الإثنين , 26 يونيو 2017
عبد السلام أديب : إشكالية نمط التفكير البروليتاري

عبد السلام أديب : إشكالية نمط التفكير البروليتاري

téléchargement

الارتباط العضوي بين نمط التفكير والوعي الطبقي البروليتاري:

على مستوى الصياغة الابستمولوجية يكفي أن نشير الى أن هناك ارتباط عضوي بين مقولة “نمط التفكير البروليتاري” من جهة ومقولة “الوعي الطبقي البروليتاري” من جهة أخرى. فالمقولتان تهمان معا البروليتاريا، كما أنهما معا تهمان طبيعة التفكير لدى البروليتاريا. ومن أجل تدقيق أكبر فإن المقولتان خاصتان بالطبقة العاملة التي نطلق عليها تسمية البروليتاريا والتي لا توجد سوى في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي وحيث يختلفان تماما عن مفهوم الايديولوجية. فالطبقة العاملة هي قبل كل شيء علاقة اجتماعية معينة لم توجد الا في ظل نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي معين هو النظام الرأسمالي. وقد حتمت هذه العلاقة العضوية ان تبيع الطبقة العاملة قوة عملها مرغمة لضمان عيشها اليومي الى الطبقة البرجوازية التي تملك وسائل الإنتاج مقابل اجر معين تحدده لا يزيد عن الحد الأدنى لضمان العيش والاستمرار في الحياة، بينما تستحوذ هذه البرجوازية على نتائج قوة عمل العامل والمتمثل في البضاعة، التي يبيعها في السوق بقيم تتجاوز قيم انتاجها لتحقق للبرجوازي مع مرور الزمن تراكم في أرباحا رأسمالية هائلة، بينما يستمر وضع العمال في نفس الوضع البئيس الذي يحصلون فيه على العمل لأول مرة، لأن أجورهم لا تكفيهم سوى للمحافظة على بقائهم وتجديد قوة عملهم للاستمرار في العمل لفائدة البرجوازي.

وقد ادخل نمط الإنتاج الرأسمالي الى المغرب مع بداية التغلغل الاستعماري في بلادنا خاصة من طرف الشركات الفرنسية التي حلت بالمغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر للاستثمار خاصة في المناجم وفي الموانئ وفتح فروع ابناك لها، وبعد ابرام معاهدة الحماية وزحف المعمرين الأجانب على الأراضي الخصبة وحلول استثمارات رأسمالية بالمدن في مقدمتها الدار البيضاء انتشر نمط الإنتاج الرأسمالي في الصناعات الناشئة في المدن وأيضا في الإنتاج الزراعي في ضيعات المعمرين بالبوادي، حيث اطلاق استغلال مكتف للايدي العاملة المغربية وللفلاحين الفقراء بأبخس الأجورطيلة عهد الحماية. وبعد التوقيع على اتفاقية ايكس ليبان ودخول مرحلة الاستقلال الشكلي حيز التنفيذ بدأ الرأسماليون المغاربة يحلون محل البرجوازية الفرنسية في مواقع الإنتاج الصناعي بالمعامل بالمدن وبالضيعات الفلاحية بالبوادي وحيث تكرس تشديد الاستغلال الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء بشكل أكثر بشاعة مما كان سائدا خلال الحماية.

وسواء في عهد الحماية أو في عهد الاستقلال الشكلي ظل التناحر الطبقي القوي بين مالكي وسائل الإنتاج وأدواتهم السياسية متمثلة في الدولة والأحزاب سياسية ونقابات الإصلاحية من جهة وطليعة الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء ذوي الوعي الطبقي المتقدم. وحيث كان التطاحن شرسا أيضا على المستوى الفكري بين أيديولوجية التحالف الطبقي المسيطر ونمط التفكير البروليتاري والوعي الطبقي المقاوم الذي يؤطره. وبطبيعة الحال فإن الأيديولوجية المهيمنة هي أيديولوجية التحالف الطبقي البرجوازي الحاكم مساندة بقوة بواسطة استغلال الدين للمحافظة على الوضع الطبقي القائم.

إذن فالحديث عن نمط التفكير البروليتاري والوعي الطبقي البروليتاري هما فكرتان خاصتان بنفس الطبقة ولا شك أنهما معا تشكلتا في ظل الواقع البئيس للبروليتاريا ومعاناتها في مواجهة الاستغلال والاضطهاد البرجوازي. وقد أشار لينين إلى تشكل نمط التفكير البروليتاري انطلاقا من هذه العلاقة القائمة على الاستغلال والاضطهاد في مقاله: “بمناسبة شروط قبول أعضاء جدد في الحزب” عندما شرح بأن العمال “… انطلاقا من شروط حياتهم …” يستلهمون “العقلية البروليتارية. لكن، ذلك لا يصبح ممكنا الا من خلال العمل لعدة سنوات في المعمل، دون سبب آخر سوى تلك المفروضة لضمان شروط الوجود الاقتصادي والاجتماعي”.(لينين، الأعمال، المجلد 33، باريس موسكو، 1975، ص: 260). ولا أعتقد أن أي بروليتاري الأكثر تخلفا واغترابا لا يشعر بالتناقض الكامن في علاقة الإنتاج القائمة بينه وبين البرجوازي، فعلاقة الإنتاج القائمة بين البروليتاري والبرجوازي تقوم على التناقض الصارخ، والطرفان المتناقضان معا في حاجة الى بعضهما البعض في اطار ما يمكن تسميته بوحدة وصراع الضدين، فالعامل في حاجة الى البرجوازي لكي يشغله لكي يحصل على اجر يمكنه من العيش والاستمرار في الحياة، والبرجوازي أيضا في حاجة ضرورية لتشغيل العديد من العمال لينتجوا له بضائع تفوق قيمتها الأجر المدفوع لهم والتي يحقق من وراء بيعها أرباحا تحقق تراكم رؤوس الأموال. ثم إن أي توقف للبرجوازي عن استثمار هذه العلاقة الضرورية المختلة فيعني ذلك فقدانه لتراكم رأس المال أي فقدانه “للثروة”. فالثروة في النظام الرأسمالي مرتبطة باستغلال الطبقة العاملة ولا يمكنها أن تتشكل بدون هذا الاستغلال، كما أن رؤوس الأموال لا تتكون الا بواسطة استغلال الطبقة العاملة، وأيضا بواسطة قانون الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج المفروض من طرف التحالف الطبقي الحاكم.

ربما قد يصعب على العامل المنفرد استيعاب شكل ومضمون التناقض الكامن في العلاقة بينه وبين البرجوازي الذي يشغله، لكن الامر يختلف بالنسبة لجموع العمال الذين يشتغلون جنبا الى جنب في نفس المعمل ولدى نفس البرجوازي، فمع مرور الزمن يتكون لديهم جميعا بمستويات قد تزيد أو تنقص وعيا بدائيا بطبيعة التناقض القائم بينهم وبين هذا البرجوازي الذي يستغلهم، وهو ما يجعلهم في نهاية المطاف أكثر اتحادا والتحاما لحماية انفسهم من اضطهاد البرجوازي، ويبرز هذا الاتحاد خاصة عندما تمارس على بعضهم تعسفات مجانية من قبل إدارة المعمل وقد عشنا كمناضلين نقابيين في منطقة الرباط حالات مقاومة شرسة للعمال للباطرونا تشكلت من داخل المعامل قبل ان يحدث تدخل من طرف النقابات لتأطير نضالات العمال ومواكبة مفاوضاتها مع الباطرونا (مثال عمال الشركة الصينية سينو هدروا المختصة في بناء الطرق السيارة – عمال مناجم جبل عوام بمنطقة مريرت). فالفكرة الأساسية هنا هي أن نمط التفكير البروليتاري والوعي الطبقي البروليتاري يقومان على أساس مادي واقعي ينطلق من موقع الطبقة العاملة عمليا وليس نظريا في مسلسل الإنتاج ومن معاناتها المحسوسة، ولا يمكن لهذا المستوى الأساسي من الوعي الطبقي الذي يشكل نمط التفكير البروليتاري أن يلمسه المثقفون والبرجوازيون الصغار، ان لم يسبق لهم ان عايشوه في الواقع.

لقد تتبعنا مؤخرا ما بين فاتح مايو وإلى غاية 20 مايو 2016، الاعتصام البطولي للعمال المنجميين بمناجم جبل عوام قرب مدينة مريرت داخل بئرين تحت عمق 650 متر تحت الأرض، وكيف أنهم قاوموا الجوع والبرد والظلمة وصعوبة التنفس لمدة 20 يوما وذلك من أجل ارغام الباطرونا مالكة المنجم على تطبيق قانون الشغل والقانون المنجمي وارجاع المطرودين وترسيم المؤقتين الذين قضوا ازيد من 20 سنة من العمل في تلك المناجم. ان معركة المنجميين هذه سبقتها العديد من المعارك في الزمن، وقد شكل هذا الواقع الجماعي للعمال ومعاركهم ونجاح بعضها وفشل أخرى، مصدرا لنمط تفكير بروليتاري معين وأيضا مصدرا لسيرورة طويلة من الوعي الطبقي البدائي. وقد لاحظنا كيف ارغم نضال هؤلاء العمال الباطرونا والمركزيتين النقابيتين على إيجاد حلول سريعة لمطالب العمال، وبعد مرور عشرين يوما على الاتفاق تأكد للعمال مرة أخرى مناورة الباطرونا للتحلل من اتفاقها السابق. إن الدرس البليغ الذي يرفع مستوى الوعي الطبقي وسط عمال المناجم ووسط الطبقة العاملة من هذه التجربة النضالية أن وضع العمال سيخضع دائما في ظل النظام الرأسمالي الى الاستغلال البشع وانه على الرغم من النضالات المريرة التي يخوضها العمال فإن معاناتها لن تنتهي الا بانتهاء النظام الرأسمالي.

الخلاصة الأساسية الأولى هنا بالنسبة لموضوعنا هي أن نمط التفكير البروليتاري والوعي الطبقي البروليتاري البدائي، يتكونان بشكل موضوعي في ظل الصراع الطبقي والتناقض الموضوعي الذي يجمع البروليتاريا بالباطرونا البرجوازية التي تستغل عملهم. كما ان نمط التفكير البروليتاري والوعي الطبقي البروليتاري مرتبطان ارتباطا عضويا لكونهما يهمان نفس الطبقة. وتجدر الإشارة هنا الى أن نمط التفكير والوعي ان كانا يهمان مستوى الفكر، فإن لهما تأثير عضوي على الإحساس والوجدان البروليتاري، فالطريقة التي نفكر بها هي التي تملي علينا احساساتنا، كما ان تطابق التفكير والأحاسيس يؤثر بشكل عضوي أيضا في الفعل الذي نقوم به. فانتقاداتنا كطبقة بروليتارية للباطرونا التي تستغلنا وتضطهدنا، يولد إحساس بالنفور والكراهية نحوها رغم اخفائنا لهذه الكراهية نظرا لحاجتنا للعمل معها لأننا في حاجة للأجر للحفاظ على بقائنا. لكن هذه الانتقادات وهذا الإحساس بالنفور وبالكراهية نحو الباطرونا يحفزنا أيضا كلما توفرت لنا شروط ذلك على التنظيم النقابي والتكتل مع العمال الآخرين وبالتالي القيام بمعارك نقابية للحفاظ على حقوقنا وكرامتنا. لكن تجارب البروليتاريا المغربية تؤكد بالملموس أنها عندما تتعرض للعديد من الخيانات النقابية التي تبيع قضاياها للباطرونا وتحاول تغليطها لكي تواصل الخضوع للاستغلال الطبقي، فإن هذه الأخيرة تقاطع المركزيات النقابية، لذلك نلاحظ أن نسبة العمال المنقبين بالمغرب لا يتجاوز في كافة المركزيات النقابية نسبة 7 في المائة.

الخلاصة الثانية هنا هي أن نمط التفكير البروليتاري والوعي الطبقي “البدائيان” يتبلوران لدى البروليتاريا من خلال التفكير والاحساس والعمل ولا يمكن للطبقات الأخرى أن تستوعب مثل هذا التفكير والاحساس والعمل الا نظريا وبصعوبة، لذلك من المستحيل ان نقول بأن هذه الأشياء يتم نقلها الى البروليتاريا من خارجها. وفي ظل نمط التفكير والوعي البروليتاريين تتولد الأخلاق البروليتارية المطابقة، وهي أخلاق أصيلة تختلف جذريا عن أخلاق البرجوازية والبرجوازية الصغرى، بل تتفوق عليها من كافة الجوانب. وتتكون هذه الاخلاق عبر الحياة المعاشة وسط البروليتاريا في ظل شروط الإنتاج القاسية، وهي أيضا أخلاق يصعب كثيرا ان نجدها لدى البرجوازية والبرجوازية الصغرى الا اعتباطا ولذلك لا يمكننا هنا أيضا الحديث عن نقل هذه الاخلاق الى البروليتاريا من خارجها.

ثانيا: المادية التاريخية وسيرورة نمط التفكير:

الفرق الأساسي بين المثالية الميتافيزيقية التي تشكل نمط التفكير البرجوازي والبرجوازي الصغير والمادية الديالكتيكية والمادية التاريخية التي يستند عليها نمط التفكير البروليتاري هي أن الأولى تنطلق من الاعتقاد بأن الفكر هو الذي يخلق الواقع وهي الفكرة التي قامت عليها الفلسفة المثالية الميتافيزيقية منذ عهد ارسطو والى غاية هيغل، أما الثانية فترى أن الواقع هو الذي يخلق الفكر وأن الفكر ما هو الا انعكاس للمحيط الخارجي للإنسان. وقد أكد كارل ماركس ورفيقه فردريك انجلز على أولوية الواقع على الفكر من خلال دراستهما لتطور المجتمعات الإنسانية وللتاريخ الإنساني والذي اعتبراه سلسلة لا تنقطع من الصراع الطبقي.

ويعبر الوعي الإنساني عامة عن نفسه من خلال الأحاسيس والأفكار وتمظهر الإرادة عمليا. فهو يعكس الحقيقة الموضوعية في الدماغ ويشكل نقطة انطلاق الأفكار الموجهة لكل عمل انساني. فكل ما يقوم به الانسان عمليا يجب قبل كل شيء أن يمر من رأسه. فبواسطة الوعي يتميز الانسان أساسا عن كافة الكائنات الحية في الطبيعة.

وقد فسر كارل ماركس هذه العملية في كتابه رأس المال كما يلي:

“غير أن ما يميز أسوأ معماري عن أبرع نحلة، هو أنه يشيد البنيان في خياله قبل أن يبنيه من الشمع. ففي ختام كل عملية عمل، نحصل على نتيجة كانت موجودة، سلفا، في مخيلة العامل عند بدء العملية، أي مثاليا”. (ماركس، رأس المال، المجلد الأول، ترجمة د. فالح عبد الجبار، دار الفرابي، بيروت 2013، الصفحة 234)

فكيف يتبلور اذن نمط التفكير الإنساني ويتطور؟ وهل يطور الانسان تفكيره بنفسه وانطلاقا من الشروط المادية المحيطة به أم أن هذا التفكير ينقل اليه من خارجه؟ إن هذه الأسئلة البسيطة في الشكل، ولكنها العميقة في الجوهر، سبق لماركس وانجلز ان قدم لها أجوبة في العديد من كتاباتهما، ومن أهم المصادر التي تقدم لنا عناصر الجواب على هذه الأسئلة بشكل واضح كتاب فريدريك انجلز حول ديالكتيك الطبيعة، خاصة الفصل الخاص بدور العمل في تحول القرد الى انسان. فبدون العمل الفردي اليدوي لم يكن ذكاء الانسان أن يتطور وان يتخطى المرحلة الحيوانية. فحاجة الانسان لإنتاج وإعادة إنتاج شروط الحياة للمحافظة على بقائه دفعه الى تطوير ملكاته الفزيولوجية خلال ملايين السنين مخترعا أدواته البدائية وكلامه وعلاقاته العضوية مع محيطه الطبيعي.

ودون أن نوغل في التفاصيل، سأقتصر هنا على الإشارة الى بضعة حقب مادية تاريخية كأمثلة قطعتها الإنسانية تبلورت خلالها أنماط تفكير اجتماعية مطابقة اختلفت باختلاف الواقع المادي للإنسان في الزمان والمكان.

1 – نمط التفكير في المجتمع البدائي:

واقع المجتمع البدائي الذي لم يكن يعرف نمط الإنتاج السوقي ولا التبادل، لم يكن الانسان يميز بين تطوره الخاص وتطور القوى الطبيعية من حوله. وفي غياب تقسيم العمل كان الانسان يلجأ من أجل اشباع حاجياته من الطبيعة بشكل مباشر، فالإنسان هنا لم يكن يتصور شيئا آخر سوى أنه يشكل جزءا مندمجا في المحيط الطبيعي. وفي ظل هذا الوضع أيضا نشأت تبعية الإنسان فكريا اتجاه جماعته واتجاه الطبيعة.

فمنذ البدء، ظل وجود الانسان مرتبطا بالحياة الاجتماعية. ففي المجتمع البدائي، لا يمكن للأشخاص الدفاع عن أنفسهم الا جماعة ضد قوى طبيعية. كما أن البحث عن الوسائل الضرورية للحياة كان يتم أيضا بشكل جماعي بين الناس، ووسط الأسر الكبرى، أو داخل القبيلة. وهذا بالضبط ما طور تلك التبعية اتجاه الطبيعة واتجاه الجماعة. فالوعي ولد من الوجود الاجتماعي للأشخاص، والحاجة إلى التواصل فيما بينهم. وقد استخلص كارل ماركس وفردريك انجلز في “الايديولوجية الألمانية”: أن ” الوعي، منذ البداية، نتاج اجتماعي، وهو يبقى كذلك ما بقي البشر”. (ماركس وانجلز، الايديولوجية الألمانية، باريس 1970، ص: 39).

كانت حياة الأشخاص في المجتمع البدائي تقوم أساسا على وحدة صراع فردية وجماعية من اجل المحافظة على البقاء. حيث بدأ الأشخاص يتملكون ما هو أساسي مما تمنحه الطبيعة من ذاتها للمحافظة على بقائهم. هذا النمط من الحياة يكيف بحد ذاته نمط تفكير الأشخاص. فالفكر، والإحساس، والعمل، والنظرية والتطبيق، والكائن والوعي، كانت تشكل كلها عناصر تدخل في علاقة مباشرة متفاعلة فيما بينها. وفي ظل هذا المجتمع البدائي لم يكن الأشخاص يعرفون بعد أنظمة تفكير والأديان أو الأيديولوجيات المجردة، منفصلة عن ما هو عملي ومتجانسة. لكن كان نمط التفكير يركز فقط على الهدف المباشر، أي النمط الجاهل تماما بميكانيزمات الطبيعية.

وفي هذا الاطار فإن ظهور اللغة وتطورها أعتبر كأول شكل من أشكال التعبير العملي للوعي الانساني. وقد رأى ماركس وانجلز في اللغة “الوعي الفعلي العملي، الموجود أيضا من أجل البشر الآخرين، وبالتالي موجود كذلك بصورة عملية من أجلي فقط …” (ماركس وانجلز، الايديولوجية الألمانية، باريس 1970، ص: 39).

شكل ظهور الكلام في مرحلة إنسانية مبكرة كرابطة سحرية بين الانسان ومحيطه. فالكلام أصبح يشكل تعبيرا ملموسا ومباشرا يحقق في نفس الوقت أهدافه النفعية وبواسطته يتم تفادي العديد من المخاطر والمحظورات الكامنة في الطبيعة تمنع من الاقتراب منها كما تساعد في تمييز مناطق الصيد وأماكن القطف بأسماء خاصة بها. من هنا بلور الانسان ذهنيا شبكة من العلاقات الوثيقة جدا مع العالم الذي يحيط به. هذه الملكات الأولى تبلورت في نمط التفكير الانساني من خلال احتكاكه بالمحيط الطبيعي، ولم تنقل له أبدا لشكل جاهز من طرف قوى خارجية.

فإذن تطور الوعي الإنساني يعكس عمليا سيرورة تطور طويلة للتاريخ الطبيعي، سيرورة التفاعل بين الانسان والطبيعة. انها خاصية الأكل، والشرب، والسكن واللباس التي تشكل جزءا من الحياة. وأصبح الإنسان ينتزع من الطبيعة حاجياته المتزايدة بوثيرة أكثر فأكثر عمقا وكلية، كما أخذ يستغل قوانين الطبيعة التي تنكشف امامه بشكل أكثر فأكثر فاعلية من أجل اشباع هذه الحاجيات المتزايدة. فالوعي الإنساني ظل يعكس في عمقه عمليا الوحدة الديالكتيكية بين الانسان والطبيعة، ويعمل على تعزيزها واتقانها.

وقد كتب لينين في “علم المنطق” لدى هيغل”، ما يلي:

“… لا يعكس الوعي الإنساني العالم الموضوعي فقط وانما يخلقه أيضا … بمعنى، أن العالم لا يشبع الانسان لذلك قرر الانسان ان يغير العالم عن طريق افعاله” (لينين، الأعمال، المجلد 38 باريس موسكو 1976 ص: 201 و202).

لكن على الرغم من الانسجام التدريجي للإنسان مع محيطه الطبيعي ومع جماعته مما يوجه نمط تفكيره نحو بلورة وحدة أساسية بين الحياة الاجتماعية والحركة الطبيعية، وحدة أساسية بين الكائن الاجتماعي والتفكير، وحدة أساسية بين النشاط الملموس والكلام … الخ، الا ان الضعف الشديد في قوى الإنتاج والنقص الحاد في الغذاء إضافة الى الكوارث الطبيعية الدورية مثل الجفاف والاعاصير والمجاعات والامراض الفتاكة … الخ كلها عوامل جعلت الجماعة البدائية تحت رحمة الطبيعة وارادتها الحاسمة.

وأمام قوة الطبيعة والرعب الذي تبعته عناصرها في نفوس الجماعة البدائية، بدأت تنشأ نوع من الصنمية البدائية اتجاه تلك العناصر الطبيعة كالشتاء والحرارة والرياح والنجوم … الخ، ودون أن يرتقي ذلك بعد الى مستوى انتاج الدين والالوهية، بل ظل ينظر اليها كقوى مستقلة نشيطة ورهيبة تبعث في نفسه مزيجا من الخوف حد الرعب والاحترام أو التوافق معها.

2 – مرحلة التدين:

تؤكد الكتابات الأنثروبولوجية والمادية التاريخية أن مرحلة التدين انطلقت مع اكتشاف الزراعة وتمكن الجماعات الإنسانية البدائية من الاستقرار في مناطق زراعية معينة نتيجة لذلك. ففي اللحظة التي بدأ فيها الانسان يباشر أعمالا زراعية على الأرض، بدأت عملية انتقال واضحة من أعمال السحر والشعوذة البدائية نحو اعتناق مراسيم دينية مبتكرة.

فالصياد يلجأ الى الشعوذة لتحويل صدف الصيد لصالحه، والفلاح بدأ يصنع له تصورات أسطورية حول توالي الفصول والانبات والانضاج والموت، في الطبيعة وفي الجماعة. وبدأ البحث عن الروابط المنطقية بين عناصر الطبيعة المتعددة كالشمس والقمر والمرأة والماء … والتي تحمل في طياتها أيضا الموت والولادة.

وظلت هذه الصنمية البدائية تؤكد المحاولات الأولى للإنسان لتفسير العالم والظواهر الطبيعية. ففي نفس الوقت الذي استسلم فيها الانسان بالكامل لقوى الطبيعة، نجده قد بدأ يصنع له ملاذا ووسيلة للهروب من بطش وتحكم هذه القوى الطبيعية، فكان ذلك عبر الاختراع الذهني للدين والتدين. فهذا النمط من التفكير ظهر ونما من خلال الاحتكاك بالواقع المادي اليومي للإنسان ولم ينقل له من الخارج طبعا.

في ظل هذا السجن الضيق لسيرورة الزمان والمكان وتحت رحمة العناصر المتناقضة للطبيعة والتي تقرر الحياة والموت، واكتشاف الانسان بعض السبل للتأثير بدوره على الطبيعة كالزراعة، بدأ تفكير الجماعة البدائية يتجه بالتدريج نحو أوهام تواجد قوى عليا وجوهر ديني يتحكم في وجودها وفي العالم الطبيعي حولها. يقول كارل ماركس في هذا الصدد في كتابه “نقد فلسفة الحق عند هيغل”، 1844: ” ان الإنسان يصنع الدين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان. يقينا ان الدين هو وعي الذات والشعور بالذات لدى الإنسان الذي لم يجد بعد ذاته، او الذي فقدها”.

3 – مرحلة التقسيم الاجتماعي للعمل:

مع ظهور بداية تخزين الإنتاج الزراعي والحيواني الزائد ومبادلته، ستتفكك العلاقات الاجتماعية القديمة وتبدأ مرحلة جديدة من التقسيم الاجتماعي للعمل، ومع تزايد عمليات التبادل وتقسيم العمل تطورت قوى الإنتاج واستغلالها عن طريق العبودية مما أدى الى ازدهار الإنتاج الزراعي واستغلال الأرض وتدجين الحيوانات وتربية الماشية مما طور مصدرا غير مسبوق للثروة. وقد قاد هذا التطور في البنيات الاقتصادية التحتية الى ظهور علاقات اجتماعية جديدة. لم تنحصر في مجال تعميم المنتجات وأدوات العمل، بل اتسعت الى الملكية الخاصة. فمع تقسيم العمل أصبح الانسان مسؤول عن تأمين غذائه والحصول على أدوات العمل وتملكها.

فقد أصبح الانسان واعيا بضرورة تملكه لمصادر جديدة للغذاء كالماشية، ثم بعد ذلك ضرورة الحصول على وسائل جديدة للعمل خاصة العبيد بالإضافة الى باقي أدوات العمل. فالضرورة وحب البقاء كيفت نمط التفكير الإنساني للحصول على هذه الأشياء عبر الإنتاج الزائد وتقسيم العمل وتملك وسائل التغذية وأدوات العمل.

ففي هذه المرحلة انهار الوعي الاجتماعي المتجانس مع انقسام المجتمع الى طبقات. وأصبحت كل طبقة تحمل بصمة ايديولوجية معينة، وتمثل التعبير الفكري لمصالح طبقة معينة. فكل ايديولوجية تمثل نظاما من الأفكار ومن الأحكام النظرية حول الطبيعة والمجتمع. ويتضمن ذلك المنهجية العامة التي يتم بواسطتها تقدير هذه الطبيعة وهذا المجتمع، للسير فيه أو لتغييره.

كما أكدت هذه المرحلة على أن التطور الاجتماعي يجد جدوره في تطور وسائل الانتاج وعلاقات انتاج معينة. فنمط الانتاج يبين كيف تنتج قوى الانتاج في ظل علاقات انتاج معينة. وحيث تصبح طبيعة الوعي الاجتماعي مرتبطة بنمط الانتاج المهيمن. وحيث يصبح أي تغير في نمط الانتاج بمثابة القوة المحركة الرئيسية لحدوث تغيير في النظام الاجتماعي.

تكيف الوضع الاجتماعي ونمط التفكير الاجتماعي إذن مع سيرورة تقسيم العمل بين الفلاحة والرعي، وبين الزراعة والصناعة التقليدية، وبين العمل اليدوي والعمل الثقافي. فتقسيم العمل علم الأشخاص ان يميزوا، في الممارسة الاجتماعية، بين الأشياء المنفصلة في علاقتها مع المجموع، بمعنى مقاربة فكرية لمختلف الاعمال الجزئية في علاقتها مع كامل سيرورة الإنتاج.

ومع ذلك، فإن تقسيم العمل من أجل كلية الإنتاج، يفترض نوعا من الكفاءة في التفكير المجرد. حيث أصبح بامكان الأشخاص الاستيعاب المباشر الملموس لمختلف الاعمال الجزئية، وبالموازاة مع ذلك الادراك الكلي لحقيقة الإنتاج الاجتماعي الذي يتطلب فكرا غير مباشر، مجرد. فتبادل المنتجات علم الأشخاص التمييز بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية، بين الكيف والكم، بين الملموس والمجرد.

فبدأ التفكير يتخلى تدريجيا عن روابطه المباشرة بالعمل، مما أدى الى نشأة نمط تفكير أصبح يهيمن تدريجيا على مختلف المجتمعات الطبقية: أي التفرقة بين النظرية والتطبيق.

ويفسر ذلك كارل ماركس وفردريك انجلز فيما يلي:

“لم يصبح تقسيم العمل فعلا تقسيما للعمل الا انطلاقا من اللحظة التي حدث فيها تقسيما في العمل ماديا وثقافيا. وانطلاقا من هنا فإن الوعي أمكنه حقا أن يعتقد أنه شيء آخر غير الوعي العملي الموجود، وأنه يمثل حقيقة شيء بدون أن يمثل شيئا حقيقيا. وانطلاقا من هذه اللحظة، أصبح الوعي في حالة تحرر من العالم والانتقال الى تكوين النظرية الخالصة، اللاهوت، الفلسفة، الأخلاق، الخ.” (ماركس ̸ انجلز، الأيديولوجية الألمانية، ص: 45-46).

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الايديولوجيات الأولى والأديان المتجانسة ظهرت بالموازاة مع ظهور مرحلة المجتمع الطبقي العبودي. ففي المجتمع اليوناني القديم منذ حوالي 2700 و2200 سنة، تطورت نظريات مادية ومثالية، ديالكتيكية وميتافيزيقية. ومنذ بداية ظهورها، دخلت في صراع الواحدة ضد الأخرى أو نتجت الواحدة عن الأخرى. وعلى العموم، فإن الشهادات التاريخية، تؤكد على أن فلاسفة الطبقات الصاعدة ارتكزوا على المادية والديالكتيك في مواجهة مثالية وميتافيزيقية الطبقات الحاكمة.

4 – مرحلة الانقسام الطبقي:

أدى التوزيع الاجتماعي الكبير للعمل الى حدوث انقسام كبير للمجتمع الى طبقات متمايزة تتكون من أسياد وعبيد، مستغلين ومستغلون.

وفي ظل هذا الانقسام الطبقي حدث تقدم كبير في الملكية الخاصة، وفي قطعان الماشية والعبيد والأشياء الثمينة، ووسائل الإنتاج، … الخ، كما حدث فصل بين المنتجين ومنتجاتهم، وهو ما شكل البدايات الأولى لاستغلال الانسان من طرف الانسان بشكل مكثف … كما دفع هذا التحول المجتمعي الى ابتعاد الانسان أكثر فأكثر عن الطبيعة وعن نفسه، بمعنى اغراقه في اغتراب متعدد الأبعاد.

فالمجموعات الإنسانية فكت ارتباطها بالبيئة الطبيعية، وانمحت داخلها العلاقات المتساوية والمنسجمة، وبدأت تسود علاقات الملكية الخاصة وهيمنة البعض على البعض الآخر. فالفرد بدأ يفقد شيئا فشيئا روابطه المادية الموضوعية الموروثة عن الجماعة وبالتالي روابطه الاقتصادية مع وسائل الإنتاج التي كانت تضمن له العيش، وتحول الى منافس لأشباهه.

ويبدوا ان نمط تفكير الانسان في ظل المجتمع الطبقي العبودي سواء كان سيدا أو عبدا أصبح خاضعا للاغتراب للنمط الإنتاجي والاجتماعي القائم، ويؤكد كارل ماركس ورفيقه فردريك انجلز، في كتابهما “العائلة المقدسة أو نقد النقد النقدي” هذه الخلاصة فيما يلي:

“إن الطبقة المالكة وطبقة البروليتاريا تمثلان معا الاغتراب الذاتي للإنسان. ولكن الطبقة الأولى تجد في هذا الاغتراب الذاتي ثباتها وازدهارها وقوتها الخاصة، وتجد فيه مظهراً للوجود الانساني. أما طبقة البروليتاريا فإنها تشعر بالانسحاق في اغترابها الذاتي، إنها ترى في ضعفها الخاص، حقيقة الوجود اللاإنساني. وطبقة البروليتاريا، على حد تعبير هيجل هي في مذلتها ثورة على هذه المذلة، ثورة يدفعها إليها بالضرورة التناقض بين طبيعتها الإنسانية وأوضاع حياتها، التي هي النفي الشامل والحاسم والمباشر لتلك الطبيعة. وفي هذا التضاد، يمثل صاحب الملكية الخاصة الجانب المحافظ، بينما يمثل البروليتاري الجانب الهدام. ويقوم الأول بالحفاظ على هذا التضاد، بينما يقوم الثاني بالقضاء عليه”.

وتلخص لنا مقولة ماركس هذه أين تكمن الأيديولوجية وأين يكمن الوعي الطبقي، فالطبقة المالكة تستغل الأيديولوجيا للمحافظة على هيمنتها واغترابها المزدهر، بينما تطور البروليتاريا وعيها الطبقي في اتجاه التخلص من اغترابها الهدام والاضطهاد والاستغلال. ففي خضم الصراع الطبقي ينشأ الوعي الطبقي وحيث يستحيل ان ينقل مثل هذا الوعي الى البروليتاريا من خارجها.

5 – البنية الفوقية للدولة الطبقية:

ان ضرورة المحافظة على البنية الاجتماعية الطبقية، ببنياتها الاقتصادية التحتية القائمة على الاستغلال، ونظرا لأن هذا التنظيم الاجتماعي الطبقي القائم لن يحظى بموافقة الجميع الا تحت الاكراه، نظرا للتناقضات الداخلية ومعارضات الاجتماعية التي لا يمكن التوفيق بينها، لذلك تلجأ القوى المستفيدة من نمط الإنتاج السائد الى حماية مصالحها من خلال هيمنتها على وسائل الاكراه لجهاز الدولة وسنها تحت اشرافها لترسانة من القوانين الحامية لنمطها الإنتاجي السائد. وفي نفس السياق تستقل الدولة تدريجيا عن الطبقات المتصارعة بدعوى حفظ النظام، وحيث تتموقع ظاهريا فوق المجتمع بينما تمثل في الواقع الطبقة المهيمنة. يقول فدريك انجلز في كتابه حول “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، 1884: “إن هذه السلطة، ولدت من رحم المجتمع، الا انها أصبحت تتموقع فوقه، وتصبح يوما عن يوم غريبة عنه، إنها الدولة”.

ان نمط التفكير الاجتماعي الذي أصبح مهيمنا في قلب المجتمع هو ذلك التفكير الذي يمثل ويبرر مصالح الطبقة المستغلة والمهيمنة. ويمكن الانتباه هنا الى أن نمط التفكير السابق للأفراد كان مرتبط بالجماعة وبنشاطهم العملي، بينما نجده هنا قد انفصل عن النشاط العملي وعن الارادة الجماعية لكي يرتبط بإرادة فوقية للطبقة المهيمنة. فالتفكير الجماعي أصبح يتسم بالمسافة التي يتخذها اتجاه الواقع. ومنذ لحظة انفصال الانسان عن الواقع تبدأ مرحلة سيطرة الايديولوجية وأوهامها.

ويؤكد كارل ماركس وفردريك انجلز على أن الأفكار الاجتماعية المهيمنة هي تعبير عن العلاقات الاجتماعية المهيمنة:

“إن أفكار الطبقة السائدة هي في كل عصر هي الأفكار السائدة أيضا، بمعنى أن الطبقة التي هي القوة المادية السائدة في المجتمع هي في الوقت ذاته القوة الفكرية السائدة. فالطبقة التي تتصرف بوسائل الإنتاج المادي تملك في الوقت ذاته الاشراف على وسائل الإنتاج الذهني وتخضع من جراء ذلك لهذه الطبقة السائدة. وليست الأفكار السائدة شيئا آخر سوى التعبير المثالي عن العلاقات التي تجعل الطبقة الواحدة طبقة سائدة؛ وبكلام آخر، فهي أفكار سيطرتها. ان الأفراد الذين يؤلفون الطبقة السائدة يملكون فيما يملكون الوعي، وبنتيجة ذلك يفكرون. وبالتالي فبقدر ما يسودون على أنهم طبقة، ويحددون مدى عصر تاريخي معين واتساعه. فمن البديهي أن هؤلاء الأفراد يسودون على نطاق كامل، وبالتالي فإنهم يسودون ضمن أشكال سيطرتهم، على أنهم كائنات مفكرة أيضا، على أنهم منتجون للأفكار. وهم ينظمون انتاج أفكار عصرهم وتوزيعها، وبذلك فإن أفكارهم هي أفكار العصر السائدة. ومثال ذلك أنه حيث تتنازع السلطة الملكية والارستقراطية والبرجوازية السيادة في عصر معين وبلد معين، وبالتالي حيث تكون السيادة متقاسمة، فإن مذهب انفصال السلطات هو الذي يشكل الفكرة السائدة، ويتم التعبير عنه على أنه “قانون أبدي”. (كارل ماركس وفردريك انجلز، الأيديولوجية الألمانية،المرجع السابق، الصفحة 56).

فالإيديولوجية المفروضة فوقيا (من طرف الدولة) تنطلق من البنية السياسية الفوقية للنظام الطبقي القائم والتي تخطط وتفرض مدونة للتفكير بمثابة بنية ايديولوجية فوقية. وحيث يتم تبرير التقسيم الجديد للطبقات، ومن تم تتبيثه كوضع غير قابل للتغيير. كما تعمل الايديولوجية على اخفاء واقع الاستغلال، ويتم الترسيخ في الأذهان على أن المصالح الخاصة للأقلية المهيمنة على أنها مصالح الجميع وعلى أنها شرطا ضروريا للتقدم.

إن انعكاس هذا الوضع الايديولوجي الفوقي على نمط التفكير الجماعي، أفرز تقسيما آخر بين العمل اليدوي والعمل الثقافي الذهني، وإلى نشوء شريحة اجتماعية متخصصة في صيانة وعرض الأفكار. كما تم اخضاع الفن نفسه لهذه القاعدة، وحيث تعمل هذه المنظومة الفكرية على تبرير وتأكيد استغلال طبقة من طرف طبقة أخرى.

ان هم البرجوازية والبرجوازية الصغرى الشريكان في الاستفادة من الهيمنة السياسية والاقتصادية للدولة الطبقية تعمل على فرض أوهام ايديولوجيتها على البروليتاريا، حتى تظل هذه الأخيرة خاضعة للهيمنة الطبقية. ففي هذا الإطار يستحيل ان تنقل البرجوازية أو البرجوازية الصغرى وهي بهذه المواصفات، الوعي الطبقي للبروليتاريا.

نستخلص أخيرا أنه مع انقسام المجتمع الانساني الى طبقات نشأ نزاع بين أنماط التفكير السائدة المغتربة وغير المغتربة، بين الايديولوجية المثالية الطبقية والايديولوجية المادية التحررية، بين المنهج الميتافيزيقي والأسلوب الديالكتيكي في التفكير. فهذا الصراع لم يدم فقط حتى يومنا هذا، وانما سيظل قائما طالما ظلت هناك طبقات وتناقضات طبقية.

6 – حتمية تحرر نمط التفكير الجماعي عن الهيمنة الأيديولوجية الطبقية:

إن الهيمنة الايديولوجية لا يمكنها أن تتواصل باستمرار، فإذا كانت الايديولوجية المهيمنة هي ايديولوجية الطبقة المهيمنة كما ذكر كارل ماركس في الايديولوجية الالمانية، فإنه سرعان ما تبدأ أسس البنيات الاقتصادية التحتية بالتدهور والانهيار نتيجة اشتداد التناقض بين قوى الإنتاج المتقدمة وعلاقات الإنتاج المتخلفة، سرعان ما تبدأ البنيات الفوقية السياسية والايديولوجية والقانونية هي الأخرى بالتفكك والانهيار، وبالتالي تحدث صحوة في الوعي الطبقي قد تقود الى ثورة تطيح بالبنيات المتخلفة للطبقة المهيمنة.

لكن نمط التفكير يتحول أيضا تحت تأثير التطور المتسارع لقوى الانتاج، فعقب كل تطور مادي وانتصار للإنسان على الطبيعة من خلال تقدم العلوم والتكنولوجيا، فإن ذلك يحدث بالموازاة مع حدوث اثراء في التفكير والفهم الاجتماعي وتتحقق معه قدرة أفضل على فهم الواقع وبالتالي نفي النفي، بمعنى نفي المعتقدات السابقة على ذلك الفهم الجديد والتي تتعارض مع الاكتشافات الجديدة ومع الوضع الاجتماعي القائم أي مع علاقات الانتاج المختلة، ومن خلال ذلك يتحول نمط التفكير إلى نقيضه. فعلاقات الناس تتغير تحت تأثير الواقع ومواقفهم اتجاه العمل واتجاه الطبيعة تتبدل، كما تتطور أيضا نوع الرؤية الى القوى العليا المهيمنة، كما تتحدد من جديد وجهات النظر حول الحياة والعالم.

ومع تزايد الحاجات الانسانية تتزايد الوسائط المادية المتقدمة دائما لإشباعها. فالإنسان لا يكتفي بعملية إعادة الإنتاج بسيطة غير واعية لأنشطته الحيوية، بل يحتاج الى ابداع وسائط تكنولوجية جديدة لتأويج اشباعاته. كما أن تطور الحاجيات ووسائل اشباعها يتطلب أيضا تجاوز العلاقات الاجتماعية القديمة المعرقلة لتطوره.

فلتجاوز العلاقات الاجتماعية القديمة يصبح من المفروض تجاوز أنماط التفكير الاجتماعي المهيمنة والتي أصبحت متجاوزة. فالتجاوز المادي لعلاقات الإنتاج القديمة تترافق بالضرورة بتجاوز الأشكال القديمة للتفكير الاجتماعي والأفكار المهيمنة. وهذا ليس فقط لأن تقدم قوى الإنتاج يحدث بالمقابل تقدما على مستوى نمط التفكير الاجتماعي وإنما أيضا لأن الطبقة الثورية لا يمكنها ان تنجز مهامها التاريخية بدون تعبير مادي وايديولوجي ينتشر وسط المجتمع بكامله، وضد الطبقة المهيمنة في السلطة.

وعند بلوغ المجتمع أوج نضجه من وجهة نظر مادية، يحدث ازدهار في الأفكار والعلوم والفن والادب كتعبير عن نمط التفكير الاجتماعي السائد. وكل خطوة الى الأمام الا وتعبر عن العلاقات الاجتماعية الجديدة. وكل تقدم تقني في العمل وفي الإنتاج مع ما يرتبط به من تطور في العلاقات الاجتماعية يسجل انقلابا في التفكير. لقد عاش المغرب خلال عقدي الستينات والسبعينات نتيجة شروط مادية تاريخية نوع من نضج الشروط المادية لحدوث ازدهار فكري وثقافي وأدبي انعكس في ظهور حركات ثورية كان ابرزها الحركة الماركسية اللينينية. فكان الوعي الطبقي الجماعي المصاحب وعيا مواكبا للنضالات الميدانية للجماهير الشعبية لأشكال السيطرة الطبقية الجديدة السياسية والاقتصادية. لكن هذه الصحوة في الوعي الطبقي ستواكبها هجمة قمعية شرسة لقبت بسنوات الرصاص من اجل إعادة اخضاع الجماهير الشعبية المنتفضة لأوهام أيديولوجية التحالف الطبقي الحاكم ولمسلسل جديد من الاستغلال والاضطهاد.

إن الرأسمالية مقارنة مع المجتمعات الآسيوية والعبودية والاقطاعية التي سبقتها، تمثل تطورا ماديا وإيديولوجيا هائلا. وقد وجدت الرأسمالية في مراحل صعودها نفسها مضطرة الى اعتماد منهج التحليل المادي العقلاني لتجاوز الواقع المتخلف في ظل نمط الإنتاج الاقطاعي، وسيحقق هذا المنحى انتصارا ساحقا مع أوج التطور الاقتصادي للبرجوازية. وفي سباق منها الى الغاء المعتقدات وأشكال العبودية القديمة، في مجتمع اقطاعي تمكنت البرجوازية من غزوه اقتصاديا أولا، فإن هذه الطبقة ستلجأ الى النقد العقلاني لدوغمائيات النظام الاقطاعي القديمة. ومنذ عصر النهضة بدأ الايديولوجيون يهاجمون بلباقة القيم الدينية المقدسة، كأزلية الروح ووحدة الذات الالهية … الخ.

كما تطوع المتدينون لخدمة أغراض نمط الإنتاج الرأسمالي، الى تكييف أيديولوجي حتى تتوافق البروتستانتية مع آليات الربا والقرض بفائدة. كما عملت البرجوازية في كل مكان على فرض علاقات اجتماعية جديدة لا تقوم على التبعية المباشرة كعلاقة اقنان الأرض بالإقطاعي، وإنما على وجود أفراد متساوون قانونيا فيما بينهم وأحرارا في بيع قوة عملهم في السوق، كشكل جديد من العبودية المأجورة والاغتراب اتجاه ناتج العمل المأجور. فبهذه العلاقات الاجتماعية الجديدة استطاعت البرجوازية محو كافة علاقات الشعوذة الاقطاعية القديمة، وبواسطة العلاقات الجديدة التي افرزها نمطها الإنتاجي، انطلقت نحو غزو العالم.

عرف نمط التفكير البرجوازي هيمنته إذن انطلاقا من قوة البرجوازية الاقتصادية القائمة على استغلال العمال. فالانفتاح الذهني، والمقدرة الكبيرة على فهم الواقع، والامساك بشكل أفضل بالظواهر الفزيائية والطبيعة الإنسانية، تدين بها البرجوازية لقوتها الاقتصادية وإلى الدفعة الهائلة للتقنيات وللقوى الإنتاجية ووسائل العمل. وقد تأكدت المادية العملية كتعبير أيديولوجي لهذه القدرة على التحكم في الطبيعة ومعرفة قوانينها.

لكن هذه المعرفة البرجوازية للعالم اصطدمت بالحدود التالية:

– تطور قوى الإنتاج ليس كافيا للإشباع الكامل للحاجيات الاجتماعية. فلقد تم تكسير الوحدة القائمة بين الانسان والطبيعة وتدنيسها وتلويتها. كما قامت الرأسمالية على اشتراكية الإنتاج، لكن بدون نمط التملك الاجتماعي للإنتاج، بل قامت على الملكية الخاصة لتلك الوسائل.

– ونظرا لوعي البرجوازية بطبيعتها الاستغلالية، فقد أصبحت مكرهة على إخفاء وحجب واقع الاستغلال. وعلى رفض الاعتراف بالطابع التاريخي والانتقالي للرأسمالية. ومن هنا يمكن القول بأن الإيديولوجية البرجوازية تتسم بشلل تام بسبب هذه الأوهام.
إن هذه الحدود الموضوعية للإنتاج الرأسمالي ولنظام السوق على العموم، تضع حدودها على نمط التفكير البرجوازي. وانطلاقا من هذه الحدود الأخيرة يمكننا الحديث عن الأيديولوجية بالنسبة للبرجوازية وعن الوعي الطبقي بالنسبة للبروليتاريا.

وإذا كانت الأيديولوجية البرجوازية تعبر عن محاولة الوعي بالعالم، وبالإنسان … الخ، الا ان هذا الوعي يظل جد محدود ويطور أوهاما خطيرة. ويظهر ذلك من خلال الواقعتين المشار اليهما أعلاه: حدود طبيعة الإنتاج الرأسمالي، واستحالة اعتراف البرجوازية بالحدود التاريخية لنمطها الانتاجي.

ان جوهر الاشكال هنا هو قيام بنية السوق على علاقة بين الأشياء بموضوعية وهمية عبر نظام قانوني خاص مغلق بشكل كامل وعقلاني في الظاهر فقط، لكن ذلك يخفي كل أثر لجوهره الأساسي وهو العلاقة بين الأشخاص. فهنا ترتدي العلاقة الاجتماعية بين الطبقات لباس العلاقة الطبيعية بين الأشياء. وحيث ينظر المنتجون الذين ينفصلون عن ثمار عملهم، الى أنشطتهم الاجتماعية كشيء موضوعي مستقل لا يتحكمون فيه. يقول كارل ماركس في هذا الإطار:

“يضل ناتج العمل غريبا عن العامل. وكلما تم استنزاف العامل عبر العمل، كلما أصبح عالم الأشياء التي ينتجها أمامه، قويا، كلما أصبح هو وعالمه الداخلي فقيرا … وذلك مثلما هو حاصل في الدين، فكلما استسلم الانسان لله، كلما أصبح أقل قدرة على امتلاك نفسه. فالعامل يضع حياته في الشيء، ومن هنا تصبح حياته ليست في ملكيته، تصبح في ملكية الشيء. وكلما كان هذا النشاط كبيرا، كلما فقد العامل من جوهره. فالعامل ليس ما ينتجه. تجريد العامل لصالح منتوجه، يعني، ليس فقط أن عمله موجودا خارجه، مستقلا، غريبا عنه وأنه أصبح أمام العامل قوة مستقلة. إن هذا يعني بأن الحياة الممنوحة من طرف العامل للشيء تأتي لتقف أمام منتجها كقوة عدوة وغريبة. الاقتصاد السياسي يخفي الاغتراب الذي يطبع طبيعة العمل عبر رفض اعتبار العلاقة المباشرة بين العامل (العمل) والانتاج” (كارل ماركس، مخطوطات 1844).

ينعكس اغتراب العامل على مستوى نمط تفكيره الاجتماعي. حيث أن “حركة التفكير ليست سوى انعكاس للحركة الحقيقية، منقولة ومنعكسة في دماغ الانسان” (ماركس، رأس المال)، لذلك فإن طبيعة الإنتاج السوقي، الذي يقوم على أدوات والشروط الاجتماعية للإنتاج، سيثقل بقيوده على أشكال نمط التفكير الاجتماعي.

وتتجلى معالم اغتراب نمط التفكير البرجوازي والبرجوازي الصغير على المستوى الأيديولوجي من خلال ما يلي:

1 – يتم استعمال الفكر والعلم بشكل تأملي مجرد، كقالب جاهز يتم تطبيقه على الواقع دون تغيير هذا الواقع؛

2 – تتم عملية التفكير ودراسة العلاقات الاجتماعية كظواهر تخضع لقوانين ما فوق تاريخية. حيث لا تتيح الأيديولوجية مكانا للنشاط الإنساني والذي يمكنه أن يحول هذه القوانين ويحول الانسان نفسه؛

3 – اعتبار علوم الطبيعة نموذجا للعلم الصحيح، الذي يتأمل الحركة بمعزل عن موضوعها، ويبحث عن كيفية استخلاص الخلاصات من خلال انتقائية معزولة تجريبية؛

4 – يتم تقسيم التفكير الى سلسلة من الميادين المجزئة والتي تطور نظام قوانينها الخاص بها، بشكل مستقل عن باقي الميادين. أما المجموع فيتم تصوره على أنه حصيلة بسيطة لمجموعة متكاملة لوقائع خاصة.

إذن فالإيديولوجية البرجوازية تفهم الوقائع بطريقة ميتافيزيقية خاطئة. لذلك لا يمكن لنمط التفكير البرجوازي أن يمسك بالواقع بشكل ملائم في حركته الخاصة. وهنا فإن مختلف لحظات الحياة الاجتماعية تأخذ شكل وقائع خاصة، وأشياء مستقلة خاصة. وينظر اليها كوحدات جامدة خارج سيرورة واقع الانسان المادية. كما تفهم الحقيقة كشيء وليس كنتاج للنشاط الإنساني الملموس. وقد كتب فردريك انجلز في هذا الصدد: “الأيديولوجية عبارة عن سيرورة ينتج فيها المفكر بوعي دون شك، لكنه وعي خاطئ” (انجلز، رسالة الى مهرينغ في دراسات فلسفية 1893).

ثالثا: المحتوى السياسي لنمط التفكير البروليتاري:

من خلال استعراض مظاهر تطور نمط التفكير الإنساني عبر التاريخ، واختلافه بحسب الواقع الاجتماعي للمجتمعات ونمط الإنتاج القائم وتأثره بوضع الانقسام الطبقي والصراع الموضوعي المزدوج داخل المجتمعات الطبقية، أي الصراع الذي تباشره الطبقات المهيمنة اتجاه الطبقات المسحوقة المضطهدة والتي تشكل مصدرا لتحقيق مصالح الطبقات المهيمنة، حيث يتجلى هذا الصراع في توظيف أجهزة الدولة المسلحة وادواتها الأيديولوجية للمحافظة على استمرارية هيمنتها. ثم من الجانب الآخر الصراع الذي تباشره الطبقات المضطهدة المستغلة اتجاه الطبقات المهيمنة من اجل التحرر من قبضتها وتحرير طاقاتها الإبداعية من اجل كرامتها وحياة افضل، وفي خضم هذا الصراع الأخير ينمو الوعي الطبقي الجماعي والذي سرعان ما يتحول الى قوة مادية ثورية قادر على اسقاط النظام الطبقي القائم.

إن هذا النمط في التفكير التحرري البروليتاري الأخير والذي نسميه بالوعي الطبقي لم ينشأ هكذا دفعة واحدة، بل هو عمل تراكمي تاريخي جماعي قائم على الوحدة الديالكتيكية بين واقع اضطهاد الطبقات الشعبية المسحوقة في زمان ومكان معين، وسيرورة التجارب التاريخية التحررية لمختلف الشعوب والطبقات المسحوقة. فالفكر البروليتاري يستمد وعيه الطبقي من وحدة هذين العنصرين أي واقع الاضطهاد من جهة وتراكم الثورات المظفرة للشعوب المضطهدة من جهة أخرى. وهنا يمكن التأكيد على أن هذا الوعي الطبقي اصبح له بناء على وحدة العاملين الذاتي والموضوعي المشار اليهما، نظرية علمية متكاملة هي النظرية الماركسية اللينينية والتي تبلورت انطلاقا من وحدة الأفكار والتجارب المتراكمة لرواد الفكر الثوري وهم كل من كارل ماركس وفردريك انجلز ولينين وستالين ويمكن إضافة بعض أعمال روزا لوكسمبورغ المنسجمة مع النظرية الماركسية اللينينية.

إذن فالمحتوى السياسي لنمط التفكير البروليتاري هو مرحلة متقدمة من الوعي الطبقي البروليتاري، فإذا كان الوعي الطبقي البروليتاري البدائي يتشكل ضمن علاقات الإنتاج القائمة على الاستغلال والاضطهاد والصراع الطبقي الموضوعي المتولد عنها، فإن هذا الوعي الطبقي يعرف مع تطور وتراكم الصراع الطبقي قفزة نوعية خاصة حينما يتحول الى وعي سياسي يستهدف اسقاط النظام الطبقي القائم واسقاط الهيمنة الأيديولوجية البرجوازية السائدة، وحيث تتشكل عناصره على أساس النظرية الماركسية اللينينية. فبلوغ نمط التفكير البروليتاري هذا المستوى من الوعي الطبقي السياسي يؤدي حتما الى ولادة الأداة السياسية للطبقة العاملة الماركسية اللينينية.

وعن طريق الأداة السياسية للطبقة العاملة يبدأ الوعي السياسي الطبقي يستهدف فرض المصالح الطبقية للطبقة العاملة التي تشكل المضمون الأساسي لنمط التفكير البروليتاري. فيستهدف في النظرية والتطبيق تحقيق الاشتراكية العلمية والشيوعية. كما يصبح المنهج المادي الديالكتيكي النواة العلمية لنمط التفكير البروليتاري. فإذن فعلى قاعدة نمط التفكير البروليتاري يمكن تشكيل الوعي الاشتراكي للطبقة العاملة، بواسطة هذا الوعي تصبح البروليتاريا قادرة على القيام بمهمتها التاريخية في الانتصار على استغلال الانسان للإنسان.

وتتلخص مرتكزات النظرية الماركسية اللينينية التي أصبحت تشكل قاعدة العلمية لنمط التفكير السياسي للبروليتاريا على ما يلي:

أولا: الاقتصاد السياسي ونظرية فائض القيمة

يقوم المجتمع الرأسمالي بكامله على تمكين طبقة ملاكي رؤوس الأموال، وملاكي وسائل الإنتاج قانونيا، من شراء قوة عمل العمال المأجورين، بينما هؤلاء العمال المأجورون في المقابل، إذا أرادوا العيش، فمجبورون على بيع قوة عملهم إلى هؤلاء الملاكين لرؤوس الأموال ولوسائل الإنتاج. ولا يفيد هذا الاستغلال لقوة العمل لأي هدف آخر سوى في التراكم المتواصل لرؤوس الأموال. إن لحظة وعي البروليتاريا بهذا الاستغلال وبالتالي رفضه، فإنه يشكل بحد ذاته نفيا فكريا للطبقة البرجوازية المهيمنة.

وفي مواجهة هذا الرفض البروليتاري لواقع الاستغلال والاضطهاد البرجوازي، تلجأ البرجوازية إلى إرساء بنيات فوقية قانونية وسياسية وأشكالا مصطنعة من الوعي الاجتماعي تستعمل كواقيات أيديولوجية للمحافظة على ̸ وضمان علاقات الإنتاج هذه. ومن هنا، تطورت الرأسمالية الى رأسمالية احتكارية للدولة، أي استعمال الدولة كأداة للمحافظة على سيطرة مصالح البرجوازية، وحيث تحولت الدولة إلى المعبر الصادق هن المصالح البرجوازية. وعند بلوغ هذا المستوى الأعلى من التطور الاجتماعي يسهل تعميم ديكتاتورية الاحتكارات على المجتمع بأكمله، ويصبح جهاز الدولة خاضع بالكامل لمصالح الاحتكارات وحيث تندمج أجهزة الدولة بأجهزة هذه الاحتكارات. وعلى أساس هذه القاعدة تطور تدويل نمط الإنتاج الرأسمالي. وسيطرة رأس المال المالي العالمي والتوسع الامبريالي.

لكن الاحتكارات متعددة الاستيطان الأكثر قوة التي تقود بعصاها الاقتصاد العالمي بأكمله، تساهم بشكل لا ارادي، عبر الاعتماد على خلق انتاج عالمي متجانس، في وضع الشروط المادية من أجل الانتصار العالمي للاشتراكية عند انتصار نمط التفكير البروليتاري والاشتراكية العلمية سياسيا.

ثانيا: الاشتراكية العلمية ونظرية الصراع الطبقي وديكتاتورية البروليتاريا:

إن التحليل الاقتصادي لكارل ماركس وفردريك انجلز لم يكن له من هدف آخر سوى تحديد الطريق السياسي الصحيح والهدف الاستراتيجي، والوسائل والمناهج الصحيحة لكي تتمكن الطبقة العاملة من التحرر من عبوديتها، ومن العمل المأجور والقضاء على الطبقات واضطهاد الانسان للإنسان.
ان جوهر الاستراتيجية والتاكتيك البروليتاريين يتمثلان في نظرية الدولة والثورة، في اطار نظرية الخط السياسي الهادف الى انتزاع السلطة السياسية من طرف الطبقة العاملة بهدف القدرة على تغيير العلاقات الاجتماعية الطبقية.

فانتزاع الطبقة العاملة للسلطة السياسية لا يمكنه ان يتم بالتحكم في الحكم فقط. بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى الغاء ديكتاتورية الاحتكارات واستبدالها بديكتاتورية البروليتاريا.

لقد قسمت الامبريالية الأمم الى أمم مضطهدة بفتح الهاء، وأمم مضطهدة بكسر الهاء. وقد أصبحت حركات التحرر الوطني والاجتماعي في البلدان المضطهدة بفتح الهاء والتابعة، عنصرا ثابتا في مجال النضال من أجل الاشتراكية. لذلك فإن الثورة الاشتراكية في ظل شروط تدويل نمط الإنتاج الرأسمالي، يجب ان ترتدي طابعا دوليا، حتى وإن قام أساسها المادي الثوري في كل دولة على حدة من أجل تأسيس ما يمكن تسميته بالولايات المتحدة الاشتراكية العالمية.

ثالثا: المادية الديالكتيكية والتاريخية، القاعدة الفلسفية للماركسية اللينينية:

يبقى الكون مادة مترابطة متحركة بشكل لا نهائي. النظرية الماركسية اللينينية لا تكتفي فقط بمعرفة أن الحقيقة موجودة وانما على الخصوص كيف هي موجودة. فالمادية الديالكتيكية لا تريد ان تفسر العالم وكفى بل تسعى إلى تغيير هذا العالم لمصلحة الجماهير المضطهدة والمستغلة.

تقوم النظرية الماركسية اللينينية على قاعدة أن قوانين الحركة الديالكتيكية توجد في قاعدة الحقيقة. فالمعرفة النظرية لهذه القوانين يشكل أساس فهم كل حركة في الطبيعة، وفي المجتمع، وفي الفكر الإنساني. فالنظرية والمنهج في المادية الديالكتيكية والتاريخية تتيح للطبقة العاملة ولحلفائها تحليل الظواهر، وتطور الحقيقة الموضوعية، واستخلاص النتائج، بالنسبة للصراع الطبقي.

ويمثل المنهج الديالكتيكي المادي أخيرا، العنصر المحفز والدافع الثوري في كافة المجالات. وعند تحليل العلاقات، والحركة الذاتية الداخلية وتفاعل كل سيرورة مع أية سيرورة أخرى، فإنها تنطلق من تطبيق النظرية الماركسية اللينينية في الواقع، وتعمل على دراستها واتقانها في نهاية المطاف.

بدلا من الخاتمة

ونستخلص في ختام هذه المحاولة لمقاربة نمط التفكير أن هناك نمطين من التفكير مختلفين:

– النمط الأول ينظر ويدرس الحقيقة كحقيقة جامدة، غير متغيرة، معطاة مسبقا، مع أشياء موجودة قائمة منفصلة الواحدة عن الأخرى، بدون اتقان او تغيير. ويتمثل في نمط التفكير الميتافيزيقي المثالي الكامن في الأيديولوجية البرجوازية.

– النمط الثاني ينظر ويدرس الأشياء والظواهر في حركتها وترابطها وتغيراتها وفي تفاعلاتها وتبعيتها الكلية وفي اتقانها على شكل حركة لولبية. وهذا ما نسميه بنمط التفكير الديالكتيكي المادي الكامن في سيرورة نمط التفكير البروليتاري.

ان الاعتراف بواقعة أن الكائن أو الوجود، أولي، وأن الوعي هو الثاني، يشكل نواة المادية في نمط التفكير البروليتاري. بينما يؤدي انكار ذلك الى الانزلاق نحو المثالية الفلسفية ونمط التفكير البرجوازي والبرجوازي الصغير.

 

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات