الثلاثاء , 22 أغسطس 2017
فلاديمير لينين :البورجوازية والثورة المضادة

فلاديمير لينين :البورجوازية والثورة المضادة

501

البورجوازية والثورة المضادة

كانت روسيا فى عام 1905 فى ذروة مدها الثورى . فقد كنست البروليتاريا دوما بوليجين وجذبت الجماهير لصراع مكشوف ضد الاوتوقراطية . والان ونحن فى اكتوبر 1907 فإننا فى ادنى نقطة جزر من الصراع الجماهيرى المكشوف . ولكن فترة الهبوط التى اعقبت هزيمة ديسمبر 1905 جلبت معها ليس فقط ازدهارا للاوهام الدستورية ، وانما تبديدا كاملا لهذه الاوهام . فبعد حل مجلسي الدوما وانقلاب 3 يونيو ، فإن الدوما الثالث ، الذى سوف ينعقد ، يضع بوضوح نهاية لفترة الاعتقاد فى امكان قيام تعايش سلمى بين الاوتوقراطية والتمثيل الشعبى ويشير لحقبة جديدة فى تطور الثورة .
تفرض المقارنة نفسها فى لحظة كهذه ، بين الثورة والثورة المضادة فى روسيا ، بين فترة الهجوم الثورى ( 1905 ) وبين فترة لعب الثورة المضادة بالدستور ( 1906 – 1907 ) كنتيجة منطقية . وهذه المقارنة متضمنة فى اى محاولة لتحديد خط سياسي للمستقبل القريب . معارضة ” اخطاء الثورة “او ” الاوهام الثورية ” ب ” العمل الدستورى الايجابى ” هى الفكرة الاساسية فى الادب السياسي هذه الايام . يصرخ الكاديت بذلك فى اجتماعاتهم ماقبل الانتخابية . وتنشد الصحافة الليبرالية ، وتنوح ، وتتبجح بها . ولدينا هنا السيد ستروفه ، الذى يصب جام غضبه بعنف واحتقار على الثوريين لأن آماله فى اجراء ” مساومة ” قد تبددت كليا . ولدينا هنا ميليوكوف ، رغم مسلكه الجزويتى المتصنع ، فقد اضطره مجرى الاحداث الى ان ينطق بهذا التصريح الواضح ، الدقيق ، وقبل كل شئ الصادق بأن ” الأعداء على اليسار ” . لدينا هنا ناشرون من نفس لون جريدة تافاريش ، مثل كاسكوفا ، سميرنوف ، بليخانوف ، جورن ، يوردانسكى ، شيريفانين وآخرون الذين يستنكرون نضالات اكتوبر – ديسمبر بوصفها حماقة ، ويروجون بدرجة او بأخرى من العلنية لإئتلاف ” ديموقراطى ” مع الكاديت . تعبر العناصر الكاديتية الحقيقية فى هذا التيار العكر عن المصالح البورجوازية المضادة للثورة والخنوع الذى لاحد له لابتذال المثقفين . اما بالنسبة للعناصر التى لم تغرق بعد لنفس المستوى الذى بلغه السيد ستروفه ، فإن سمتهم الاساسية هى اخفاقهم فى فهم الارتباط بين الثورة والثورة المضادة فى روسيا ، وعدم قدرتهم على رؤية كل شئ خبرناه بوصفه حركة اجتماعية متكاملة تتطور بالتوافق مع منطق تطورها الداخلى .
لقد اظهرت فترة الهجوم الثورى فى العمل التركيب الطبقى لسكان روسيا وموقف مختلف الطبقات ازاء الاوتوقراطية القديمة . لقد علمت الاحداث الجميع الان ، بمن فيهم هؤلاء الغرباء كلية عن الماركسية ، ان يعتدوا بحوليات الثورة منذ 9 يناير 1905 ، اى ، من الحركة السياسية الاولى الواعية للجماهير التى تنتمى الى طبقة محددة بمفردها . حينما استنبط الاشتراكيون الديموقراطيون من تحليل وقائع روسيا الاقتصادية ، الدور القيادى ، وهيمنة البروليتاريا فى ثورتنا ، بدا ذلك وكأنه غواية نظريين غارقين فى الكتب . وقد صادقت الثورة على نظريتنا ، لانها النظرية الثورية الوحيدة حقا . تسنمت البروليتاريا موضع القيادة كل الوقت . وقد برهن الاشتراكيون الديموقراطيون بالفعل انهم طليعة البروليتاريا . لقد تطور الصراع الجماهيرى تحت قيادة البروليتاريا بسرعة ملحوظة ، اسرع مما توقع عديد من الثوريين بكثير . وفى مجرى عام واحد بلغ اكثر اشكال الهجوم الثورى حسما عرفها التاريخ وصولا الى – الاضرابات الجماهيرية والانتفاضات المسلحة . ومضى تنظيم الجماهير البروليتارية الى الامام بسرعة مدهشة فى مجرى الصراع نفسه . اتبعت اقسام اخرى من السكان تضم المراتب المقاتلة للشعب الثورى ، قيادة البروليتاريا وبدأت فى ان تنظم نفسها . وبدأت كتلة اشباه البروليتاريين من انواع مختلفة من العمال غير اليدويين فى ان تنظم ، وتبعتها الديموقراطية الفلاحية ، والانتليجنسيا المهنية ، وما الى ذلك . كانت فترة الانتصارات البروليتارية هى فترة نمو للتنظيم الجماهيرى بشكل لاسابق له فى التاريخ الروسي بل وواسع حتى بالمعايير الاوروبية . لقد كسبت البروليتاريا لنفسها فى تلك الآونة بضع تحسينات فى ظروف عملها . ونال جمهور الفلاحين ” حدا ” للسطة التحكمية لملاك الارض ومبالغ اقل لايجارات وبيع الارض . ونالت روسيا كلها درجة معتبرة من حرية الاجتماع ، والكلام وتكوين الجمعيات ، ودفعت الاوتوقراطية لأن تشجب ممارساتها القديمة وتعترف بالدستور .
ان كل ماكسبته حركة التحرر فى روسيا حتى الآن انما كسبته كلية وحصريا من خلال النضال الثورى الجماهيرى بقيادة البروليتاريا .
بدأت نقطة التحول فى النضال مع هزيمة انتفاضة ديسمبر ، واتجهت الثورة المضادة خطوة فخطوة الى الهجوم حيث ضعف النضال الجماهيرى . كان هذا النضال فى فترة الدوما الاولى مازال ظاهرا لحد هائل فى تعاظم الحركة الفلاحية ، وفى الهجمات المنتشرة على اعشاش ملاك الارض شبه الاقطاعيين ، وفى بضع تمردات فى اوساط الجنود .
هاجمت الرجعية ببطء فى هذا الوقت ، ولم تجرؤ على ان تقوم بانقلاب فورى . تصرفت بشكل اكثر جرأة بعد قمع انتفاضتى سفيبورج وكرونشتادت فقط فى يوليو 1906 ، حينما ادخلت نظام المحاكم العسكرية ، بدأت تدريجيا فى حرمان السكان من حق الانتخاب ( تفسيرات مجلس الشيوخ ) ( 1 ) ، واخيرا طوقت الدوما الثانى تماما بحصار بوليسي واطاحت بكامل الدستور الشهير . استبدلت كل التنظيمات الجماهيرية الحرة المؤسسة ذاتيا فى هذا الوقت ب ” النضال القانونى ” ضمن اطار الدستور البوليسي كما يفسره اتباع دوباسوف وستوليبين . وحلت قوة الكاديت محل جبروت الاشتراكيين الديموقراطيين ، الذين هيمنوا على مجلسي الدوما . لقد كانت فترة هبوط الحركة الجماهيرية هى فترة ذروة تطور حزب الكاديت . وقد استغل هذا الهبوط بتصدره المقدمة بوصفه ” بطل ” الدستور . لقد عزز الايمان بالدستور وسط الشعب بكل قوته وبشر بالحاجة بالالتزام بدقة بالنضال ” البرلمانى ” .
ان افلاس ” دستور الكاديت ” هو افلاس تاكتيكات الكاديت وهيمنة الكاديت فى النضال التحريرى . يصبح الطابع الطبقى الانانى لكل حديث ليبراليينا عن ” اوهام الثورة ” و ” اخطاء الثورة ” واضحا بجلاء حينما نقارن بين فترتي الثورة . لقد حقق النضال البروليتارى الجماهيرى مكاسب لكل الشعب . ولم تحقق القيادة الليبرالية شيئا سوى الهزائم . لقد رفع هجوم البروليتاريا بثبات الوعى السياسي لللجماهير وكذلك درجة تنظيمها . وقد وضع بشكل متزايد اهدافا اعلى امامها ، ودفعها للمشاركة المستقلة فى الحياة السياسية ، كما علمها القتال . ان هيمنة الليبراليين خلال فترتى مجلسي الدوما قد خفضت الوعى السياسي للجماهير ، ودهورت تنظيمهم الثورى ، وعتمت ادراكهم للاغراض الديموقراطية .
لقد قدم الليبراليون فى الدوما الاولى والثانية عرضا فخما ل ” النضال ” القانونى الذليل ، الذى كانت نتيجته ان كنس مروجوا القنانة الاوتوقراطيون الجنة الدستورية لثرثارى الليبرالية بجرة قلم وهزأوا بالدبلوماسية الماكرة لزوار الغرف الخلفية الوزارية . ليس لدى الليبراليين مكسب واحد يعرضوه ، طوال مسار الثورة الروسية ، ولانجاح واحد ، ولامحاولة ديموقراطية واحدة ، لتنظيم قوى الشعب فى النضال من اجل الحرية .
حافظ الليبراليون حتى اكتوبر 1905 ، احيانا على حياد خيرى ازاء نضال الجماهيرالثورى ، ولكنهم كانوا قد بدأوا فى هذا الوقت فى معارضته بالفعل ، مرسلين وفدا للقيصر مصحوبا بخطابات ذليلة تدعم دوما بوليجين ولم يكن ذلك بسبب طيش او عدم تفكير ، وانما بسبب عداوة محضة للثورة . كان كل مافعله الليبراليون بعد اكتوبر 1905 هو الخيانة الشائنة لقضية حرية الشعب .
ارسلوا السيد ستروفه فى نوفمبر 1905 ، ليجرى حديثا وديا مع السيد ويتى . وفى ربيع 1900 قوضوا المقاطعة الثورية ، وبرفضهم التعبير بصراحة عن رفضهم للقرض حتى تسمع اوروبا ، ساعدوا الحكومة فى ان تحصل على ملايين الروبلات لغزو روسيا . وفى صيف 1900 واصلوا المساومات الخفية مع تريبوف ( 2 ) حول المناصب الوزارية وحاربوا “اليسار” اى الثورة فى الدوما الاول . وشهدهم يناير 1907 يركضون مرة اخرى نحو السلطات البوليسية ( دعوة ميليوكوف لستوليبين ) . فى ربيع 1907 ساندوا الحكومة فى الدوما الثانى . فضحت الثورة الليبراليين بغاية السرعة واظهرتهم فى الوانهم الحقيقية المعادية للثورة .
وفى هذا الصدد خدمت فترة الامال الدستورية غرضا غاية فى الفائدة بقدر مايتعلق الامر بالشعب . ان تجربة الدوما الاول والثانى لم تجعله يدرك فقط مدى حقارة الدور الذى تلعبه الليبرالية فى الثورة تماما فى ثورتنا . بل انها قمعت ، فى الواقع الفعلى ، محاولة قيادة الحركة الديموقراطية من قبل حزب لايمكن ان يعتبر الا من قبل اطفال او شيوخ مخرفين ” ديموقراطيا ” دستوريا بالفعل .
لم يكن التركيب الطبقى للديموقراطيين البورجوازيين واضحا بعد لكل واحد عام 1905 وبدايات 1906. الامال فى ان الاتوقراطية يمكن ان تقترن بتمثيل حقيقى بهذه الدرجة او تلك للجماهير العريضة من الشعب لم تراود الجهلة وسكان المناطق السفلى من العشوائيات فقط . فلم تكن مثل هذه الآمال غائبة حتى فى دوائر الاوتوقراطية . لماذا يمنح القانون الانتخابى فى كل من دوما بوليجين وويتى درجة معتبرة من التمثيل للفلاحين ؟ لأن الاعتقاد فى المشاعر الملكية فى الريف مازال طاغيا . ” سوف يساعدنا الموجيك ” – هذا الهتاف لصحيفة رسمية فى ربيع 1906 عبر عن اعتماد الحكومة على محافظة الكتلة الفلاحية . لم يكن الكاديت فى هذه الايام مدركين للتناحر بين ديموقراطية الفلاحين والبورجوازية الليبرالية ، بل انهم خشوا حتى من تخلف الفلاحين ورغبوا فى شئ واحد فقط – هوان يساعد الدوما على تحويل الفلاح المحافظ او اللامبالى الى ليبرالى . وفى ربيع 1906 ، عبر السيد ستروفه عن رغبة طموحة حينما كتب ، ” سوف يتحول الفلاح فى الدوما الى كاديت ” . فى صيف 1907 ، رفع السيد ستروفه نفسه راية الصراع ضد الترودوفيك او الاحزاب اليسارية ، التى اعتبرها العقبة الاساسية فى طريق الوصول لاتفاق بين الليبرالية البورجوازية والاوتوقراطية . وفى مجرى ثمانى عشر شهرا غير الليبراليون شعار النضال من اجل التنوير السياسي للفلاحين الى شعار النضال ضد ” المغالاة ” فى تربية الفلاحين سياسيا ومتطلباتهم !
يعبر هذا التغيير فى الشعارات بوضوح مابعده وضوح عن الافلاس الكامل لليبرالية فى الثورة الروسية . لقد ثبت ان العداوة الطبقية بين جمهور السكان الديموقراطى الريفى وملاك الارض شبه الاقطاعيين اعمق بما لايقاس مما تخيله بجبن الكاديت معدومى الذكاء . ولهذا السبب اخفقت محاولتهم فى ان ينتزعوا قيادة النضال من اجل الديموقراطية سريعا وبلا رجعة . ولذا آل الى فشل تام هدف كل ” خطهم ” لمصالحة كتلة البورجوازية الصغيرة الديموقراطية من الشعب مع ملاك الارض من الاوكتوبريين والمائة السود . لقد تمخضت فترة الثورة المضادة لمجلسي الدوما عن مكسب عظيم ، وان كان سلبيا ، وهو افلاس ” ابطال ” ” حرية الشعب ” الخونة . لقد اطاح الصراع الطبقى الجارى من اسفل بابطال الغرف الوزارية الخلفية هؤلاء ، وحولهم من مطالبين بالقيادة الى خدم عاديين للنزعة الاوكتوبرية وقد طليت قليلا بطلاء دستورى .
ان من يظل يخفق فى الا يرى افلاس الليبراليين ، رغم انه عاين اختبارا عمليا لجدارتهم كأبطال للديموقراطية ، او على الاقل كمقاتلين فى الصفوف الديموقراطية ، لم يفهم شيئا مطلقا عن التاريخ السياسي لمجلسى الدوما . ومن ضمن هؤلاء الناس من يكررون بشكل ممل الصيغة المحفوظة عن دعم الديموقراطية البورجوازية التى تصبح عويلا معاديا للثورة . لايجب على الاشتراكيين الديموقراطيين ان يأسفوا على تبدد الاوهام الدستورية . وعليهم ان يقولوا ماقاله ماركس عن الثورة المضادة فى المانيا : لقد كسب الشعب حين خسر اوهامه . ( 3 ) كما كسبت الاشتراكية الديموقراطية فى روسيا بخسارة القادة الذين لاقيمة لهم والحلفاء المنهارين . وهذا افضل للغاية للتطور السياسي لهذه الديموقراطية .
ويبقى ان على حزب البروليتاريا ان يحرص على ان تتمعن الجماهير العريضة بعمق اكبر فى الدروس السياسية القيمة لثورتنا والثورة المضادة وأن تستوعب جوهرها . لقد شهدت فترة الهجوم على الاوتوقراطية انتشار قوى البروليتاريا وعلمتها اساسيات التكتيكات الثورية ، كما بينت شروط نجاح النضال المباشر للجماهير ، الذى تمكن وحده من ان يحقق تحسينات لها قدر من الاهمية . ان الفترة الطويلة التى استعدت فيها البروليتاريا ، وتدربت ، وتنظمت ، سبقت اعمال مئات الالاف من العمال التى وجهت ضربة مميتة للاوتوقراطية فى روسيا . ان العمل المستديم التدريجى فى قيادة كل مظاهر الصراع الطبقى البروليتارى ، عمل بناء حزب قوى ومتمرس سبق انفجار النضال الجماهيرى الحقيقى وقدم الشرط الضرورى لتحويل هذا الغضب الى ثورة . والآن على البروليتاريا بوصفها طليعة الشعب المقاتلة ان تقوى تنظيمها ، وأن تزيل كل العفن الاخضر لانتهازية المثقفين ، وتستجمع قوتها لجهود مستديمة عنيدة مماثلة . ان المهام التى طرحها التاريخ والمركز الموضوعى للجماهير العريضة على الثورة الروسية لم تحل بعد . كما لم يقض على عناصر من الازمة القومية السياسية ، وانما ، على النقيض فقد تفاقمت على نحو اعمق واشد اتساعا . سوف يضع مقدم هذه الازمة البروليتاريا على رأس حركة كل الشعب مرة اخرى . وعلى حزب العمال الاشتراكى الديموقراطى ان يكون مستعدا لهذا الدور . والتربة التى خصبتها احداث 1905 والاعوام التالية سوف تثمر حصادا اغنى بعشر مرات . اذا كان بمقدور حزب يضم عدة الاف من الاعضاء الواعين طبقيا من اعضاء الطبقة العاملة ان يحشدوا مليون بروليتارى خلفهم فى نهاية عام 1905 ، اذن ، اليوم حينما يكون لدى الاشتراكيين الديموقراطيين عشرات الالاف ممن جربوا واختبروا فى الثورة ، الذين اصبحوا ومازالوا اكثر ارتباطا بوثوق مع جمهور العمال خلال النضال ذاته ، سوف يحشدوا عشرات الملايين خلفه ويسحقوا العدو .
لقد تبلورت المهام الديموقراطية والاشتراكية لحركة الطبقة العاملة فى روسيا بشكل اكثر حدة وطرحت فى الصدارة بشكل اكثر الحاحا تحت تأثير الاحداث الثورية . و يتزايد الصراع ضد البورجوازية لدرجات اعلى . يتحد الرأسماليون فى جمعيات قومية ، ويتوحدون بشكل اكثر وثوقا مع الحكومة ، ويلجأون فى الاغلب لوسائل متطرفة فى النضال الاقتصادى ، بما فيها الاغلاقات التعجيزية على نطاق واسع حتى ” يلجموا ” البروليتاريا . ولكن الطبقات التى تمر بطور السبات فقط هى من تخشى الاضطهاد . كلما حقق الراسماليون نجاحات بمنتهى السرعة كلما نمت البروليتاريا فى العدد والوحدة . ان التطور الاقتصادى لروسيا ولكل العالم هو ضمان لعدم قابلية البروليتاريا للهزيمة . لقد بدأت البورجوازية اولا فى التشكل كطبقة ، بوصفها قوة متحدة سياسية واعية خلال ثورتنا . وبدرجة اكبر سوف يتنظم العمال بفعالية فى طبقة متحدة فى روسيا كلها . وكلما اتسعت الفجوة بين عالم راس المال وعالم العمل ، سوف يتجلى اكثر الوعى الاشتراكى للعمال . وسوف يصبح التحريض الاشتراكى وسط البروليتاريا ، الذى اغنته تجربة الثورة ، اكثر تعينا وتحددا . ان التنظيم السياسي للبورجوازية هو افضل حافز للتشكل المحدد لحزب العمال الاشتراكى .
ان اهداف هذا الحزب فى النضال من اجل الديموقراطية يمكن ان تعتبر قابلة للجدل فقط من قبل المثقفين المتعاطفين ، الذين يبدون استعدادهم للتوجه نحو الليبراليين . غير ان هذه الاهداف بالنسبة لجمهور العمال قد باتت ملموسة بوضوح فى لهيب الثورة . تعلم البروليتاريا من التجربة ان الفلاحين هم الاساس والاساس الوحيد للديموقراطية البورجوازية كقوة تاريخية فى روسيا . وقد تصرفت البروليتاريا على النطاق القومى بالفعل بوصفها قائد هذا الجمهور فى النضال ضد ملاك الارض شبه الاقطاعيين والاوتوقراطية ، ولايمكن لقوة الان ان تحرف حزب العمال عن طريقه القويم . ان دور حزب الكاديت الليبرالى ، الذى قاد الفلاحين تحت راية الديموقراطية تحت جناح النزعة الاوكتوبرية قد انتهى ، وسوف يواصل الاشتراكيون الديموقراطيون برغم العويل الفردى ، عملهم فى شرح ان الديموقراطيين البورجوازيين لايمكن ان يفعلوا مايريدون ان يفعلوا مالم ينفصلوا مرة والى الابد عن اتباع النزعة الاوكتوبرية .
لايمكن لأحد ان يخبرنا فى هذه المرحلة عن اى الاشكال يمكن ان تتخذها الديموقراطية البورجوازية فى روسيا فى المستقبل . يحتمل ان يقود افلاس الكاديت لتشكيل حزب ديموقراطى فلاحى ، حزب جماهيرى حقيقى ، وليس تنظيما للارهابيين مثلما كان الحال بشأن الاشتراكيين الثوريين وماهم عليه الان . ومن الممكن ايضا ان تعوق الصعوبات الموضوعية تحقيق الوحدة السياسية داخل البورجوازية الصغيرة من تشكيل مثل هذا الحزب ، وربما لوقت طويل فى المستقبل ، سوف تبقى الديموقراطية الفلاحية فى حالتها الحالية مرتخية ، هلامية لاشكل لها مثل جمهور الترودوفيك . وفى الحالتين فخطنا واحد وهو ان نضرب القوى الديموقراطية بنقد لايرحم لكل الترددات ، بنضال لايساوم ضد االديموقراطيين الذين يلتحقون بالليبراليين الذين برهنوا على مناهضتهم للثورة .
كلما تتوغل الرجعية ، كلما يصبح المائة السود وملاك الارض اكثر عنفا ، وكلما سيطروا على الاوتوقراطية ، كلما تباطأ التقدم الاقتصادى لروسيا وتحررها من بقايا القنانة . وهذا يعنى انه ، كلما بقى الوعى الطبقى اقوى واوسع وتطورت الديموقراطية المناضلة داخل الجماهير الحضرية والريفية البورجوازية الصغيرة . كلما قويت اكثر المقاومة الجماهيرية للمجاعات ، والطغيان ، والانتهاكات التى يتعرض لها الفلاحين من قبل الاكتوبريين . وسوف يراعى الاشتراكيون الديموقراطيون انه حينما ينفجر حتما النضال الديموقراطى بقوة جديدة ، ان عصبة المهنيين الليبراليين المسماة حزب الكاديت لن تقسم مرة اخرى الصفوف الديموقراطية وتنشرالتنافر بينهم . اما مع الشعب او ضد الشعب ، هذا هو البديل الذى وضعه الاشتراكيون الديموقراطيون لكل من يدعون القيام بدور القادة ” الديموقراطيين ” فى الثورة .
وحتى الان لم يكن كل الا شتراكيين الديموقراطيين قادرين على ان يتابعوا هذا الخط باتساق وثبات ، بل ان بعضهم قد وثقوا فى وعود الليبراليين ، واغمض الاخرون عيونهم عن مغازلة الليبراليين للثورة المضادة . والان لدينا الخبرة التربوية لتجربتى مجلسى الدوما الاولين .
لقد علمت الثورة البروليتاريا ان تشن نضالا جماهيريا . لقد بينت الثورة ان البروليتاريا قادرة على ان تقود الجماهير الفلاحية فى النضال من اجل الديموقراطية . لقد وحدت الثورة الحزب البروليتارى الخالص وبشكل اوثق بعد طرح العناصر البورجوازية الصغيرة منه . وعلمت الثورة المضادة ديموقراطيى البورجوازية الصغيرة ان يكفوا عن البحث عن القادة والحلفاء فى صفوف الليبراليين الذين يخشون لحد الموت النضال الجماهيرى . ويمكننا ان نقول بجرأة لحكومة المائة السود من ملاك الارض تأسيسا على دروس التاريخ هذه : واصلوا نفس النهج ، ايها السادة ستوليبين وشركاه ! فسوف نحصد ثمار ماتبذرونه !
هوامش
(1 ) تفسيرات مجلس الشيوخ – هى تفسيرات لقانون 24 ديسمبر 1905 الذى يحكم الانتخابات الى الدوما وقد اصدره مجلس الشيوخ عشية الانتخابات للدوما الثانى . وبهذه التفسيرات حرم المجلس طوائف اخرى من السكان من حق الانتخاب العام .
(2 ) تريبوف ، د . ف . – الحاكم العام لسانت بطرسبورج ، مشهور بكونه ملهم انتهاكات المائة السود وبقمعه الوحشى لثورة 1905 .
(3 ) انظر كارل ماركس ، “الثورة المضادة البروسية والفئة القضائية البروسية ” ( كارل ماركس ، فريدريك انجلز ، الاعمال الكاملة ، الجزء السادس ، ص 138 ، برلين ، ديتز فيرلاج ، 1959 . بالالمانية .
المصدر : ف . ا . لينين ، الاعمال الكاملة ، المجلد 13 ، ص ص 114 – 122 ، دار التقدم ، موسكو ، 1972 .

عن sawat chaabe

Profile photo of sawat chaabe

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات