الأربعاء , 28 يونيو 2017
(وجهة نظر ) تقييم تجربة “الى الامام” بين نزوع تصفية التجربة، وطموح انطلاقة جديدة

(وجهة نظر ) تقييم تجربة “الى الامام” بين نزوع تصفية التجربة، وطموح انطلاقة جديدة

اعادة البناء السياسي والتنظيمي لتجربة ”الى الامام“
الى الامام

لقد ساد الاعتقاد ولازال، لدى العديد من المهتمين بواقع الحركات السياسية المغربية وخاصة اليسار الجديد، أو الحركة الماركسية اللينينية كما كان متداولا انذاك، بأن هذه الاخيرة كفعل سياسي، وكتنظيم في منتصف عقد السبعينات على إثر الاعتقالات الكبرى التي مست تلك التنظيمات في سنة 1974، وان بعض التحركات السياسية التي كانت تظهر بين الفينة والاخرى، والتي كانت تحمل بصمات تلك الحركات لم تكن في واقع الامر سوى تمظهرات لفعل وممارسة بعض الحلقات المنفلتة من حملة الاعتقالات السابقة الذكر. التي ظلت تشتغل في دوائر محدودة ومغلقة، وبشكل معزول. الشيء الذي جعل من فعلها السياسي محدود التأثير، ولا يرقى بها الى مستوى التشكل كإطار تنظيمي بالشكل المتعارف عليه.

والحال، أن واقع حركات اليسار السبعيني، وكذا الكيفية التي تطور بها في الواقع السياسي المغربي، قد أخذ منحى مغايرا لما كانت عليه في بداية انطلاقتها ومراحل فورانها في السنوات الاولى لنشأتها، كما تشهد على ذلك الاحزاب السياسية التي عرفها النغرب في تلك الحقبة التاريخية، مع تفاوت واختلاف في قراءة تلك التجربة.

لقد خضعت هذه التجربة السياسية لتقييمات متباينة ومتعارضة أحيانا من طرف نفس التنظيمات التي اطلقت دينامية التأسيس، بحيث تراوحت آفاق هذه الصيرورة بين طموح الحفاظ على جدوتها الثورية مع التجديد والتطوير، وبين الاعتقاد بانسداد أفق هذه التجربة، وبالتالي انتهت باعتقال كل أطرها. وداخل هذا السياق العام، مارست منظمة “23 مارس” نقدا ذاتيا جدريا لتجربتها وتجربة اليسار الجديد عموما، وهو النقد الذي بدأت بوادره منذ سنة 1972 ولتكتمل معالمه في منتصف عقد السبعينات لدى قيادة المنظمة بالخارج، بحيث تبنت انذاك ما أسمته وقتها بخط النضال الديمقراطي، وهو الخط السياسي الذي تخلت من خلاله عن مواقفها الكلاسيكية التي ميزت مواقف اليسار الماركسي اللينيني المغربي، كالملكية والنظام السياسي، وقضية الصحراء وتبنت المسلسل الديمقراطي، والاجماع الوطني…

وإذا كانت منظمة “23 مارس”، قد جعلها تقييمها للتجربة، تقطع مع التجربة اليسراوية كما كانت تسميها آنذاك، وفتح لها المجال للعمل في القانوني، فان تجربة منظمة “الى الامام” هي الأخرى، قد عرفت تقييمات مختلفة ومتعارضة. ولم تعرف معها انشطارات تنظيمية كما هو شأن منظمة “23 مارس”1، أسفرت إحدى تلك التقييمات عن انطلاق تجربة مغايرة منذ سنة 1979.

تقييم تجربة “الى الامام” بين نزوع
تصفية التجربة، وطموح انطلاقة جديدة

لقد ظلت تجربة منظمة “الى الامام” التنظيمية والسياسية، متماسكة منذ انطلاقتها، بحيث حافظت على انسجامها، مقارنة ببقية تنظيمات اليسار ولم تعرف اختلافات سياسية سواء على مستوى الخط السياسي أو الايديولوجي ولا على مستوى التقدير السياسي للظرفية ومتطلبات المرحلة. ولقد ساعدها في ذلك هيكلها التنظيمي الحديدي، الذي مكنها من الاستمرار السياسي والتنظيمي خلال فترات القمع الشرسة الممتدة من بداية السبعينات الى سنة 1976، ولم تتم مساءلة التجربة، وتقييمها إلا في نهاية السبعينات، بعد الاعتقالات التي تعرضت لها المنظمة، والتي قوضت هياكلها التنظيمية، وشلت فعلها السياسي. لقد ولدت الانهيارات التنظيمية التي تعرضت لها المنظمة العديد مت التساؤلات السياسية حول وجوده السياسي وشرعيته التاريخية والموضوعية، وكذا ضرورة استمرارها، وامكانية تحقيق مشروعها المجتمعي في ظل الشروط التي كان يمر منها المغرب انذاك، وعلاقتها ببقية المكونات السياسية. إنها اسئلة محورية شكلت مفاصل التقييمات السياسية التي ستعرفها التجربة داخل زنازن السجن المركزي بالقنيطرة، وهي التقييمات التي ستتوزع على ثلاث وجهات نظر، يمكن ان نوجزها، مع التوقف، عند التقييم الذي سوف يطلق دينامية، إعادة بناء منظمة “الى الامام” موضوع مقالنا :

أ – حل تنظيمات اليسار والعودة إلى حظيرة الاحزاب الوطنية.

لقد انطلق هذا التقييم من الفشل التام لعموم فصائل الحركة الماركسية اللينينية بشكل عام ومنظمة “الى الامام” بشكل خاص، معتبرا أن دور اليسار الجديد يفقد المشروعية التاريخية والموضوعية، بحيث تحكمت في نشوئه النزعة الارادوية لفئة عريضة من الشبيبة المغربية العاملة والناشطة داخل الاحزاب الوطنية الديمقراطية، والتي تبنت الفكر الماركسي دون النزعة اليسراوية المغامرة، كما اعتبرت هاته الوجهة النظر التقييمية، أن فعل اليسار الجديد لم يكن في واقع الامر سوى ردة فعل انفعالية حول لحظة سياسية مأزومة، لم ترق الى مستوى الفعل السياسي المؤثر في مجريات الوضع الاسياسي داخل البلاد، الشيء الذي اضفى على نشاطها السياسي كما مارسته وقتذاك، سمة طفولية يسراوية، لا تقيم أي اعتبار للقوانين المتحكمة في بنية الصراع الاجتماعي داخل المغرب، ليخلص هذا التقييم الى ضرورة حل هذه التنظيمات، والعودة الى حضيرة الاحزاب الوطنية2.

ب – حل التنظيمات اليسارية والالتحاق بالطبقة العاملة كأفراد ودعمها
لبلورة حزبها الطليعي الثوري من داخلها :

لقد انطلقت وجهة النظر التقييمية هاته، من منطلقات مغايرة للرأي السابق، بحيث اعتبر هذا التقييم أن المشروع السياسي والأيديولوجي، الذي نهضت عليه هذه الحركة الثورية، لازال مطروحا في جدول أعمال الحركة الثورية المغربية، ولازالت ضرورته السياسية قائمة، غير أن الأعطاب والانزلاقات التي حالت دون إنجاز المهام الثورية لدى الحركة الماركسية اللينينية المغربية، ومنظمة “الى الامام” بالخصوص هو اعتمادها على عنصر البرجوازية الصغيرة (المثقفين بشكل عام). والاشتغال في حقولها كالقطاع الطلابي والتلاميذي، وداخل الشبيبة المدرسية بشكل كبير، دون الانغراس في القلعات البروليتارية لبناء الحزب الثوري البروليتاري لإنجاز التغيير الثوري، لخلص هذا التقييم الى ضورة حل التنظيمات اليسارية، والتحاق مناضليها بالطبقة العاملة كأفراد، للمساهمة معها فكريا وسياسيا لبلورة حزبها الثوري من داخل صيرورة عملا، لانجاز مهام التغيير الثوري ذي الافق الاشتراكي.

ج – ضرورة صيانة الرصيد التاريخي والكفاحي لليسار
وإطلاق دينامية إعادة البناء السياسي والتنظيمي
لمنظمة “الى الامام”

إن هذا التقييم، وإن كان يتقاطع مع وجهات النظر السابقة في نقد التجربة، على أكثر من مستوى، فإن تحليله وتقييمه سوف لن يصل الى مستوى خلاصات تصفوية للرصيد اليساري الذي راكمته الحركة. لهذا فهو سينطلق من التمسك بجوهر الفكر الماركسي اللينيني، كفكر تحرري من كل أشكال الاستبداد والاستغلال، والتشبث بالمنظمة كأداة ثورية، للضرورة التاريخية للتغيير الثوري الذي كانت تقتضيه الظروف السياسية والمجتمعية، مع التأكيد، أن ولادة اليسار الماركسي لم تكن نتيجة إرادات ذاتية لمجمةعات شبابية معزولة، وإنما كانت نتاجا موضوعيا للتحولات التي عرفتها البلاد وقتذاك، وكذا الجمود السياسي الذي أصاب الاحزاب الوطنية، ولجنوحها إلى التفاوض السياسي مع الحكم على حساب التصاعد النضالي للحركة الجماهيرية.

إن طموح هذا التوجه داخل منظمة “الى الامام” في إعادة بناء المنظمة، والتمسك بمشروعها الثوري الذي تأسست على قاعدته، سوف لن يخفي عن هذا التصور، البعد النقدي الصارم في الرؤية للتجربة. حيث سجل هذا التقييم انزلاق وانحراف التنظيمات من القواعد التنظيمية والسياسية المفترضة لإنجاز المهام. حيث ظلت هذه المنظمات وفق هذا التقييم أسيرة البرجوازية الصغرى، ولم تستطع تجاوز وضع التأسيس – وهو الوضع الذي كان يقتضي بقوة الواقع الموضوعي الانطلاق من الثقفين الثوريين داخل الشبيبة المدرسية والطلابية – وانتقال الاشتغال في عمق الطبقات الاساسية ذات المصلحة في التغيير (العمال والفلاحين). كما ربط هذا التقييم أزمة منظمة “الى الامام” وبقية تنظيمات اليسار، بالازمة العامة الخانقة التي تعيشها التنظيمات الثورية المغربية (الاختيار الثوري الذي ارتبط بالفقيه البصري).

لقد حدد هذا التقييم أبرز مظاهر الازمة، في عدم قدرة التنظيمات الثورية على الصمود أمام القمع المسلط عليها خلال سنوات 1973-1977، وتعثرها في عملية اعادة بناء قواها الذاتية، وتوحيد نضالها ضد العدو المشترك، وضعف مواكبتها للتطورات التي عرفها الصراع الطبقي في نهاية السبعينات.

ولقد حددت الوثيقة التقييمية لمنظمة “الى الامام” مظاهر أزمة هذه الاخيرة3 في كونها فشلت في انجاز المهام التي طرحتها على نفسها كالتجذر وسط الجماهير الشعبية، وعلى رأسها الطبقة العاملة، وتوحيد الحركة الماركسية-اللينينية في طريق بناء حزب البروليتاريا المغربي، والمساهمة في لف القوى الثورية والتقدمية من أجل توحيد كفاح الجماهير ضد أعدائها الطبقيين، وقد اضافت الوثيقة “أن الشروط أصبحت متوفرة أكثر من أي وقت مضى لإنجاز هذه المهمة” معتبرة أن المدخل المركزي لذلك هو إنجاز تقييم نقدي صريح لتجربة المنظمة منذ التأسيس، وذلك لمعرفة الاسباب الموضوعية والذاتية التي أدت الى الازمة الراهنة، ومن تسليط تلاضواء على الخط الايديولوجي، والسياسي، والتنظيمي للمنظمة. مع ضرورة التخلص من النظرة أحادية الجانب التي تعتبر خط المنظمة سديدا في جوهره، وأن أسباب الاخفاقات تكمن في عدم قدرة أعضاء المنظمة على استيعاب خطها وتطبيقه، وفي نفس الوقت يجب التصدي بكل حزم، لكل نظرة عدمية تنطلق من فشل المنظمة في بناء نفسها كمنظمة ماركسية-لينينية صلبة، وراسخة جماهيريا، لنفي الرصيد الايجابي الايديولوجي والتنظيمي، والسياسي والنضالي للمنظمة.

وسيخلص هذا التقييم، بعد توقفه على الاعطاب والاختلالات السياسية والتنظيمية التي جعلت المنظمة لا ترقى الى مستوى انجاز طموحاتها السياسية، ومهامها في فترة السبعينات، الى إطلاق دينامية إعادة هيكلة التنظيم برؤية جديدة وعلى ضوء التحولات التي مست المجتمع، وهي المهمة المركزية لمنظمة “الى الامام” بعد هذا التقييم الاولي، والتي ستحدد في الشعار : إعادة البناء السياسي والتنظيمي لمنظمة “الى الامام” كمنظمة ماركسية-لينينية صلبة وراسخة جماهيريا، وهي عملية مزدوجة تربط فيما بين البناء التنظيمي، وبلورة الخط السياسي والايديولوجي والتدقيق فيهما، ربطا جدليا، على قاعدة برنامج عمل داخلي، واستيعاب التطورات والتحولات التي عرفها المجتمع المغربي، علاوة على التواجد والعمل داخل الطبقات الاساسية (الطبقة العاملة وصغار الفلاحين، وعموم الكادحين). وهي المهمة التي توجت بعقد الندوة الوطنية بالداخل في شهر فبراير من سنة 1983.

وإذا كانت الندوة الوطنية المشار اليها أعلاه، لم تخرج على مستوى التصور العام السابق للمنظمة، وأكدت على بعض الثوابت الايديولوجية، وجوهر البرنامج السياسي الرامي الى التغيير الثوري ذي الافق الاشتراكي. كما بلورته الارضيات التأسيسية لمنظمة “الى الامام”، فانها مع كل ذلك حققت مكتسبات غاية في الاهمية، كاستبعاد بعض الاطروحات السياسية الاستراتيجية والتاكتيكية (حرب التحرير الشعبية الطويلة الامد – الشبيبة المدرسية كطليعة تاكتيكية – اعادة النظر في كيفية التعاطي مع الاحزاب الوطنية…) والخروج من أسر التكلس الفكري الذي أصاب الفكر الماركسي، وتشجيع إطلاق روح مبادرة الاجتهاد في المجال الايديولوجي وفق خصوصيات المجتمع المغربي وتطوره التاريخي، أما على المستوى التنظيمي، فقد أعادت الندوة الوطنية النظر في التصور التنظيمي وبسطت من تعقد الهيكل التنظيمي السابق وتخلصها من التدرج الهرمي، لترتبط البنى التنظيمية بشكل مباشر بحقول الاشتغال الجماهيري دون وسائط.

إن أهم إنجاز تم تحقيقه من خلال هذه المرحلة من التطور السياسي لمنظمة “الى الامام”، هو إعادة هيكلتها التنظيمية والسياسية في حدها الأدنى، وهيكلة أجهزتها الوطنية والمحلية والقطاعية، كما وضعت اللبنات الاساسية للتجديد النظري والسياسي الذي ستعرفه منظمة “الى الامام” في عقد الثمانينات.

التجديد الفكري والسياسي في خط “الى الامام”

أ – التجديد على المستوى الفكري :

تعتبر الاجتهلدات الفكرية والايديولوجية التي عرفتها منظمة “الى الامام” خلال هذه الفترة من أخصب الفترات في الابداع الفكري الخلاق، لقد استطاع التنظيم أن يتعاطى بشكل خلاق مع الواقع المغربي على مستوى الطرح الايديولوجي، بحيث تبلور خلال هذه المرحلة تصور ايديولوجي تجاوز التحديدات الطبقية الاقتصادوية، وأدمج بعض خصوصيات المجتمع المغربي، عبر تشكيله التاريخي، وتنوعه الثقافي، وتفاةته الجغرافي. أي استطاعت المنظمة أن تقارب المغرب في تعدده وتنوعه الثقافي. ولقد أدخل العامل الثقافي في تحليل المجتمع، وبالخصوص المسألة الاثنوية، ليس بالمفهوم العرقي، وإنما من المنظور الثقافي.

إن كل هذا جعل المنظمة تؤسس لمعرفة وفهم عميقين حول المسألة الامازيغية كبعد من أبعاد الهوية الثقافية المغربية، كما أن إدخال العامل الثقافي بمفهومه العام ساهم في فهم الجذور التاريخية لتشكل الأمة المغربية، وهي المسألة التي لم تتوقف عند تأسيس الدولة الادريسة مع ادريس الاول، على اعتبار أن هذه المرحلة بداية لتشكل الامة المغربية كما هو متداول في التاريخ الرسمي، بل يعود ذلك التشكل الى الفــي (2000) سنة قبل ذلك.

لهذا سوف تتجاوز منظمة “الى الامام” في تصورها النظرة الخاطئة للتاريخ المغربي التي تنطلق من تصور ممركز ويعقوبي للدولة “Vision centraliste et jacobine” ، معتبرة “أن الوحدة الحقيقية للوطن المغربي لا يمكن أن تنبني على نفي الخصوصيات الاثنو/ثقافية، وأن الارتقاء الى وحدة ترغب فيها حقا مختلف مكونات الشعب المغربي لا يمكن أن يتم فقط بواسطة مَركزة الدولة، بل إن هذا الارتقاء يتطلب معالجة ديمقراطية للخصوصيات لاتقتصر على الاعتراف بها كخصوصيات ثقافية لغوية أو اقتصادية/اجتماعية، بل تهيء كل الشروط لتنمية مستقلة ومتحررة من كل أشكال القمع والاضطهاد لهذه الخصوصيات التي تشكل مكونا أساسيا من تراث الشعب، وتعبر عن التنوع الخارق للعادة، والغنى الكبير للتراث التاريخي لشعبنا”4.

لقد وصلت مقاربة الوضع بالمغرب بناء على التحليل السابق، الى تحديد بنيتين اجتماعيتين متفاوتتي التطور فيما بينهما، وكانتا محددتين في التشكل الثقافي/الاثني في المغرب، بنية تقليدانية، ارتبطت بمناطق (بلاد السيبة)، والتي تتطابق مع جزء من “المغرب غير النافع”، وهي المناطق التي استطاعت أن تحافظ على البنيات الاجتماعية القبلية الاساسية التي تشكل الملكية الجماعية لوسائل الانتاج (الماء والارض أساسا) قاعدتا المادية. إن نمط الانتاج هذا سوف يشكل الاساس المادي للثقافة الخاصة لهذه المناطق، كما شكل القاعدة المادية للخصوصيات الاثنو-ثقافية في مناطق “السيبة”. وتوجد الى جانب هذه البنية التقليدانية، بنية اجتماعية متطورة عنها، والمرتبطة بما يمكن تسميته ببلاد “المخزن”، التي ستتعرض الى الانحلال والتلاشي، وهي المناطق الغنية بثرواتها الطبيعية، والتي برزت فيها أوليغارشيا قبلية انتصبت بفضل سيطرتها على تجارة القوافل، واستحواذها على الاراضي الجماعية، ستشهد هذه المناطق بروز الملاكين العقاريين الكبار التي ستشكل القاعدة الطبقية للمخزن5.

وكخلاصة لهذا التحليل، يعتبر هذا التصور : “أن الأسس الموضوعية لنمو وعي طبقي توجد بالمغرب النافع، وأن وعي الجماهير في هذا الجزء من البلاد يتطور أساسا كوعي طبقي، وذلك رغم أن هذا الوعي لم يستطع لحد الآن أن يجد تعبيره السياسي الملائم. وعلى عكس ذلك، هناك عوامل موضوعية في المناطق الأخرى تجعل من الوعي الطبقي رغم كونه غير غائب، ومحجوب في كثير من الاحيان بوعي اثنو-ثقافي يشكل في كثير من الاحيان رد فعل دفاعي لسكان المناطق المهمشة، والخاضعة لسيرورة التصحر والتي تعاني ثقافتها، ولغاتها من احتقار الافكار السائدة. وإذا كانت الاسس المادية للخصوصيات الاثنو-ثقافية قد دمرت الى حد كبير من طرف الرأسمالية التبعية، لكن الذاكرة الجماعية ظلت حية والتشبت باللغة والثقافة الخاصتين يساهم في الحفاظ على التراث التاريخي المجيد حيا في أعماق القلوب… إن البديل لا يتمثل في الاعتراف بثقافات، ولغات هذه المناطق فقط، في نفس الوقت الذي تستمر فيه “اليد الخفية للرأسمالية” في تحطيم ما تبقى من هياكل اجتماعية جماعية، ومن تضامن ومساعدة متبادلين، وفي زرع اليأس وتفكيك مجتمع بأكمله واجتثاته من أرضه وإخضاعه لميكانزمات التهميش.

إن البديل الوحيد يكمن في وحدة كفاح الجماهير الكادحة المضطهدة في هذه المناطق المهمشة من أجل الخصوصيات الاثنو-ثقلفية مع كفاح الطبقات الشعبية الاساسية، ومجموع الجماهير الشعبية في البلاد من أجل تحطيم السيطرة الامبريالية ةالاستغلال الرأسمالي، لكن التظافر الضروري بين هذن النضالين لن يحدث إلا إذا تبنت القوى الثورية الطموح العميق للجماهير الشعبية في المناطق المهمشة إلى حكم ذاتي يمكنها من إزدهار ثقافتها ولغاتها وشخصياتها الخاصة كمكونات قادرة على إخصاب وإغناء التراث المشترك لشعبنا في إطار جمهورية المجالس الشعبية.

إن بنية الطبقات السائدة هي المسؤولة في نفس الوقت على الاستغلال والاضطهاد الطبقيين، وعلى تهميش وتصحر، وتفقير بعض المناطق واجتثات سكانها، وهنا بالذات يكمن الاساس للتداخل بين الصراع الطبقي والنضال من أجل الخصوصيات الاثنو-ثقافية”6.

ب- التجديد على المستوى السياسي :

لقد ترافق التجديد على المستوى الفكري والنظري العام، بتجديد بنية الفكر السياسي لدى منظمة “الى الامام”، تطلبت هذه العملية إعادة النظر في الخط السياسي والبرنامج العام.

ولقد انطلقت هذه العملية من رؤية نقدية صارمة حول التجارب الماركسية في العالم، بغية تجاوز الدوغمائية والتحجر التي عرفتها الماركسية مع التجربة السوفياتية، والعديد من الاحزاب الشيوعية في العالم، حيث افتقدت منظومة الفكر الماركسي خلال هذه المرحلة الكثير من الحيوية والدينامية، لتصبح فكرا جامدا غير قادر على اطلاق المبادرات الخلاقة في الفكر والابداع.

لذلك اتجه تفكير المنظمة الى الاستفادة من الاجتهادات النظرية في مجال الماركسية، وبالتالي سيتم التعامل مع الماركسية كمتودولوجيا للدينامية الاجتماعية ومن مفهوم البراكسيس وما يعنيه من تطور الفكر والنظرية من العمل الملموس دون الارتهان في سجن النظرية بشكل معزول. لذا سوف تعتمد المنظمة في الممارسة السياسية على التفاعل مع القوى الفاعلة والحية داخل المجتمع، ومن ثمة عمدت الى تطوير بنية فكرها السياسي، بارتباط مع تطور نضالها الثوري، بعيدا عن جمود الفكر الماركسي، والنمادج السياسية الجامدة، وكان من نتائج ذلك عدم السقوط في استنساخ التجارب الجامدة. حيث تم تجاوز نظرية الفوكو التي كانت سائدة في تجارب العالم الثالث، خاصة في امريكا اللاتينية، وهي النظرية التي تعتمد العمل الثوري المسلح الذي تقوده النخبة بشكل معزول عن الجماهير، وعلى العكس من ذلك اتجهت المنظمة الى العمل الثوري السري مع الكادحين، وفي اتجاه تنظيم الجماهير، وإشراكها في عملية التغيير الثوري،والذي قد يصل الى ممارسة العمل المسلح في الفترات المتقدمة من الصراع الاجتماعي والسياسي الذي سيعرفه المجتمع.

وبناء على ذلك أصبحت الرؤية السياسية للمنظمة حول التغيير، عملية شاملة، يؤسس لها في المجتمع القائم مختلف الفئات والطبقات ذات المصلحة الحقيقية في التغيير الثوري، بواسطة تنظيمات الدفاع الذاتي المستقلة، في أفق المجتمع الديمقراطي كمرحلة ضرورية لبناء المجتمع الاشتراكي المنشود، بحيث سيحتل الحزب من خلال هذا الطرح والفهم دورا جزئيا ومكملا لدور تنظيمات الدفاع الذاتي الجماهيري في عملية التغيير.

لقد استلهمت المنظمة جوهر تصورها هذا، من واقع التحولات البنيوية والسياسية التي عرفها المجتمع المغربي في نهاية عقد السبعينات وبداية التمانينات، وهي الفترة التي تمكنت فيها المؤسسات المالية الدولية من إخكام سيطرتها على المغرب بواسطة سياسة التقويم الهيكلي (1983)، وغيرها من الاجراءات السياسية الديمقراطية تتوارى خلف المشهد السياسي، وتقزم وجودها في حدود المؤسسات التمثيلية بشكلها المشوه. وسوف غياب المؤسسات الحزبية حضور قوي للشارع المغربي كقوة فاعلة ومؤثرة في المسارات التي كان يجتازها المغرب، وهو الحظور الذي اتخد شكل انتفاضات جماهيرية عارمة وعفوية، والتي أعطت مؤشرات قوية داخل المنظمة، وللمزيد من التدقيق في الخط السياسي، وكذلك التفاعل الايجابي مع المتغيرات التي يعرفها المجتمع آنذاك. في هذا السياق بدأ التفكير في كيفية استثمار هذه المقاومة الشعبية، وإدراجها كمعطى من المعطيات الضرورية التي يجب أن تجد مكانتها في أفق التفكير السياسي الاستراتيجي للتغيير الثوري، والذي وجد ترجمته العملية والاجائية في التدابير التنظيمية، للعمل في الاحياء الشعبية وتنظيم الامكانات المتوفرة داخلها في إطار المفهوم العام لتنظيمات الدفاع الذاتي. وكشكل من أشكال التنظيم الجماهيري المستقل، ولقد برزت ملامح هذا العمل في الانتفاضة الجماهيرية العارمة التي عرفها المغرب في مراكش والشمال في يناير 1984.

كما عكس التطور السياسي الذي تراكم داخل المنظمة، البرنامج الذي افترحته هذه الاخيرة على القوى الثورية المغربية في شهر يناير 1991، وهو البرنامج الذي عكس نضج أفكار التنظيم حول الديمقراطية، وبالتحديد دمج مفهوم الديمقراطية المباشرة ودور المجالس الشعبية المبني على أسس ماركسية، مع المفهوم الآخر للديمقراطية المرتكزة على أسس احترام حقوق الانسان والتعددية الحزبية، وأيضا احترام الخصوصيات الاقليمية عن طريق اللامركزية ونوع من التسيير الذاتي للمناطق التي تتوفر على هذه الخصوصيات، وع احترام اللغة والثقافة الأمازيغيتين داخل هذا المشروع، أما الجانب الاقتصادي فقد حاول البرنامج أن يقيم جدلية بين التخطيط غير البيرقراطي الذي يسمى يالتخطيط التوجيهي الذي تتم بلورته بشكل ديمقراطي بإشراك جميع العناصر الفاعلة المرتبطة بالقطاع الاقتصادي من جهة، وبين السوق من جهة ثانية، ويرسم التخطيط التوجيهي استراتيجية التطور الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، التي تتبلور هي أيضا بطريقة ديمقراطية بين جميع ممثلي الشعب والقوى الاقتصادية، سواء الشغالين، أو أرباب العمل، أكانوا في القطاع العم أو القطاع الخاص، إن هذه الاستراتيجية، أي التخطيط التوجيهي هو بمثابة خطوط عريضة لتطور نشاط جميع الشركات، في المدن كما في البوادي، وكذلك بالنسبة لاستثمارات الدولة. إن هذا المفهوم يأخد بعين الاعتبار فشل التخطيط البيروقراطي الذي كان سائدا في أروبا الشرقية وفي نفس الوقت يأخد بعين الاعتبارات طبيعة حدود السوق الحرة المتوحشة، الذي لا يمكنه أن يساعد على تطوير بلدان العالم الثالث كما هو حال بلادنا.

ولقد ركزت المنظمة في برنامجها الآنف الذكر على مسألة التأميم، مع منح تعويض أو بدون تعويض المجموعات الاساسية. إن التأميم كما طرحته منظمة “الى الامام” سيساعد الدولة، ليكون لها موقع أساسي في النشاط والتطور الاقتصادي، وذلك بشكل واقعي، وانطلاقا من نفس الروح الواقعية يطرح البرنامج العديد من المقترحات، تدور حول المواقف الوطنية والدولية، والتي تأخذ بعين الاعتبار المحيط الدولي، كإيجاد حل لقضية سبتة ومليلية، والعلاقات المستقبلية بين المغرب والمغرب العربي7 من جهة، وأروبا من جهة أخرى.

كما تمكنت المنظمة من خلال هذه الفترة، من تقجيم مجموعة من الاضاءات والتدقيقات حول العلاقة بين النضال الاستراتيجي والتاكتيكي والتمفصل القائم بينهما، وكيف توصل التنظيم الى تحديد المافيا المخزنية التي تبلورت كقوة سياسية ومالية خارج مسلسل الانتاج، وأصبحت بارزة منذ سنة 1984، حيث اصبحت لوزارة الداخلية أهمية خاصة في الحياة السياسية والاقتصادية، عن طريق النهب والتهريب بمختلف أشكاله والاستفادة من الصفقات التجارية والاقتصادية من موقع السلطة من طرف كبار المسؤولين في العمالات والبوليس والدرك. ومن هؤلاء تتكون المافيا المخزنية التي اصبحت على مسافة من الطبقات السائدة. فبناء على هذا التناقض، وكذا التناقضات التي تطورت داخل جهاز الدرك نفسه والجيش، وصلت المنظمة الى خلاصة أساسية حددت على أساسها مهمة اعتبرتها مركزية في شروط تلك المحطة وهي عزل المافيا المخزنية برموزها في أعلى هرم السلطة السياسية بالبلاد، وهي مهمة قد تستقطب فئات متضررة من واقع ابتزاز المافيا المخزنية ومن داخل الطبقات السائدة. ولإنجاز ما أسمته المنظمة بالاختراق الديمقراطي حددت منظمة “الى الامام” هذه المهمة، دون أن تغفل برنامجها الديمقراطي الذي يساير المتطلبات اليومية لعموم الشعب المغربي، والمطالب الآنية8، معتبرة أن هناك تمفصلا بين هذا البرنامج، وبين مشروع تأسيس
جبهة الثوريين المغاربة وغير متناقضين، لأن هذا الأخير (أي البرنامج الثوري) سيتيح إمكانية توضيح الآفاق التي بدونها سيبقى البرنامج الآني مهددا بالانزلاق في مطلب الاصلاحية، والتي لا يمكنها تكسير بنيات التبعية، والاضطهاد والتقدم نحو الديمقراطية الحقيقية. لذا سيفتح البرنامج الثوري أفق إنجاز المهام، وتحقيق الأهداف في مداها الأقصى، وبالتالي فإذا كان المشروع الثاني سيتيح اختراقا ديمقراطيا، فانه بالضرورة سيصطدم بدينامية الى الوراء لبنية الطبقات السائدة التي تعيق أي تطور نحو الديمقراطية. وهذه الدينامية النضالية، ستفتح هي الاخرى دينامية متجددة ستشق الطريق الثوري الى نهايته، والذي سيؤدي الى تحقيق البرامج الكفيل حقا بالاجابة بشكل ناجع على الاشكالات الملموسة للمجتمع المغربي، والاستجابة للطموحات التحررية والديمقراطية لشعبنا.

الخلاصة

لقد انطلقت عملية إعادة البناء السياسي والتنظيمي لمنظمة “الى الامام” في ظروف ذاتية وموضوعية استثنائية ومغايرة كلية لسنوات التأسيس، التي عرفت فورة تنظيمية وسياسية، لما أضافته هذه الحركة من تجديد في المشهد السياسي المغربي في تلك الفترة، ولراديكالية عموم تنظيمات اليسار، وكتحد تاريخي للسلطة السياسية القائمة. غير أن استمرارية منظمة “الى الامام” في لإطار عملية إعادة البناء السياسي والتنظيمي، قد تمت في ظروف سياسية بالغة التعقيد، بحيث بوشرت هذه العملية في ظروف قمع شامل قوض البنى التنظيمية للمنظمة، واعتقال شبه كلي لأطرها، وفي ظروف انحسار المد الثوري في العالم، وأزمة الفكر الماركسي، الشيء الذي جعل من تلك المهمة المركزية تأخد طابع البناء الداخلي بعيدا عن حركية الفعل السياسي في معمعان النضال الجماهيري، مما قلص من قوة إشعاعها السياسي كما كانت عليه في السنوات الاولى لهذه الحركة. وعلى الرغم من كل هذه الاكراهات، فلقد مكنت عملية إعادة البناء السياسي والتنظيمي لمنظمة “الى الامام” ضمان استمرارية التنظيم بقوة تفكير الثوري كأفق، مع إطلاق دينامية للتجديد الفكري والسياسي، وإعادة فهم المغرب، في خصوصية تشكله التاريخي والحضاري، والثقافي، وأعطت فهما جديدا للديمقراطية بأبعادها الشاملة التي تعيد للانسان المغربي الاعتبار، وتمنحه السيادة في تقرير شأنه اليومي، ومصيره السياسي.**إن هذه الاجتهادات التي تبلورت، عبر تفكير عميق داخل منظمة “الى الامام” والتي لامست العديد من القضايا المتعلقة بالهوية المغربية، وتاريخ الأمة والعلائق الناظمة للمجتمع، وغيرها من الإشكاليات، والتي شكلت أسس تفكير جديد، لم تلق للأسف من ورتة الثرات الفكري والسياسي لمنظمة “الى الامام” المزيد من التدقيق والتطوير والاضافة.

——————————————————————————–

هوامش :
1- لقد انشطرت منظمة “23 مارس” على اثر الاعتقالات، الى فصائل وتنظيمات مختلفة، ك “23 مارس الخارج”، التي ستتحول فيما بعد الى “منظمة العمل الديموقراطي الشعبي”، و”رابطـــة الثوريين المغاربة”، و”23 مارس الداخل” التي حافضت على الخط القديم.
2- لقد وردت الخلاصات الجوهرية لهذا التقييم في بيان صدر عن بعض المناضلين وأطر قيادية للمنظمة في سنة 1980، وهو البيان الموجه الى الشباب المغربي.
3- وثيقة داخلية : “البرنامج الوطني : وضعية المنظمة والمتطلبات العاجلة لإعادة البناء”. اللجنة الوطنية 23 سبتمبر 1979.
4-الخصوصية الاثنو-ثقافية في المغرب : الاسس التاريخية. النهج الديمقراطي ع60 – 20 فبراير 2001
5-نفس المصدر
6- نفس المصدر
7- كان حريا بالمنظمة وتماشيا مع ما سبق حول “الاثنو-ثقافة” عوض “المغرب العربي” أن تقول “المغرب العربي-الامازيغي”
8- أنظر : ” وثيقة العمل الديمقراطي الجماهيري” العدد الاول من مجلة “الى الامام” الصادرة في فرنسا- أبريل 1992.

** ملاحظة الناشر : كل ما ينشر بالجريدة لايعكس بالضرورة خطها التحريري ونشر مقالات تاريخية لا تعكس توجهها بقدر ما هي الا محاولة لارشفة ما تم نشره من وثائق تعكس مراحل معينة قصد الاطلاع عليها وتركها في متناول القارئ والاجيال اللاحقة وكل من يتوفر على وثائق فليرسلها الى هيئة التحرير لنشرها حتى تعم الفائدة لفهم سياقيات وطبيعة كل مرحلة على حدة في تاريخ المغرب النضالي وارتباطاته وابراز الخطوط التحريفية في تجربة منظمة الى الامام الثورية قصد الرد عليها والرد على كل من يحاول خلط الاوراق وتغليط الراي العام …
**هيئة تحرير جريدة صوت الشعب **

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات