطاع البناء ، حيث ضاق الهامش بشكل شبه كامل امام المقاولات المتوسطة ، وذلك امام سيطرة الشركات الامبريالية والشركات المختلطة الكمبرادورية – الامبريالية في هذا الميدان .
وهذه الطبقة توجد خارج السلطة السياسية ، ولم تتعايش مع الكمبرادور الصاعد إلا مؤقتا ، وفي فترة من التوازن النسبي ، وما ان دعم الكمبرادور موقعها حتى ركلها خارج السلطة .
هذا الطبقة القوية الحساسية ضد سيطرة الكمبرادور وتدخل جهاز دولته في اغلب المجالات . وهي تطمح وتحلم ببناء نظام متحرر تكون هي سيدته . ولكن قوتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا تؤهلها لذلك ، وهي من جهة اخرى ، ونظرا لاعتمادها على استغلال عمل الآخرين لا تستطيع الاعتماد على نضال الجماهير لتحقيق برامجها ، وتجنح الى التحرك خارج هذا النضال ، والتذبذب بين الطبقة السائدة والطبقات الكادحة ، وذلك حسب موازين القوى الفعلية في الساحة ، وبالتالي ، فان العامل الحاسم لشل هذا التذبذب لديها ، او على الاقل لدى شرائح واسعة منها ، هو مدى تقدم حركة الجماهير وعيا وتنظيما .
ان الانكار لدى التقرير الايديولوجي لوجود برجوازية متوسطة ، متناقضة مع الكمبرادور والامبريالية ، لا يبرره اي شيء ، فنقص المعرفة غير وارد ، لأنه لا يكفي السادة مدبجي التقرير الايديولوجي ، ان يستعرضوا اوضاع عدد من الاعضاء في الاتحاد الاشتراكي ، اوضاعهم الاقتصادية وتاريخهم السياسي ، وأوضاع رفاقهم السابقين في حزب الاستقلال ، ليعرفوا البرجوازية المتوسطة وما يميزها عن الكمبرادور .
ان هذا الانكار لا يبرره اي شيء اللهم الا اذا كان التقرير يريد ان يغالط ، ويعتبر هذا الطبقة طبقة كادحة ، وليست طبقة برجوازية تعيش من استغلال عمل الآخرين .
البرجوازية الصغيرة :
ولا يصل التقرير الايديولوجي الى الحديث عن البرجوازية الصغرى ، حتى نرى السادة المدبجين يبذلون جهودا مضنية ، ولكنها بكل اسف جهود ضائعة ، فيستنجدون ” بالخصوصية ” كعادتهم ، ويتكئون على الماركسية المكذوب عليها ، ويستبدلون التحليل الطبقي بالتحليل المهني ، ويزاوجون بين ” تكتيك الهجوم ” لإنكار وجود البرجوازية الصغرى في المجتمع المغربي ، ثم يعودون الى ” تكتيك الدفاع والتبرير ” ، وهو في ذلك مرتبكون ، احيانا يتحدثون عن البرجوازية الصغرى ، وأحيانا اخرى ، يضعونها بين مزدوجتين .
يقول التقرير : ” ان مفهوم البرجوازية الصغرى ” مفهوم مقتبس من ادبيات الاشتراكية الكلاسيكية التي حللت وضعية البرجوازية الصغرى في سياق تطور المجتمعات الاوربية ، وخلال تلك الفترة التي تميزت بالتركيز الرأسمالي ، تركيز اعتمد على الاحتكار الصناعي والتجاري . ان هذه البرجوازية الصغيرة الاوربية التي كانت تتألف من اصحاب الدخل المتوسط والأفراد المالكين الميسورين ( بالنسبة الى مستوى الحياة العامة في اوربة ) ، كانت بالفعل مهددة بالديناميكية الداخلية للنظام الرأسمالي … كما كانت الحركة البروليتارية من جهتها تعمل على تقويض الاسس التي قام عليها النظام الرأسمالي ، وعلى ضرب الملكية الفردية التي كانت هذه البرجوازيو الصغيرة تتمسك بها اكثر مما كان يتمسك بها اصحاب الاحتكارات الكبرى . وبما ان هذه البرجوازية الصغرى كانت عبارة عن طوائف وفئات مشتتة ، لا تشكل طبقة فاعلة في الديناميكية الاجتماعية . وبما انها كانت مهددة في مصالحها وطموحاتها من طرف الطبقتين الرئيسيتين … فإنها اضطرت الى سلوك مسلك التذبذب … مما طبع سلوكها بالطابع الانتهازي ، وجعلها تقوم احيانا بردود افعال عفوية غير منظمة ، وتعيش حالة من اليأس بسبب الخطر الذي يهددها ، الشيء الذي طبع سلوكها الثوري بطابع المغامرة ” ( التقرير . ص 120 ) .
ان هذا الكلام لا يساوي شيئا لأنه لا يحل ، ولا يساهم في حل مشكل مطروح الذي هو : هل توجد طبقة برجوازية صغيرة في المجتمع المغربي ؟ ما هي اهم فئاتها ؟ ما هي اهم مميزاتها السياسية والإيديولوجية ، وبالتالي ، ما هو موقعها في الثورة ؟ . هذا هو المشكل المطروح . اما ” مشكل ” نقل مميزات البرجوازية الصغيرة الاوربية وإلصاقها بشكل تعسفي بالبرجوازية الصغرى في المغرب وفي ” العامل الثالث ” ، فهو مشكل يختلقه التقرير لتجنب النقاش الجدي .
ان الاساس الاقتصادي للبرجوازية الصغيرة هو الانتاج الصغير والملكية الصغيرة من جهة ، والعمل المأجور غير المنتج بشكل مباشر من جهة ثانية . وعليه ، فالفئات المكونة لطبقة البرجوازية الصغيرة تعيش من المشاريع الصغيرة التي تمتلك فيها وسائل الانتاج ، ولا تستغل العمل المأجور إلا نادرا ، وتعوضه في الغالب بالعمل العائلي ، وهذه حالة الفلاحين المتوسطين ، وحال الصناع التقليديين المالكين لورشتهم ، وحال التجار الصغار .
كما تعيش فئة اخرى من بيع قوة عملها مقابل اجر دون ان تساهم بشكل مباشر في انتاج السلع والقيمة الزائدة ، وهذه حال الموظفين في القطاع الخاص وفي الدولة .
وقد تحدث لينين عن الفئات الاولى وسماها ” طبقة الانتقال ” ويسميها البعض بالبرجوازية الصغيرة التقليدية . وهذه الفئات من البرجوازية الصغيرة هي التي يهدد وجودها اشتداد التمركز وسيطرة الاحتكارات ، وهي التي اشار اليها التقرير الايديولوجي .
اما الفئات الاخرى المأجورة ، فهي فئات برجوازية صغيرة غير مهددة بالانقراض في نمط الانتاج الرأسمالي ، بل انها تتوسع بتضخم جهاز الدولة ، وتضخم القطاع الثالث ( قطاع الخدمات ) . وبالنسبة لواقعنا المغربي ، فالذين يبصرون يرون انتشار الانتاج الصغير ( الفلاحة الصغيرة ، الصناعة التقليدية والمهن الحرة … ) ، والتجارة الصغيرة ، الشيء الذي لا يوجد إلا نادرا في عهد التمركز البالغ في الانظمة الرأسمالية الصافية . هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، فالتقرير الايديولوجي يؤكد هيمنة وتضخم جهاز الدولة . وعليه فان البرجوازية الصغرى في الوضعية التي تعيشها بلادنا ، وضعية التبعية ، هي اوسع بكثير من البرجوازية الصغرى في البدلان الرأسمالية ، وخصوصا فئاتها القديمة . وهي بجميع فئاتها ضحية البنية الاستعمارية الجديدة ، ضحية الاستغلال الامبريالي الكمبرادوري ، مهددة في ملكيتها الصغيرة في البادية والمدينة ، مهددة بانسداد آفاق الشغل في وجهها . والمصير المؤكد بالنسبة للمتساقطين العديدين منها ، ليس هو الانتقال الى وضعية البروليتارية ، كما كان الحال في البلدان الرأسمالية ، بل الانتقال الى صفوف العاطلين .
تقول ارضية الحركة الماركسية اللينينية المغربية حول البرجوازية الصغرى : ” ان الصفة الاجتماعية لهذه الطبقة كمالك ولو لملكية صغيرة ، تجعلها في الوضع المتردد داخل الصراع الطبقي بين المالكين وغير المالكين . إلا ان اتجاه التحول الى البروليتارية ، هو الانعكاس الاقتصادي الفعلي للهياكل الحالية ، يضعها ويقربها من مواقف الطبقة العاملة ، ويربط مصالحها بتغيير الهياكل القائمة . لقد شكلت هذه الطبقة في مرحلة النضال ضد الاستعمار التقليدي خميرة المقاومة في المدينة والبادية معا ، وتحت قيادتها تخاض اليوم معظم الانتفاضات الفلاحية ، كما انها اعطت القاعدة الواسعة للنضال الديمقراطي الجذري ” .
يدخل التقرير الايديولوجي الى المؤتمر ناكرا وجود برجوازية صغيرة في المجتمع المغربي ، وبع ضغط المناضلين ضد هذا الانكار ، يعود السادة المدبجون الى الدفاع والتبرير ، ويقدمون عذرا غير مقبول اطلاقا : ان السبب في رفضهم لهذا المفهوم هو استعماله من طرف البيروقراطية ، وبعض الجهات الاخرى للطعن في الحركة التقدمية ، وعزل الطبقة العاملة عن المناضلين المثقفين . هاكم العلم .
اذا كانت تسمية الامور بمسمياتها طعنا . واذا كانت تسمية القاعدة الطبقية لتنظيم معين بالبرجوازية الصغيرة ” اجراما ” في حق هذا التنظيم ، فماذا يقول السادة مدبجو التقرير الايديولوجي ، ليس في نعتهم لقيادة الحركة الوطنية بالقيادة البرجوازية ، ليس ذلك فقط ، بل اعتبارهم ان البرجوازية التي قادت الحركة الوطنية ، هي برجوازية كانت تعيش من اقتسام الغنيمة الاستعمارية ، وفي اعتبارهم لهذه الطبقة خصما فقد للاستعمار ، وليست عدوا له ؟ .
ان التحليل العلمي كان يفرض ، اذا كانت هناك بالفعل تشويهات للحركة التقدمية ، وتحاملا مبالغا فيه على البرجوازية الصغيرة ، دراسة مدققة للبرجوازية الصغيرة في بلادنا ، وإبراز ما يميزها حقيقة عن البرجوازية الصغيرة في البلدان الرأسمالية . اما الانكار ، وبعد ضغط المناضلين في المؤتمر ، التحايل وإفراغ المفهوم من مضمونه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ، فلا يبرره إلا التهرب وإخفاء القاعدة الطبقية لجزء كبير من قادة ومناضلي الاتحاد الاشتراكي .
وبالنسبة لنا ، ورغم تثميننا للإمكانيات النضالية الهائلة لدى البرجوازية الصغيرة في بلادنا ، فإننا لم نحلم باستطاعة هذه الطبقة قيادة الثورة الديمقراطية ذات البعد الاشتراكي . ان القيادة البروليتارية لتحالف الشعب هي الضمانة الوحيدة لانجاز هذه الثورة .
الطبقة العاملة :
في حديثه عن الطبقة العاملة ، يحاول التقرير الايديولوجي بوعي منه التشطيب على المؤهلات الثورية الاساسية التي تمتلكها الطبقة العاملة ، رغم الثرثرة حول الدور الطليعي ” للطبقة الكادحة ” . وذلك واضح فيما يلي :
1 ) – اعتباره الموظفين جزءا من الطبقة العاملة ، وهنا تظهر لنا خلفيات انكار البرجوازية الصغرى والأغراض التي يخدمها . ان التقرير الايديولوجي لا يعتبر الموظفين فئة من البرجوازية الصغرى ، بل جزءا من الطبقة العاملة ، وبذلك لا يعود امام البيروقراطية مجال لتصنيف جزء من مناضلي الاتحاد الاشتراكي ضمن البرجوازية الصغرى .. تأملوا كيف تسل الشعرة من العجين .
2 ) – وتستوضح هذه الخلفية اكثر ، عندما نرى التقرير الايديولوجي يتجنب الحديث عما يميز الطبقة العاملة عن باقي الطبقات الشعبية الاخرى : استحالة تملكها لوسائل الانتاج بصفة فردية ، واحتكاكها بالتقنية الحديثة ، وبالإنتاج المكنّن في الغالب ، تمركزها وروحها الجماعية وقدرتها على الانضباط والتنظيم .. هذه المميزات هي التي يؤهل الطبقة العاملة لاكتساب الوعي الاشتراكي ، وقيادة تحالف الشعب نحو الثورة الديمقراطية ذات البعد الاشتراكي .
ان الثوريين الحقيقيين في الوقت الذي يربطون فيه نضال الطبقة العاملة بنضال كل الشعب ، ويتجنبون كل عزل لها عن حلفائها الحقيقيين ، فإنهم في نفس الوقت يصونون الاستقلال التنظيمي والسياسي للطبقة العاملة ، ويحولون دون تمييع الحدود بينها وبين باقي الطبقات ، ودن تمييع وعيها بنشر الايديولوجية البرجوازية وسطها .
اما الذين يحشدون الطاقات والفئات الشعبية في سلة واحدة ، تحت شعارات استراتيجية وهمية حول تحويل الدولة الكمبرادورية ، بالديمقراطية ، الى دولة شعبية ، وتحويل البرجوازية الكمبرادورية الطفيلية الى طبقة وطنية منتجة ، إما اولئك ، فهم ابعد ما يكون عن تمثيل الطبقة العاملة .
اشباه البروليتارية :
ان التقرير الايديولوجي ، كدأبه في اغلب فصوله ، يتحاشى جوهر التحليل العلمي الجدلي ، ويتهرب من المصطلحات الي فرضت نفسها في علم الثورة . لقد رأينا تهربه من تحديد علمي دقيق للطبقة السائدة ، وإنكاره لوجود برجوازية متوسطة ، وإنكاره لوجود برجوازية صغيرة ، واختزاله للمؤهلات الثورية لدى الطبقة العاملة في كلام عام عن ” الدور الطليعي للطبقة الكادحة المغربية ” ، ونفس الشيء بالنسبة لأشباه البروليتارية .
فالتقرير اولا ، لا يقوم بحصر مكونات هذه الطبقة ، ولا يقوم برصد ما يربطها بالطبقة العاملة ، ولا يهتم بإبراز تحركاتها النضالية .
والتقرير ثانيا ، وهذا هو الادهى ، يضع الفئة الاساسية من هذه الطبقة عمليا ضمن البرجوازية الصغرى ، حينما يدمج الفلاحين المتوسطين والفلاحين الصغار والفلاحين بدون ارض ، في كل واحد .
والحقيقة ان هذه الطبقة تتكون من الجماهير التي : إما لم تعد لها وسيلة للإنتاج ، وهي مستعدة لبيع قوة عملها ، و إما تملك ما لا يسد رمقها ، ومضطرة لبيع قوة عملها دون ان تندمج بالطبقة العاملة .. تتركب هذا الطبقة من الفلاحين الفقراء والمعدمين والعاطلين والباعة المتنقلين وخدام البيوت … لخ . والقوة الرئيسية لهذه الطبقة هم الفلاحون الفقراء والذين بدون ارض ، وهؤلاء يشكلون اكثر من 40 في المائة من مجموع الفلاحين ” .
وفئة الفلاحين الفقراء او المعدمين هذه ” تنمو على حسابها البرجوازية الزراعية قاعدة الطبقة السائدة ، وهي التي يهاب الحكم نهضتها ، ويسلط عليها بالتالي اشد انواع القمع السياسي والإيديولوجي … ان هذه الفئة تشكل الحليف الرئيسي للطبقة العاملة ، لأنها دون الطبقات الاخرى ليست لها اية مصلحة تشدها قليلا او اكثر الى النظام القائم … وبصفة عامة ، فان طبقة اشباه البروليتارية في المدن او في البوادي ، بحكم انها خارج امتيازات النظام القائم ، تملك طاقة مدمرة ( انتفاضة 23 مارس 1965 ) ، ولكنها في نفس الوقت بحكم تشتتها وقصور وعيها الايديولوجي ، لقلة احتكاكها بالصراع السياسي او النقابي ، فان ذلك يجعلها فريسة لإيديولوجيات مختلفة ، ومواقف سياسية متناقضة ” ( 23 مارس ، العدد 2 – يناير 1975 ) .
هذه هي اهم انتقاداتنا لهذا القسم من التقرير الايديولوجي والتي يمكن اعادة تلخيصها في : خطأ تحديد تاريخ حلول السيطرة الاستعمارية الجديدة ، واعتباره يبدأ سنة 1960 بدل 1956 – الهروب الى العموميات وغض النظر عن جوانب اساسية في تحديد جوهر البنية الاستعمارية الجديدة ، ونفس الشيء بالنسبة للطبقة السائدة التي يتجاوز التقرير الايديولوجي خلاصته الثمينة عن دورها التاريخي . ، ويتوهم امكانية تحولها الى طبقة منتجة — انكار وجود برجوازية متوسطة – انكار وجود برجوازية صغرى ، واستبدال التحلي الطبقي بالتحليل المهني – طمس المؤهلات الثورية الاساسية للطبقة العاملة ، واعتبار الموظفين جزءا منها – وضع اهم فئة من فئات اشباه البروليتارية ، ضمنيا ، في صف البرجوازية الصغرى .
واذا كنا نستوعب اغلب مزالق التقرير الايديولوجي ، باعتبارها معالم خط برجوازي وطني معد للامبريالية ، فان الذي لا نستوعبه ، وسنحاربه مع كل المناضلين التقدميين بكل حزم ، هو محاولة تخفيف التناقض الرئيسي ، والإيهام بإمكانية تحويل الدولة والبرجوازية الكبمرادورية الى صفوف الطبقات الوطنية المنتجة .
مفهوم الاشتراكية عند التقرير الايديولوجي : ” اشتراكية ” ام رأسمالية الدولة ؟ .
كما رأينا سابقا ، يقف التقرير الايديولوجي للاتحاد الاشتراكي على دعامتين رئيسيتين :
الدعامة الاولى : التصور البرجوازي الاصلاحي للدولة ، المتجسد في عزلها عن شروطها المادية ، والتهرب بمختلف اشكال التحايل من تحديد مضمونها الطبقي ، ورفعها الى سماء الحياد ، فوق الطبقات . هذا هو جوهر تصور التقرير الايديولوجي للدولة ، رغم محاولاته اليائسة للتغطية باعتباره انها – الدولة الحالية – اداة موجودة مسبقا ، ويمكن لأي طبقة ان توجهها لخدمة مصالحها الخاصة ، لخدمة مصالح ” المحظوظين ” او لخدمة مصالح الشعب . ومن هذه المغالطة ” يكتشف ” التقرير الايديولوجي طريقه الخاص لإصلاح الدولة الحالية . هكذا اذن ، فالدولة شيء معطى مسبقا ، اداة لا تعبر عن سيطرة فئة او طبقة اجتماعية . وهكذا ايضا ، فانه بالإمكان تحويل هذه الدولة وإصلاحها بواسطة الديمقراطية .
الدعامة الثانية : هي التحليل الطبقي الذي يبقى في اغلبه تحليلا مهنيا ، يصنف ويرتب عناصر المجتمع المغربي حسب المهن والحرف ( الموظفون ، التجار ، الحرفيون ، التقنيون ، الباعة المتجولون والعاطلون الراثون ( رث ) . وعندما يتجه نحو ” التحليل الطبقي ” لا يذكر من الطبقات إلا الطبقة العاملة بعد ان يحشر فيها ما تمليه عليه اعتباراته في محاربة البيروقراطية وبعض ” الجهات الاخرى ” . اما الطبقات الاخرى ( البرجوازية الكمبرادورية ، اشباه البروليتارية ) فيميعها بشكل سحري ، ويختزلها الى مهن وحرف . والغرض الاساسي من كل ذلك هو جمع كل الشعب ، الذي لا وجود في صفوفه لبرجوازية صغرى او متوسطة ، في سلة واحدة ، لان مشاكله واحدة ، وهدفه واحد هو ” بناء الاشتراكية بواسطة الديمقراطية ” .
ولا يناقض هذه الخلاصة الجوهرية كل الكلام المعسول الذي اصبحت كل الاطراف اليمينية تغازل به الطبقة العاملة . لان الجوهر – زيادة على اعدام المؤهلات الحقيقية لثورية الطبقة العاملة وخصوصا انعدام ملكية ، وانعدام امكانية ملكية وسائل الانتاج بشكل فردي – هو الدور السياسي الذي تعطيه مختلف القوى البرجوازية للطبقة العاملة الذي لا يتجاوز في جوهره تدعيم مطامح البرجوازية ، ويعادي كل العداء الاستقلال الايديولوجي والسياسي والتنظيمي للطبقة العاملة .
على هاتين الدعامتين : الدولة غير الطبقية التي يمكن اصلاحها بواسطة الديمقراطية ، والشعب الموحد المشاكل والموحد الاهداف ، يبني التقرير الايديولوجي اختياراته الاستراتيجية ؟
اشتراكية التقرير الايديولوجي :
لنستعرض اولا الخطوط العريضة ل ” اشتراكية ” التقرير الايديولوجي . في البدء يشطب التقرير بشكل اعتباطي تعسفي ، مفهوم الثورة الديمقراطية ألوطنية ويعرب بطريقة مؤسفة من النقاش ، من طرح الاسس التي يرفض انطلاقا منها مفهوم الثورة الديمقراطية الوطنية ، المهم – في رأيه – ان هذا المفهوم غير جدي ، وان الجماهير تريد الاشتراكية . فما هي هذه ” الاشتراكية ” التي يريدها التقرير ؟ . انها تتلخص في : ” الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والمبادلات الكبرى ، تلك الوسائل التي يجب ان تكون تحت مراقبة مباشرة من طرف المنتجين ” ، ومرتكزاتها هي التالية :
1 ) – تحويل الدولة بواسطة الديمقراطية ، وفي هذا المجال ، فان المؤسسات التمثيلية وحدها لا تكفي ، بل يجب بالإضافة الى ذلك ان تندمج الدولة في المجتمع ليصبح الاداة الممثلة له ، وان تساهم الجماهير في مجموع القرارات على الصعيدين الوطني والمحلي .
2 ) – الاصلاح الزراعي الذي يقوم بتحديد الحد الاقصى للملكية ، وتوزيع ما سيتحصل من عملية التحديد على الفلاحين الصغار . اما الاراضي التي بيد الدولة ، فيجب ان تشكل العمود الفقري للقطاع العام الذي سيتحول الى قطاع اشتراكي ، هذا بالإضافة الى تدعيم الفلاحين بالقروض وكل ما من شأنه ان يرفع دخلهم . والهدف من هذا الاصلاح الزراعي هو :
— توجيه زراعتنا لتخدم اساسا حاجيات شعبنا الغذائية ، وتساهم في تطوير اقتصاد وطني متكامل زراعي وصناعي متحرر من السيطرة الامبريالية .
— محو كل فرق بين المدينة والبادية ، والقضاء على جميع انواع الاستغلال وعلى كل استلاب .
3 ) – بناء القاعدة الصناعية المستقلة عن الامبريالية وذلك بإنشاء صناعة وسائل الانتاج ، والمشاريع المختلفة المتكاملة فيما بينها والمغذية لبعضها البعض ، وبالتحكم في التجارة الخارجية وتأميم ادوات السيطرة الامبريالية مجسدة في البنوك وشركتان التأمين .
4 — تلبية حاجيات الجماهير في الثقافة والتعليم والسكن والعلاج والنقل … لخ ، بشكل ينسجم مع ضرورات بناء الاشتراكية وما تستلزمه من تضحيات ، وبشكل يضع حدا للنفقات غير المنتجة ولشتى انواع التبذير .
5 ) – ولتحقيق هذه الاهداف ، لا بد من التخطيط الاشتراكي الذي تساهم فيه الجماهير مساهمة فعالة .
ذلكم هو جوهر ” اشتراكية ” التقرير الايديولوجي ، ولا يمكن بطبيعة الحال ” تحويل مجتمع يسيطر عليه النظام الاستعماري الجديد ، فجأة وبكيفية سحرية ، الى مجتمع ديمقراطي اشتراكي حقيقي خصوصا وقد اخترنا عن وعي واقتناع تجنب الاساليب السلطوية البيروقراطية . فلا بد اذن من مرحلة انتقالية . فما هي معالم هذه المرحلة الانتقالية عند التقرير الايديولوجي ؟ .
انها تتركز في تحويل القطاع العام وضبط علاقته بالقطاع الخاص :
ا – فالقطاع العام مطروح توسيعه ، باستثناء صناعات اساسية والتحكم في الوسائل المالية والمبادلات الكبرى . ومفروض ان يساهم العمال مساهمة فعلية ديمقراطية في تسيير مؤسساته ، ومفروض ايضا ضمان مراقبة سياسية له حتى لا يتحول ” الى وكيل جديد يجعل الاقتصاد الوطني في خدمة قنوات السيطرة الرأسمالية الخارجية ” .
ب – ضمان اشراف القطاع العام وتوجيهه للقطاع الخاص ، هذا القطاع الذي يتكون من الاستثمارات الفلاحية ومصانع المواد الاستهلاكية والتجارة الداخلية ، وذلك بتشجيعه وتدعيمه بشكل ” لا يعرقل الاختيارات الاساسية ” . هكذا ، فعلى القطاع العام ان يساعد ” الفلاحين على المستوى المالي والفني ” وان يمد ” المصانع الاستهلاكية الخاصة الموجودة الآن بالمواد الاولية وبأدوات التجهيز وبالمنتجات التي تحتاج الى اللمسات الاخيرة ” ، وان يترك لقطاع التجارة المحلية والخدمات العامة دور الوسيط بين القطاع العمومي والمستهلكين .
الاشتراكية المكذوب عليها :
في المقدمة ، يقول التقرير الايديولوجي : ” ان الاشتراكية واحدة ، كمنهج وهدف ، قوامها الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والتبادل ، يتصرف فيها المنتجون بواسطة تنظيماتهم وجهاز الدولة الذي يكون جهازا في خدمتهم وتحت مراقبة تنظيماتهم الحزبية والمهنية ” ( ص 13 ) .
وعند الحديث عن التقرير الايديولوجي لا يلبث ان يتراجع عن المنطلقات المحددة في مقدمته ، ويقصر الملكية الجماعية في الاشتراكية على وسائل الانتاج والمبادلات الكبرى فقط . ولكن ليس هذا هو الاساسي . انما الاساسي هو :
ا — ان الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والمبادلات بكاملها او الكبرى منها فقط التي يدعيها التقرير ، ليست في الحقيقة ملكية جماعية . ان الصيغة التي يأتي بها التقرير والقائلة بالملكية الجماعية والمؤكدة على ضرورة مراقبة المنتجين لهذه الملكية الجماعية ، توحي بان ليس هناك اية ملكية جماعية ، لأنه في حال وجودها ، فهذا يعني مباشرة انها بيد المنتجين يتحكمون فيها بالكامل ولا يراقبونها فقط .
ان ما يعتبره التقرير ملكية جماعية هو ملكية الدولة ، ولكن دولة من ؟ . لا يهم . الم يقل التقرير : ” ان وجود قطاع عام اليوم يشكل فعلا جزءا هاما من الانتاجية الوطنية ” ( ص 138 ) .
ومصطلح ” القطاع العام ” في حد ذاته مصطلح برجوازي مخادع ، لانه لا ينطلق من طبيعة الدولة التي تمتلكه ، هل هي دولة الكمبرادور ام دولة العمال والفلاحين ؟ . ان قطاع الدولة الحالي ليس قطاعا عاما او عموميا . انه قطاع دولة الكمبرادور .
ب — قلنا ان الملكية التي يتصورها التقرير ليست ملكية جماعية ، هذا من جهة . ومن جهة ثانية ، فانه حتى في حال توفر الملكية الجماعية لوسائل الانتاج ، فليس ذلك وحده ما لايشكل جوهر الاشتراكية . ان جوهر الاشتراكية هو سيطرة المنتجين ، سيطرة البروليتارية على السلطة السياسية بتحطيمها للدولة البرجوازية ، وبنائها لجهاز دولتها على اسس الديكتاتورية لتكسير شوكة البرجوازية التي يستمر وجودها بأشكال اخرى ، وعلى هذا اسس الديمقراطية الواسعة تجاه الجماهير الشعبية . وسيطرة المنتجين على وسائل الانتاج ، وهو محو الفروق بين العمل الفكري والعمل اليدوي وبين المدينة والبادية ، وعن طريق دمج التعليم بالإنتاج وربطه بالجانب الطبقي ، وعن طريق ضرب البيروقراطية بتوسيع مبادرات الجماهير ، وانتخاب الموظفين ، وعزلهم في كل وقت ، وعدم التمييز بينهم وبين العمال العاديين في الاجر …. لخ .
ان الاشتراكية الواحدة كمنهج وهدف ليست في الحقيقة إلا مرحلة انتقالية نحو الشيوعية ، نحو اضمحلال الدولة ، ومحو بقايا التفاوت الطبقي ، وانتهاء اقتصاد السوق نحو : ” لكل حسب حاجته ” . وكل من يعتبر الاشتراكية هي المرحلة القصوى والهدف الاخير ، فانه ليس اشتراكيا ابدا إلا بالمعنى المرذول للكلمة ، بمعنى اشتراكية الاممية الثانية ، والاشتراكية الديمقراطية البرجوازية في عصرنا . لان التوقف عند المرحلة الاشتراكية معناه الرجوع القهقرى ، وإجهاض صيرورة بناء المجتمع اللاطبقي ، وذلك بالحفاظ على جهاز الدولة وتقويته ، الشيء الذي يؤدي موضوعيا الى خلق بيروقراطية وتنمية الفوارق بدل محوها بين العمل الفكري واليدوي . وفي النتيجة ، الرجوع بشكل او آخر الى الرأسمالية . وهكذا ، فانه لا اشتراكية فعلية اذا لم تكن مرحلة انتقالية نحو الشيوعية .
في الحقيقة ، ما كنا لندخل هذا النقاش الاستراتيجي البعيد رغم مبدئيته بالنسبة لنا ، في هذا الاطار ، لولا ان التقرير الايديولوجي ’يزيّف الاشتراكية في واضحة النهار ، ويدخل في المزايدات اللفظية الفارغة . فما دامت الحركة الماركسية اللينينية المغربية تحدد طبيعة الثورة المغربية بكونها ثورة ديمقراطية وطنية ، فماذا سيخسر التقرير الايديولوجي اذا هرب الى الامام – لفظيا فقط – ونادى بالثورة الاشتراكية ؟ . خصوصا ان هذه ” الاشتراكية ” اصبحت تسحر الناس .
والتقرير الايديولوجي في الحقيقة لا يؤمن ابدا بثورة اشتراكية ، فالثورة الاشتراكية عنده مجموعة تأميمات لوسائل الانتاج ، والمبادلات الكبرى تقوم بها ” دولة المجتمع ” ، ومن هنا فانه من طبيعي ومعقول ومنطقي في هذا السياق ان يعادي التقرير الايديولوجي بشكل مطلق ديكتاتورية البروليتارية ، ويشوهها بخلطها بالبيروقراطية . ان ذلك طبيعي ومعقول ما دام الهدف الاساسي للتقرير الايديولوجي هو اصلاح دولة الكمبرادور ” لتندمج في المجتمع ” ، وتحويل طبقة الكمبرادور الى طبقة وطنية تساهم في ” البناء الاشتراكي ” طبعا ، هذا إذا اخذنا بجدية اختياره للطريق البرلماني . وإذا كان ما يسميه التقرير الايديولوجي ب ” الاختيار الاشتراكي ” ، لا يربطه بالاشتراكية الحقيقية إلا العداء ، فماذا يربط هذا ” الاختيار ” بالثورة الديمقراطية الوطنية ؟ ؟
” الاختيار الاشتراكي ” للتقرير الايديولوجي والثورة الوطنية الديمقراطية :
ان الثورة الاشتراكية تقتضي وتشترط نموا واسعا للقوى المنتجة ، وتفترض تطورا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا عاليا . وبالنتيجة فرزا طبقيا متقدما في وضوحه ، الشيء الذي لا تتوفر حتى اسسه الدنيا في البلدان التابعة للامبريالية . ان واقع بلادنا كإحدى البلدان التابعة يؤكد :
1 ) – سيادة نمط انتاج كمبرادوري معد لخدمة الامبريالية بتصدير ما تحتاجه واستيراد ما تنتجه ، واهم مواقعه المعادن والفلاحة التصديرية والسياحة والبناء والصناعات التحويلية ، وتتحكم فيه الامبريالية بالدرجة الاولى ( عن طريق البنوك والامتلاك المباشر ، وعن طريق القروض والمساعدات والتوجيهات ) ، والبرجوازية الكمبرادورية عن طريق دولتها ، وبشكل مباشر في كل هذه المواقع .
ونمط الانتاج الكمبرادوري هذا يجد تكملة الاطار الذي يحدده في : استمرار التجزئة الترابية عن طريق التقسيم ، او عن طريق الاستعمار المباشر – انتصاب القواعد العسكرية الامبريالية في عدة مناطق مغربية — التواجد الهائل للخبراء الامبرياليين في الادارة والاقتصاد والتعليم والجيش والبوليس – انتشار المراكز الثقافية الامبريالية .
2 ) – والنتيجة الحتمية لهذا النظام الكمبرادوري المرتبط بسرقات خيرات شعبنا ، ومصادرة سيادته الوطنية ، هي تدمير القوى المنتجة وإتلافها ، والحكم على الشعب بالمجاعة والأمراض والأمية . وهكذا ، فالملايين من شعبنا قد حرمها النظام الحالي من وسائل انتاج عيشها ( الارض ، الصناعة التقليدية ، الدراسة ، السكن ، التطبيب ، وسائل النقل … ) فبلترها دون ان يحولها الى بروليتارية ، وباع جزءا منها الى سوق العمل الامبريالية ، وترك الباقي ضحية البطالة . وهكذا ، فان الطبقة العاملة في ظل النظام القائم محكوم عليها بعدم التوسع وبالتهديد المستمر بالطرد ، وبالاستغلال الفظيع ، والحرمان من ابسط الحقوق . وهكذا ايضا ، فان امكانية نمو برجوازية متوسطة وطنية محدودة جدا بسبب سيادة النظام الكمبرادوري وسيطرة الامبريالية . والنتيجة الحتمية لذلك : انحطاط القدرة الشرائية للجماهير الواسعة .
وعليه ، فان المطروح في هذه الشروط ، ليس ثورة اشتراكية قوامها ديكتاتورية البروليتارية والملكية الجماعية لوسائل الانتاج ، ومحو الفروقات بين العمل اليدوي والعمل الفكري وبين المدينة والبادية ، وتحضير شروط المرحلة الشيوعية ، وبالتالي فان نقاش الاتحاد الاشتراكي لشعارات الوضع الراهن ، والموقف من الانتخابات المحلية ، في الموضوعات التي سماها : ” نقط على الحروف ” ، والتي نسي فيها كاتبها ان يضع النقط على الحروف ايضا ،، ان نقاش الاتحاد الاشتراكي هذا مصطنع في كثير من جوانبه خصوصا عندما يصور الخلاف المرحلي في جزء منه ، على انه خلاف بين من يؤمنون بديكتاتورية البروليتارية ، وبين الاتحاد الاشتراكي الذي يؤمن بالديمقراطية .
ان المطروح في شروط بلادنا الموضحة معالمها من خلال كل حلقاتنا الماضية ، هو ثورة تهدم سيطرة الامبريالية وحلفائها الكمبرادوريين ، وتبني سلطة الشعب ، وتقيم اقتصادا وطنيا مستقلا ، وبذلك تخلق الشروط الضرورية للانتقال الى الاشتراكية . انها ثورة وطنية تستهدف ضرب الامبريالية في كل مواقعها في بلادنا ، وتحرير كل المناطق المحتلة ، وبناء الوحدة الوطنية الكاملة . وإنها ثورة ديمقراطية تستهدف ضرب الكمبرادور وإقامة السلطة الشعبية ، وبالتالي ، فهي ثورة برجوازية في جزء اساسي منها ، ولكنها ثورة برجوازية بقيادة جديدة ، ومتجهة نحو الاشتراكية .
هذه الثورة لا يمكن ان تنجح في انجاز مهما تها بدون قيادة الطبقة العاملة المستقلة ايديولوجيا وسياسيا وتنظيميا ، والوثيقة التحالف مع الفلاحين الفقراء ، وسائر الفئات والطبقات الشعبية المعادية للكمبرادور والامبريالية . وما نعتقد انا مضطرون من جديد ، بعد عشرات التجارب خارج الوطن وداخله ، وبعد اتضاح الرؤية حول مؤهلات البرجوازية المتوسطة والصغرى ، للبرهنة على ان نجاح الثورة الديمقراطية رهين بقيادة الطبقة العاملة وتحالف الشعب .
فشروط نشأة البرجوازية المتوسطة وهشاشة مواقعها في كل المجالات ، واعتمادها على استغلال عمل الآخرين ، يجعلها متذبذبة بين الكمبرادور والامبريالية ، وبين الشعب الكادح ، حسب موازين القوى الفعلية في الساحة ، غير قادرة على النضال لتحقيق مصالحها كطبقة ، فبالأحرى تحقيق مصالح الشعب .
اما البرجوازية الصغرى ، رغم احساسها الحاد بظلم النظام القائم ، وقدراتها الكبيرة في النضال ، فان تعدد فئاتها ، والخلافات غير البسيطة بين شرائحها ، بالإضافة الى تعلق اغلب فئاتها بالملكية الخاصة ، وتقديسها للدولة ، وما ينتج عن ذلك من انقسامها حول اتجاهات سياسية اصلاحية ، او انقلابية بلانكية … لخ ، يجعلها غير مؤهلة لقيادة تحالف الشعب نحو انجاز مهام الثورة الديمقراطية . ونحن نميز طبعا بين الاستيلاء على السلطة ، وبين انجاز مهام الثورة الديمقراطية الذي يعني في التحليل الاخير تدشين المرحلة الاشتراكية .
وتبقى الطبقة العاملة طبقة المستقبل ، المرتبطة بالإنتاج الحديث ، والمتجمعة في ظل شروط واحدة ، والتي لا يمكن ان تحل مشاكلها بدون العمل الجماعي ، والتي لا تملك ولا يمكن ان تملك وسائل الانتاج بشكل فردي . وهذه الطبقة وثيقة الارتباط بباقي الفئات والطبقات الكادحة ، بالفلاحين الفقراء ، وبالفئات السفلى من البرجوازية الصغيرة ، وبأشباه البروليتارية ، و ذلك نتيجة لظروف نشأتها ( الطبقة العاملة ) ، ولشروط الاستغلال والتهديد الدائم بالبطالة .
ان هذه الطبقة ، رغم ضعفها العددي ، مؤهلة لقيادة تحالف الشعب نحو الثورة الديمقراطية ، ومهيأة لضمان استمرارها وانتقالها الى الاشتراكية .
مهام الثورة الديمقراطية :
تحدد ارضية الحركة الماركسية اللينينية المغربية مهام الثورة الديمقراطية الوطنية عبر مرحلتين :
المرحلة الاولى :
حيث يتوجه رمح الثورة لضرب الامبريالية والكمبرادور عبر انجاز المهام التالية :
— تحطيم دولة الكمبرادور بالعنف الثوري ، لأنها تقوم على العنف الرجعي وتمارسه في كل لحظة ضد الشعب ، وبناء السلطة الديمقراطية الوطنية التي تمثل فيها الطبقات الوطنية بقيادة الطبقة العاملة .
— استمرار تحرير وتوحيد كل الوطن المغربي .
— انجاز الثورة الزراعية بمصادرة اراضي كبار الملاكين العقاريين ، وتوزيع الاراضي على الفلاحين الفقراء وبدون ارض ، وبتحرير الفلاحين من كل القيود والديون التي كبلتهم بها دولة الكمبرادور . وبتشجيع اقامة الملكية التعاونية ، وتطوير مكننة الزراعة ، وتوجيها لخدمة الشعب والاقتصاد الوطني المستقل عن الامبريالية .
— تأميم الشركات الكبرى والبنوك والمناجم والتجارة الخارجية ، وقلب هيكلة الاولويات التي حافظ عليها الكمرادور ، و ذلك في اتجاه بناء قاعدة التصنيع وتطوير القوى المنتجة .
— تحطيم آلية التعليم التبعي بدمقرطته وتعريبه وعلمنته ، وفتح باب الثقافة الواسع للجماهير ، و ذلك بخلق تعليم مشبع بالروح الطبقية ، مندمج بالتطبيق والممارسة العملية ، مرتبط اشد الارتباط بالإنتاج ، مفتوح في وجه الجماهير الشعبية ، لا لنخبة محدودة .
— الابقاء على الانتاج الرأسمالي الوطني ، والإنتاج البرجوازي الصغير تحت اشراف وتوجيه القطاع الاشتراكي .
المرحلة الثانية :
في اطار تطور صيرورة الانجازات السالفة ، التي تقتضي درجات عالية من التعبئة الجماهيرية على كل المستويات وفي كل الموقع ، يجري دفع العملية ديمقراطيا ، بالإقناع ، بإعطاء الدليل ، بتوسيع دور وقدرات الطبقة العاملة من اجل :
— تغليب وجود الطبقة العاملة في السلطة للوصول الى ديكتاتورية البروليتارية .
— تحويل القطاع الرأسمالي الوطني الى قطاع اشتراكي ، وملكية الارض الى ملكية جماعية .
وهكذا ، فكما انه لا اشتراكية حقيقية اذا لم تكن مرحلة نحو الانتقال الى الشيوعية ، فكذلك لا ثورة ديمقراطية وطنية اذا لم تكن مرحلة نحو الانتقال الى الاشتراكية .
لنعد الآن الى مجمل ” الاختيار الاشتراكي ” للتقرير الايديولوجي .
انه يتضمن – كما رأينا – في حده الاقصى اصلاحا زراعيا يقتصر في جوهره على تحديد ملكية كبار الملاكين العقاريين . وهذا الاصلاح بهذا الشكل ليس من شأنه ان يوجه ضربة قاضية لهؤلاء الملاكين الذين يشكلون العمود الفقري للطبقة السائدة . ويتضمن ايضا : تأميم وسائل الانتاج والمبادلات الكبرى ، ويبقي على الرأسمال الوطني ، ويؤكد على تعميم المعرفة . والحقيقة ان جزءا اساسيا من هذه الاجراءات وخصوصا التأميمات ، تندرج ضمن مهام الثورة الديمقراطية في مرحلتها الاولى ، طبعا اذا اخذناها على حدة . ولكن اذا اخذ ” الاختيار الاشتراكي ” ككل ، فإننا سنجده في طلاق كامل مع الثورة الديمقراطية الوطنية ، وذلك نظرا :
— لكونه يقفز على طبيعة السلطة ، ويحلم بإصلاح جهاز الدولة الكمبرادوري عن طريق الديمقراطية ، الشيء الذي يبقى وهما خالصا . ان الجوهري في الثورة الوطنية الديمقراطية ، هو سلطة الشعب بقيادة الطبقة العاملة .
— لكونه ، نتيجة لما سبق ، يعارض قيادة الطبقة العاملة المستقلة لتحالف الشعب ، ويستبدل ذلك بوضع الشعب كله في كفة واحدة ، وفي سلة واحدة . هذا من حيث الظاهر ، ومن حيث الجوهر : تكريس قيادة البرجوازية المتوسطة والصغرى . هذه القيادة التي لن تصل الى انجاز مهام الثورة الديمقراطية ؟
— لكونه في العمق ، لا يطرح مجموع تأميماته في هدف الوصول الى التأميم الكامل ، الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والمبادلات الكبرى . بعبارة اخرى ، لكونه يؤمن بخلود القطاع الرأسمالي الوطني ، لا بتحويله الى القطاع الاشتراكي . هذا رغم ان هذه التأميمات ، بالتوجيه الذي يطرحه التقرير ، تبقى مستحيلة بدون اسقاط الطبقة السائدة . اما الكلام الكثير الذي يحشده التقرير الايديولوجي حول ان ” الاختيار الاشتراكي ” سيضع حدا لكل استغلال او استلاب ، وسيضع حدا لكل فرق بين المدينة والبادية … فكلام مغلوط ومغالط : فبالإصلاح الزراعي الذي يطرحه لن يقضي على الملاكين ألكبار والتأميم لن يقضي على الرأسماليين الوطنيين . فمن اين يعيش هؤلاء اذا لم يكونوا يعيشون من استغلال عمل الاخرين ، هذا اذا لم نطرح الاهم والأخطر ، وهو استمرار دولة الكمبرادور، وفي احسن الاحوال ، دولة البرجوازية الوطنية ، الشيء الذي سيبقي العمال مجرد بائعي قوة العمل ومنتجي فائض القيمة .
وعلى كل حال ، فان اي احد لا يتوهم انتهاء الاستغلال في عهد الثورة الديمقراطية الوطنية بشكل مطلق ، ولكن الاكيد هو تدشين صيرورة الغائه .
اما ما يسميه التقرير بالمرحلة الانتقالية ، فليس إلا طوباوية اصلاحية ، قريبة ما اطروحة حزب التقدم والاشتراكية رغم اختلاف الاسماء ، حول المراهنة على تحول الكمبرادور الى طبقة وطنية ، تقوم دولته بتأميم مصالح الامبريالية ، وتتوجه الطبقة نحو القطاعات المنتجة ، ملتزمة ب ” الاخلاق ” الفاضلة .
وذلك يناقض تماما تلك الخلاصة التي كان قد خرج بها التقرير الايديولوجي حول الدور التاريخي لطبقة الكمبرادور الذي لن يكون غير خدمة الرأسمال الامبريالي . هذه الخلاصة التي من كثرة ما تنكر لها التقرير فيما بعد ، اصبحت عبارة عن هفوة لسان افلتت منه بدون وعي .
واذا كان ” الاختيار الاشتراكي ” للتقرير الايديولوجي ليس ثورة اشتراكية ، وليس ديمقراطية وطنية ، فما هو اذن ؟ انه في جوهره رأسمالية الدولة .
الاختيار الاشتراكي ورأسمالية الدولة :
وهكذا ، فان ” الاختيار الاشتراكي ” للتقرير الايديولوجي في جوهره ، هو تعبير مكثف عن مجمل طموحات البرجوازية المتوسطة وبعض الشرائع العليا للبرجوازية الصغرى في ازاحة القيود والعراقيل المنتصبة في وجهها ، عراقيل وقيود الامبريالية والكمبرادور ، وفتح المجال امامها للسيطرة على المجتمع ، و ذلك عن طريق تسخير جهاز الدولة ليؤمم وسائل الانتاج والمبادلات الكبرى . ان هذا ” الاختيار الاشتراكي ” يهدف الى اطلاق يد البرجوازية المتوسطة في البادية بتحديد ملكية كبار الملاكين ، وتحرير البرجوازية المتوسطة الحضرية في التجارة والصناعة عن طريق تأميم التجارة الخارجية التي يسيطر عليها الكمبرادور والامبريالية ، وتأميم البنوك والشركات الكبرى التي تضيق الخناق على المشاريع المتوسطة ومن ثمة ، تقديم الدعم والتشجيع لها من طرف الدولة . اي السيطرة على المجتمع عن طريق ” القطاع العام ” . وهذه الدولة التي من المفروض ان تنجز هذه الخطوات ، وتفتح الطريق لتطور رأسمالي عرقلته سيطرة الامبريالية والكمبرادور . هذه الدولة هي دولة البرجوازية المتوسطة بالأساس ، وبعض شرائح البرجوازية الصغيرة ، وبالتالي ، فان سيطرة البرجوازية المتوسطة على الدولة ، وفي اتجاه تحقيق الاختيارات التي حددها التقرير الايديولوجي ،، تبقى وهما من الاوهام اذا اعتمدت على ” الديمقراطية ” ، اي بصريح العبارة : على الخط البرلماني . فهل هناك طريق آخر ؟ .
وغني عن البيان ، بعد عديد من التجارب على الصعيدين العربي والعالمي ، ان نؤكد ان رأسمالية الدولة ، رغم توجيهها ضربات للرأسمال الامبريالي والكمبرادوري ، فإنها لن تنجح في الاستقلال الكامل عن الامبريالية . بل سرعان ما تعود الى اصلها : البرجوازية التقليدية . لأنه لا استقلال عن الامبريالية دون ثورة ديمقراطية وطنية ، ولا ثورة ديمقراطية وطنية اذا لم تكن مرحلة للانتقال الى الاشتراكية .
وغني عن البيان ايضا ” ان الشيء الذي يتغير في حالة برجوازية الدولة ، هو ان ملكية وسائل الانتاج الكبرى بدل ان تكون فردية كما كانت في الماضي ، تغدو ملكية جماعية لمجمل الطبقة السائدة . اما بالنسبة للطبقة العاملة ، فالواقع سيستمر كما كان عليه من قبل كطبقة تبيع قوة عملها ، ومفصولة كلية عن وسائل عملها وعن منتوجها ، وكطبقة مقموعة سياسيا وإيديولوجيا ” ( 23 مارس العدد 3 مارس 1975 ) .
خاتمة :
وهكذا نكون قد ناقشنا اهم محاور التقرير الايديولوجي ، وقد تبين لنا خلال النقاش ، ان التقرير ، باعتباره تكثيفا لطموحات البرجوازية المتوسطة والشرائح العليا من البرجوازية الصغيرة في بناء نظام رأسمالية الدولة ، ينطلق من هذا الهدف ، ويحاول لوي عنق التاريخ والواقع ليخدم هذا الهدف .
— فالدولة ، لا تمثل طبقة او تحالفا طبقيا او فئة اجتماعية ، والدولة هي ملك للمجتمع ، وهي كل شيء ، وهي قادرة على كل شيء . وبذلك يحقق التقرير ’مبتغاه ، في الانطلاق من خصوصية مجتمعنا ، وفي ترشيح الدولة لتقود بناء ” اختياره الاشتراكي ” ، اي رأسمالية الدولة .
— والشعب في الماضي ، وفي الحاضر ، كل واحد ، موحد المشاكل ، موحد الاهداف ، باستثناء المحظوظين ، وعليه ، فالدولة الخاطئة التي يوجهها ” المحظوظون ” لفائدتهم يجب اصلاحها لتخدم هذا الشعب كله . وبذلك يغطي التقرير الايديولوجي اختياراته ، ويستر طبيعة الدولة البرجوازية التي يحلم بها بيافطة ” الشعبية ” ، واختياراته البرجوازية بيافطة ” الاشتراكية ” .
— وفي هذا السياق ، عادى التقرير الايديولوجي الاشتراكية منهجا ، حيث استبدل المنهج المادي التاريخي الجدلي ، بمنهج انتقائي تبريري ، خليط بين بعض النتف العلمية وبين اكوام من التفسيرات المثالية والمغالطة . وعادى الاشتراكية هدفا حيث حولها الى رأسمالية دولة .

 

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات