الإثنين , 16 أكتوبر 2017

فرحان قاسم : قراءة في كتاب مهدي عامل ” في التناقض “

MehdiAmel

قراءة في كتاب مهدي عامل ” في التناقض ”
مهدي عامل

لقد اثار عمل الدكتور الشهيد حسن حمدان – مهدي عامل – ” في التناقض ” واعماله اللاحقة الكثير من الجدل تاييدا او معارضة . لقد اعتمد المنهج نفسه الذي نهجه ماركس ولينين في نظرية المعرفة ، فمن العمل الحي الى التفكير المجرد الى الممارسة ، لذلك كانت اعماله تعبيرا عن حاجة موضوعية وليس تاملا نظريا بعيدا عن حركة الواقع . فهو يؤكد ” ان الحركة الثورية عملية تاريخية معقدة تمر بمراحل متعددة تختلف من بلد الى اخر باختلاف البنية الاجتماعية الطبقية التي تتحرك فيها وهي في كل مرحلة من هذه المراحل تواجه مهمات معينة تحددها طبيعة التناقضات التي تكون اطار تطورها ” .
” في التناقض ” هو القسم الاول من ” مقدمات نظرية لدراسة اثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني ” ، و العودة الى مشكلة التناقض كما يرى مهدي عامل هي ضرورة لدرس العلاقة الكولونيالية . ”
فاذا اردنا ان نفهم ظاهرة التخلف فلا بد ان ننطلق من العلاقة الكولونيالية كعلاقة انتاجية بين نظامي انتاج مختلفين أي كعلاقة سيطرة بين نوعين من البلدان مختلفين في بنيتهما الاجتماعية . ان التحديد النظري للعلاقة الكولونيالية ولحركة تطورها التاريخي شرط اساسي لتحديد التخلف نظريا ” .
رغم عقد الندوات واللقاءات بين المفكرين المهتمين والمتابعين لكتابات مهدي عامل ورغم الكثير من المقالات التي كتبت عن اعماله و خصوصا بعد الانتفاضة في عدد من البلدان العربية الا اني وجدت الكثير من اللبس والغموض والجهل احيانا في فهم اعمال مهدي عامل وخصوصا لدى الشباب .
وهذه المقالة هي محاولة لتوضيح الاساس النظري ” الجهاز المفاهيمي ” الذي استنبطه مهدي عامل اعتمادا على المنهج الماركسي ليساعده في تحليل الظاهرة الكولونيالية .
مخطط الجهاز المفاهيمي
قسم مهدي عامل البنية الاجتماعية الى قسمين :
القسم الاول : صعيد البنية في ” توقفها الفكري ” أي في حضورها لذاتها وهذا يعني على صعيد الوجود الطبقي، و هنا يكون التناقض الاقتصادي هو التناقض الاساسي اي التناقض المحدد في النهاية .
التناقض الاقتصادي الاساسي هو التناقض المحدد في النهاية لكل التناقضات البنيوية و هو الذي يحدد التناقض المسيطر في البنية الاجتماعية والتناقض الاساسي ” ثابت ” لا يتغير في البنية الاجتماعية طول بقاء نظام الانتاج الاجتماعي ولا يتغير الا بانتقال البنية الاجتماعية من نظام انتاجي الى اخر. اي بكسر الاطار البنيوي لتطورها التاريخي . و “هذا الحل التاريخي الثوري للتناقض الاقتصادي لا يتم على المستوى الاقتصادي بل على المستوى السياسي في البنية الاجتماعية” . لذلك فان القوة المحركة للتاريخ هي قوة سياسية وهي صراع الطبقات .
ثانيا: صعيد البنية في حركة تطورها التاريخية الفعلية اي صعيد الصيرورة الطبقية التي تعني الصراع الطبقي . هنا يمكن التكلم على : تناقضات رئيسية وثانوية و تفاوت في تطور التناقضات . فيكون التناقض الرئيسي هو التناقض المحرك وهو التناقض المسيطر في تطور البنية الاجتماعية في مرحلة من مراحلها. وهو ليس سوى الشكل التاريخي الفعلي لوجود التناقض الاساسي في البنية الاجتماعية ، و ” ان تؤخذ التناقضات البنيوية في حركتها التاريخية الصراعية لا في وجودها البنيوي ” . وبحكم التطور التفاوتي للتناقضات الاجتماعية يمكن ان يصير التناقض الرئيسي ثانويا في شروط تاريخية محددة تناقضا ثانويا.
من الضروري التمييز نظريا وعمليا بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية في البنية الاجتماعية في كل مرحلة من مراحل تطورها . من صعيد البنية في توقفها الفكري أي في حضورها لذاتها الى صعيد البنية في حركة تطورها التاريخية الفعلية ، حيث يتم الانتقال من صعيد الى اخر من صعيد الوجود الطبقي كوجود بنيوي الى صعيد الصيرورة الطبقية كصراع طبقي .
ان التناقض الرئيسي هو دوما ” تناقض سياسي غير ان المظاهر الرئيسية والثانوية في هذا التناقض هي التي تنتقل من مستوى بنيوي الى اخر في حركة البنية الاجتماعية في مختلف مراحلها التاريخية” فالتنقل اذن ليس للتناقض الرئيسي بل لمظاهر وجوده التاريخية المختلفة .
قسم مهدي عامل
حركة التفاوت في التناقضات الى قسمين:
حركة عمودية وحركة افقية وهما مرتبطتان في التطور التاريخي ولا يمكن الفصل بينهما اذ ان حركة التفاوت الافقي هي حركة تفاوت افقي للتفاوت العمودي أي ان التفاوت التطوري للتناقضات البنيوية هو في حد ذاته تطور تفاوتها البنيوي.
التحرك العمودي : ان التناقض الاقتصادي والسياسي والايديولوجي تتفاوت بنيويا في تحديدها لوجود البنية الاجتماعية الشاملة وللعلاقات التي تتبادلها في اطار هذه البنية ، أي حركة تنقل مظاهر وجوده بين المستويات البنيوية في البنية الاجتماعية في مراحلها التاريخية المختلفة ، بمعنى استبدال مظاهر واشكال التناقض الرئيسي فالتناقض الايديولوجي هو التناقض الرئيسي في البنية الاجتماعية الاقطاعية بينما تغير التناقض في البنية الاجتماعية الراسمالية. والصراع الديني قبل الراسمالية ما هو الا الشكل التاريخي للصراع السياسي
التحرك الافقي : هوتبدل طرفيه أي تبدل في علاقات السيطرة بين القوى الطبقية وهو الذي يحدد انتقال البنية الاجتماعية من مرحلة تاريخية الى مرحلة تاريخية اخرى في اطارها التاريخي دون كسر للاطار البنيوي أي قد تنتقل علاقة السيطرة من طبقة الى اخرى دون تغيير في التناقض الاساسي وهذا يسمى ” الاستبدال الطبقي”.
حدد مهدي عامل ازمنة البنية الاجتماعية على الشكل الاتي :
1- زمان التكون البنيوي : هو الزمان الخاص بمرحلة انتقالها من نظام انتاج الى نظام انتاج اخر . يلعب العامل السياسي دورا فعالا بشكل مباشر أي دورا مسيطرا بالضرورة لان اليه تعود مهمة اقامة علاقات انتاج جديدة وترسيخها بحيث يستحيل على البيئة الاجتماعية ان تعود في تطورها الى علاقات الانتاج القديمة.
2- زمان التطور البنيوي : هو زمان تكراري لان حركة التطور فيه هي اعادة لانتاج علاقات الانتاج القائمة تتم بشكل يفقد العامل السياسي اهميته البالغة .في هذا الزمان يكون الوجود الاجتماعي سندا لعلاقات الانتاج.
3- زمان القطع البنيوي : هنا يبلغ الصراع الطبقي ذروته كصراع سياسي مباشر ويصير مركزا لتجمع التناقضات الاجتماعية بشكل يجعل من حل التناقض السياسي شرطا مطلقا لحلها أي تدخل البنية الاجتماعية في ازمة ثورية يصير حل مختلف تناقضاتها رهنا بحل التناقض السياسي . في هذا الزمان يكون الوجود الاجتماعي هادما لعلاقات الانتاج .
قسم مهدي عامل الحركة ضمن الازمنة البنيوية بالشكل الاتي :
الحركة الانتباذية : تظهر الحركة المحورية كحركة انتباذية في اطار الزمان البنيوي وهذا يعني ان الصراع الطبقي قلما يظهر على حقيقته كصراع سياسي انما هو في ازاحة عن مستواه البنيوي السياسي لانه يظهر في شكله كصراع ايديولوجي او اقتصادي أي ان المظهر الرئيسي للصراع الرئيسي ليس مظهرا سياسيا أي يظهر هنا في مظهر يحجب حقيقته السياسية الطبقية.
الحركة الانجذابية : في اطار زمان القطع البنيوي تكون الحركة المحورية في البنية الاجتماعية حركة انجذابية أي ان الصراع الطبقي في هذه اللحظة الثورية يظهر بالفعل على حقيقته كصراع سياسي أي انه يتحرك ليس في شكله فقط بل في مختلف اشكاله الاجتماعية .
ادوات الممارسة السياسية للطبقة المسيطرة :
1- الاداة السياسية : هي جهاز الدولة حيث تمارس الطبقة المسيطرة سيطرتها الطبقية بواسطة سلطة الدولة التي تمتلكها . فصراع الطبقات يستهدف سلطة الدولة . والقمع في جهاز الدولة عنف طبقي تمارسه الطبقة المسيطرة ضد الطبقات الخاضعة لها ويظهر العنف الطبقي قي شكله المباشر في لحظات التازم السياسي وشكله غير المباشر هو الشكل الحقوقي أي بسن القوانين الداعمة بشكل خفي لسيطرتها الطبقية فيبدو جهاز الدولة وكانه حيادي فوق الطبقات.
2- الادوات الايديولوجية : وهي المؤسسات الاعلامية والثقافية والتعليمية التي تحقق الطبقة المسيطرة بواسطتها سيطرتها الايديولوجية سواء كانت هذه الاجهزة تابعة للدولة او خاصة.
حدد مهدي عامل علاقة الفكر بالواقع بالشكل الاتي :
1- علاقة الفكر بالواقع علاقة ترابط وتفاعل وهي تؤكد استقلالية حركة الفكر النسبية عن حركة الواقع 2- ليس للفكر حرية ذاتية في التحرك والتطور أي ” ان انتاج المعرفة ليس من فعل الفرد كارادة ذاتية مطلقة ” لان تحرك الفكر يكون في اطار بنية فكرية تحدد له افاق الامكان والاستحالة في التطور أي ان تحركه لايخضع لارادة الذات او الفرد بل للبنية الفكرية التي يتطور في اطارها.
3- علاقة الفكر بالواقع علاقة بنيوية ولا وجود مستقل للفكر الفردي الا في بنية فكرية متكاملة تحدد موقعه بالنسبة لافكار اخرى تضمها وحدة بنية أي وحدة تطور .
4- البنية الفكرية هي التي يتحدد فيها فكر الفرد بنية وتطورا أي التربة الواحدة التي تنبت عليها افكار متعددة قد يبلغ الاختلاف فيها حد التناقض الا ان جذورها تمتد في تربة واحدة تحدد لها طبيعة نشاتها ومجال تطورها . ان لهذه البنية الفكرية طابعا اجتماعيا وتاريخيا يحدده وضعها في البنية الاجتماعية الشاملة في اطار البنية الايديولوجية الخاصة بهذه البنية الاجتماعية. البيئة الفكرية تحمل طابعا اجتماعيا طبقيا وهي الاطار الذي يتحدد فيه الوعي الايديولوجي الخاص بطبقة اجنماعية معينة والصراع بين هذه الايديولوجيات أي بين مختلف البيئات الفكرية هو شكل من اشكال الصراع الطبقي أي مظهر من مظاهر الصراع السياسي في البنية الاجتماعية.
5- البيئة الايديولوجية اعم واشمل من البيئة الفكرية فهي الحقل الاجتماعي لتطور الفكر وتضم في اطار بنيوي واحد بنيات فكرية مختلفة واشكالا ايديولوجية مختلفة من اشكال الوعي الاجتماعي كالاشكال الحقوقية والفنية والفنية والدينية انها الوحدة البيوية لمختلف اشكال الوعي الاجتماعي . ان البيئة الايديولوجية هي وحدة تناقضية لبنيات فكرية متصارعة تعكس في الفكر صراعا هو في حقيقته الاجتماعية صراع طبقي وتحاول الطبقة الحاطمة ان تظهره كصراع بين افراد يحملون افكارا مجردة كمحاولة لتفتيت عدوها الطبقي . يحدد مهدي عامل اهمية النشاط النظري مؤكدا المقولة المعروفة ” لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية ” حيث يصير الفكر ” قوة مادية فاعلة في التاريخ حين يتجسد في الممارسة السياسية ويبقى تاملا اذا لم يتجسد في نضال ثوري ” ، و ” ان الممارسة السياسية – أي الصراع الطبقي للقوى الاجتماعية لا يمكن ان تكون بالفعل ثورية الا اذا استندت الى نظرية ثورية ” .

مخطط الجهاز المفاهيمي للمفكر الشهيد مهدي عامل / فرحان قاسم

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات