السبت , 19 أغسطس 2017
قصة قصيرة /عاتق نحلي “محنة الأستاذ حكيم أبي الذرات”

قصة قصيرة /عاتق نحلي “محنة الأستاذ حكيم أبي الذرات”

قصة قصيرة: محنة الأستاذ حكيم أبي الذرات
كنت أتجول في الميناء ذلك المساء كعادتي حين تعتريني فجأة تلك الحالة النفسية التي يسميها الكثير من أقاربي نوبة عصبية ،وأسميها امتلاء النفس عن آخرها بالخيبات من واقع ما فتئ يحاصر تطلعاتنا وأحلامنا الصغيرة من كل جانب .وفي الحقيقة أنني كنت في الأيام الأخيرة أشبه برهين في سجن لحظات من الماضي الجميل؛ ولأكون دقيقا ،كنت في قيد المرحلة الثانوية، في قيد أستاذي العظيم حكيم ،مدرس الفلسفة.
لا يصعب علي الآن تفسير سبب تلك العودة القوية إلى تلك المرحلة؛ فقد كنت أحاول، كلما حاصرتني الإشراطات المختلفة، وشلت إرادتي ؛ألوذ بفلسفة أستاذي حكيم التي أخذها عن أبيقورهذا الأخير الذي حاول البرهان على أن القول بالحتمية السببية لجميع الظواهر الطبيعية يجب ألا يؤدي إلى نفي الحرية البشرية .
وبينما أنا أذرع الميناء، محاولا الابتعاد عن الضوضاء التي شجرت فجأة ورائي ؛انتهت إلى مسامعي عبارات ليست بالغريبة عني،وهي: (افتحوا الباب. حركة الذرات مستقيمة من الأعلى إلى الأسفل ،ولا تستطيع أن تنحرف قليلا عن خط سقوطها فتصبح حركتها منحنية .لقد أخطأ أبيقور. ) وحين التفت رأيت أستاذي مطوقا بعصابة من الصبية يشاكسونه ،ويسخرون من هندامه البالي والمرقع ،ومن هول المفاجأة ؛امتٌقع لوني ،وجمدت الدماء في عروقي ،وفغرت فمي دهشة، لا الوي على شيء، وقد عنّ لي أن أهرول صوبه ؛لأخلصه من بين أيديهم ،غير أنني تهيبت للحظة، فقد كان الأستاذ حكيم بالنسبة إلي رغم ما آل إليه هو الأستاذ حكيم ،وما إن أخذت أخطو صوبه ؛حتى زمجرت سيارة بيضاء ، فهمت من المكتوب عليها أنها تابعة لمصحة الأمراض العقلية .نزل منها رجلان نفرقا شمل عصابة الصبية ،واقتادا -بعنف -أستاذي الذي رمقني ساعتها بنظرة عجيبة، وهو يردد قولته الأثيرة (افتحوا الأبواب.أخطأ أبيقور) التي قذفت بي بلا رحمة شطر الماضي ،وكانت هذه القولة قد اقترنت في ذاكرتي بمحنة الأستاذ حكيم أبي الذرات .
لا يمكنني الجزم بأن محنة الأستاذ حكيم بدأت ذلك اليوم في الفصل حين علق يصرخ في حالة هستيرية وهو على كرسيه (افتحوا الباب. حركة الذرات مستقيمة من الأعلى إلى الأسفل ،ولا تستطيع أن تنحرف قليلا عن خط سقوطها ،فتصبح حركتها منحنية .لقد أخطأ أبيقور.) ،ونحن مندهشون من هذا السلوك الجديد الذي صدر عن أستاذنا الرزين ،راجح العقل ،والأهم من ذلك كله، الجدّي.
حاولنا مأخوذين تنبيهه إلى أن الباب مفتوح ،ولكن دون جدوى .ولأن صراخه كان قويا ،فقد أخل بالسير العادي للمدرسة ،وهو ما جعل المدير والناظر وبعض الأساتذة يلتحقون بالفصل؛ لا ستجلاء حقيقة الأمر.وبمجرد دخول المدير والناظر اتجها مسرعين صوبه ،وهو على حالته تلك ،فحاولا بدورهما كل واحد بطريقته أن يهدئ من روعه ،غير أنه لم يستجب .
ساعتها أمرنا المديربالانصراف؛ للانفراد بالأستاذ الذي كان ما يزال يردد بقوة (افتحوا الباب.أخطأ أبيقور).والحقيقة أن المدير والناظر ألقيا نظرة على الباب ؛للتأكد من أنه قد كان مفتوحا فعلا.
فجأة توقف الأستاذ حكيم عن الصراخ ،وقد كان يتصبب عرقا ،كأنه لم يكن يشعر بما فعل،فاستفهم عن سبب حضور المدير والناظر، وعن سبب خلوالقسم من التلاميذ لاسيما وأن موعد انصرافهم لم يحن بعد.وهنا أخبر المدير الأستاذ حكيم بما حدث ،وهو غير مصدق ،ثم استاذن وانصرف.
قبل واقعة اليوم المثيرة كان قد حدث شيء غريب لم يستطع أحد تفسيره، فقد تغيب الأستاذ حكيم عن العمل لمدة خمسة عشر يوما، ثم إنه عاد على حين غرة ،دون أن يستتبع ذلك أي إجراء إداري كما هو متعارف عليه في مثل هذه الحالات ،خصوصا وأن الاستاذ لم يبرر غيابه . تهامس الأساتذة فيما بينهم بتلقي الإدارة لأوامر من جهات عليا بصرف النظر عن الموضوع.
وشيئا فشيئا بدأت أسمع في الحي بعض الوشوشات التي اعتبرتها في وقتها ادعاء،وكانت كلها تتحدث عن اختطاف الأستاذ حكيم أبو الذرات ،وتعذيبه تعذيبا جسميا ونفسيا خطيرين حتى أن هناك من اعتبر موت زوجته وابنه حادثا مدبرا ،وليس عاديا نتج عن اختناق بغاز البوتان كما شاع. والحق أقول ،فإني لم أكن أصدق ما أسمع ،لا لشيء ،إلا لغرابة التعليلات التي كانوا يدلون بها في سبيل تعزيز هذه الادعاءات ،فقد اقترنت محنة أستاذي حسب أهل حيي بعباراته الأثيرة والتي ما أزال أحفظها عن ظهر قلب ،وإن لم أكن أفهمها جيدا ،وهي أن الذرات لا متناهية في عددها ،لا في أشكالها ،فصورها محدودة؛لأن الذرات لا يمكن أن تكون ثقيلة جدا ،وبالثقل تتحرك الذرات حركة مستقيمة من الأعلى إلى الأسفل غير أنها تستطيع تلقائيا أن تنحرف قليلا عن خط سقوطها فتصبح حركتها منحنية بدلا منها مستقيمة .ثم يعلق الأستاذ حكيم ،لقد جاءت فكرة أبيقور عن الحركة الذاتية للذرات إسهاما رائعا في تطوير المادية ،وما يهمنا نحن يا أبنائي ،هو أن أبيقور انطلاقا من هذه النظرة الساذجة يؤكد على أن انحراف الذرات شرط ضروري وأساسي لحرية الإنسان.
ولشد ما كنت أعتز بأني تلميذ الأستاذ حكيم هذا الرجل المهم، والخطير المجلل بغلالة من الغموض، وبأني أحفظ عباراته السحرية تلك التي تزعج المسؤولين.وذات يوم بينما كنا نتسامر أنا وأصدقائي في ساعة متأخرة من الليل ؛طلبوا مني أن أقلد الأستاذ حكيم ،وقد رفضت في البداية ،ولكنهم ألحوا؛ فانصعت لطلبهم، وأنشات أردد قولة أبيقور عن الذرات :(…ولكن ابيقور الذي يأخذ بالمبادئ العامة لمذهب ديمقريطس يحاول البرهان على أن القول بالحتمية السببية لجميع الظواهر الطبيعية يجب ألا يؤدي إلى نفي الحرية البشرية …). وسرعان ما تملكني الزهو،وشعرت بأن روح الأستاذ حكيم تتقمصني.
وبينما أنا منخرط كليا في محاولة تقليد أستاذي؛ صاح بنا أحد السكان في غضب يأمرنا بأن نصمت، وقد اعتقدنا في البداية أننا أيقظناه من نومه ،فقد كان الوقت متأخرا ؛ فصمت فعلا ،وبينما كنا نحاول مغادرة المكان اندفع نحونا رجل علمنا فيما بعد أنه هو عينه الشخص الذي أمرنا بالصمت .وبدا أنه كان يوجه الخطاب إلي حين قال غاضبا:
-ماذا تعلم أيها الغر عن الأستاذ حكيم حتى تحاول أن تسخر منه؟
في هذه اللحظة أحسست بأنني مرغم على دفع تهمة السخرية من الأستاذ عني ؛لأني لم أكن أقصد ذلك، فقلت :
-ولكن كيف لك أن تصور احتفاءنا بالأستاذ حكيم سخرية؟
في هذه اللحظة كان الرجل قد أصبح قبالتي، فرد :
-إنها سخرية وحسب، فليس هكذا يحتفى بالأستاذ حكيم .
وهنا قلت معتقدا بأنني أفحمه :
-ولكن ما شأ نك أنت باستاذنا؟
فأجاب أسرع من السابق :
-إنه استاذي أيضا ،وأستاذ هذه المدينة كلها .
وكان دوره هذه المرة في رشقي بالأسئلة :
-ماذا تعرف أنت وجيلك عن الأستاذ حكيم ؟
في هذه اللحظة شعرت بأنني لا أعرف أستاذي فعلا ،أو قل ما أعرفه عنه قليل جدا ،وهو يعبر عن جهلي في الحقيقة،أو طيشي ونزقي،فلست أدري، فلم أملك إلا أن أعيد له سؤاله مع تغيير طفيف:
-وماذا تعرف أنت عن الأستاذ حكيم ؟
ضحك الرجل ضحكة مجلجلة ،تنم عن استخفافه بنا، وأردف:
– آه آه الأستاذ حكيم هو الذي غرس أجمل شيء، أشرف شيء في هذه المدينة،غرس فيها الإحساس بقيمة الإنسان، بكرامته، بحريته ،بإرادته. هو الذي أخرجنا من حمأة الأنانية ،ورفعنا إلى ذروة الإنسانية، وروح الجماعية ،والتعاون، والتضامن .. هل سمعتم بأيام الإضراب العشرين حين انتفض عمال مصنع النماء في وجه الشعيبي ،رجل الأعمال المشهور، مطالبين إياه بالزيادة في الأجور، وبتخفيض ساعات العمل .لقد كان إضرابا تاريخيا بكل المقاييس، بطوليا بكل ما تحمل الكلمة من معنى. نعم، قد التف الشعيبي على المطالب التي أوهم العمال بأنه سيحققها ،ولكن الأهم أن العمال تعلموا أن الذي لا ينتزع بالنضال، ينتزع بمزيد من النضال، وترسخ لديهم أن الإضراب ،وسيلة لا غنى للطبقة العاملة عنها لمواجهة لصوصية أرباب العمل.
-هل تذكرون مسيرة الغضب التي قادتها نسوة هذه المدينة ضد الحيف الذكوري بكل أنواعه ؟
بهتنا جميعا ،فلم أكن أنا على الأقل قد سمعت بهذه المسيرة التي فهمنا منه أنها كانت انعطافة حاسمة في تاريخ نساء مدينتنا.
– هذه المسيرة أيها الساخرون الصغار، كانت وراء التخفيف من الظلم المسلط على النساء في مختلف ميادين الحياة والنشاط الاجتماعي.
– أسمعتم بأحداث الأيام الستة التي قادها تلاميذ المدينة ضد نظام ربط المدرسة بمحيطها والذي كان يهدف إلى تكوين يد عاملة رخيصة للصوص القرن الحادي والعشرين ؟
في تلك الأثناء كنا مأخوذين بقدرة هذا الرجل على نقلنا من حاضرنا إلى ماضينا الذي كنا نجهل عنه الكثير .
قال الرجل:
-قد تتساءلون عن علاقة كل هذه الأحداث بالأستاذ حكيم؟
فقلنا :
-نعم
قال:
القاسم المشترك بين كل هذه الأحداث هو الأستاذ حكيم نفسه.
-كيف؟
-عندما اعتقلت قيادة هذه المعارك أدرك الجلاد أنها تربية الأستاذ حكيم أبو الذرّات.لقد غرس الرجل فأحسن الغرس ،وقطف ثمار مازرع ، قطف رجالا ونساء يعشقون الحرية، ويتفانون في خدمة الوطن يا أولاد، بنى الإنسان .صحيح أنه قاسى بشدة ،ولكنه كان يدفع ضريبة تنوير العقول بكل وعي .
وفي غمرة ضجيج الذكريات رأيت سيارة المصحة العقلية تختفي ،لكنني ظللت متسمرا في مكاني، حائرا ،أحاول تفسير ما رأيت أو على الأقل تفهمه.صحيح أنني سمعت عن الاختفاء المفاجئ لأستاذي منذ زمن ليس بيسير وأن هذا الاختفاء أثار كثيرا من التساؤلات ،وجعل أصابع الاتهام توجه إلى جهات نافذة في الدولة ،بيد أنني لم أكن أتصور أن تتطور الأمور بهذا الشكل الدراماتيكي ؛لتنتهي بهذا الرجل إلى مثل هذه النهاية.
وبينما أنا رهين تساؤلاتي ؛فإذا برجل عجوز يقف قبالتي ،ويوجه الكلام إلي بدون مقدمات:
_هل رأيت كيف انتهى الأستاذ حكيم أبو الذرات؟
أجبته متنهدا ،كأني أتخلص من شحنة الأسى الجاثمة على قلبي:
_للأسف.فلم أكن أتصور أن ينتهي المطاف برجل يملك زمام تحليل الواقع بهذا الشكل .
قال العجوز:
_وهل تعرفه؟
_حق المعرفة ياعم، إنه أستاذي.
_وهل تعلم كيف صار إلى ماهو عليه الآن؟
قال ذلك بلهجة كدت أتبين فيها شخصا أعرفه، فرددت متلبكا:
_في الحقيقة، لا أعرف، ولكنني أتذكر يوما من الأيام ،ونحن في حصة الفلسفة كيف انتفض في مكانه صارخا :افتحوا الأبواب .وقد كان ذلك سلوكا غريبا من أستاذ رزين مثله.
لكن الرجل العجوز ،وكأنه يعاتبني على تقصيري في تتبع أخباري أستاذي قال:
_آه آه .قبل ذلك اليوم الذي ذكرت كان الأستاذ حكيم قد اختطف وعذب بقسوة إلى أن انهار.
هنا ضربت على رأسي قائلا:
_صحيح .لقد اختفى قبل ذلك الحدث مدة طويلة .
_لقد عذبوه بقسوة ؛لأنه كان متمسكا بذرات أبيقور ،بالحرية ،بقدرة الإنسان على تغييرمحيطه . والحق أقول :إن بعض الذين ضلعوا في تعذيبه قد اعترفوا بأنه قد صمد أيما صمود في وجه كل أنواع التعذيب التي أذاقوها إياه،وأنهم حين أخبروه بأنهم هم الذين دبروا مقتل عائلته الصغيرة، وأنهم سيقتلون كل من يمت إليه بصلة ؛إذا لم يتنكر لأبيقور، وفلسفته التي أفسدت العقول ؛انتفض في مكانه وشرع يردد عبارته الأثيرة افتحوا الأبواب…أخطأ أبيقور.ثم وقع على وثيقة التزم فيها بالتخلي عن أبيقور، وذراته ،ولا شك أن هذه الأزمة قد أثرت على مشواره المهني ؛مما جعل الوزارة توقفه.
ساعتها تذكرت هذا العجوز اللاهج بهذه الحقائق في سرد رخيم محكم. إنه قد طلع فجأة من الماضي، فمازلت أذكر يوم عاتبني وصحبي على السخرية من الأستاذ حكيم .غير أن تذكري له في هذه الأثناء لم يكن ذا جدوى .فقد كنت أبحث عن مخرج من دوامة الغبار التي أثارها سقوط تمثال أبيقور في نفسي؛ لكي أبحث عن فكرة أقوى من الموت ،وأعلى من أعواد المشانق.

عاتق نحلي

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات