الأربعاء , 18 أكتوبر 2017

الحزب الشيوعي – سعيد الوجاني


منذ سبعينات القرن الماضي والحركة الماركسية اللينينية المغربية تبحث في مسألة بناء الحزب الماركسي اللينيني الذي سيقود ثورة العمال والفلاحين لبناء الجمهورية الديمقراطية الشعبية . بطبيعة الحال لقد تناسلت الدراسات والاجتهادات حول هذا الموضوع ، لكن من حيث المجال العملي ، والى الآن لا نقول ان الماركسيين المغاربة قد عجزوا عن انشاء هذا الحزب ذي الطراز الخلاق ، بل لقد تراجعوا عن عملية التأسيس بفعل تراكمات فرضت نفسها في الساحة ، وكانت خارج ارادة المجتهدين . هكذا سنجد ، ان نخبة من منظمة الى الامام وهم الاكثرية قد رفعوا شعار بناء الحزب الماركسي اللينيني في ظروف عصيبة ومحرجة ” لنبني الحزب تحت نيران العدو ” ، والى الآن لم يتم بناء هذا الحزب الذي تحولت مشاريعه بين التنظيم وبين التيار ، في حين ذهب بعضهم الى خلق ” البديل الجذري ” كتيار وليس كحزب ، بل ليس حتى كمنظمة على غرار منظمة الى الامام التي تأسست في 20 غشت 1970 ، في حين نجد مجموعات اخرى عبارة عن فلول ومجموعات توظف العناوين الكبرى لإثارة الانتباه او لخلط الاوراق ، او من اجل التمسك بقشة بعير رغم انهم تنظيميا لا يتجاوزون النضال على مستوى النت . وبالرجوع الى الساحة الوطنية سنجد ان جماعات اليسار الماركسي تتوزع بين الستاليني وبين الماوي وبين اللينيني وبين التروتسكي ، بل هناك من يحن حتى الى تجربة انوار خوجة وهناك من يحن الى تجربة فيديل كاسترو وهناك من يحن الى جوزيف بروز تيتو . لكن ان ما يجمع هؤلاء ، هو انهم والى الآن لم يصلوا الى انشاء الحزب الماركسي اللينيني ، ويعيشون كمجموعات متناثرة هناك وهناك ، سواء في اطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي يعج بمختلف التيارات الماركسية ، او من خلال التواجد كتيار كذلك في بعض الاطارات النقابية مثل (ك د ش ) ( ا م ش ) . لكن هل ما وصلت اليه المجموعة اليمينية التي تتكلم باسم منظمة الى الامام ، بإنشائها حزب النهج الديمقراطي ، هو قمة ما تفتقت عبقرية المجموعة في انجازه ، مع العلم ان حزب النهج لا علاقة له بالحزب الذي تم التنظير له غداة تأسيس منظمة الى الامام في 20 غشت 1970 ؟ . كذلك هل تأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، كان قمة ما وصلت اليه المجموعة اليمينية التي انسلخت عن تجربة منظمة 23 مارس ، وهل حل المنظمة وانخراطها كأعضاء وليس كتيار مع مجموعات ماركسية اخرى ، وإنشائهم الحزب الاشتراكي الموحد ، كان قمة ما وصلت اليه المجموعة ، مع العلم ان لا علاقة تجمعه بماضي ومشروع الحزب كما تم التنظير له غداة الانفصال عن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 23 مارس 1970 ؟ .
ان جميع الباحثين السياسيين ، وأساتذة علم السياسة ، وجميع المثقفين العضويين والمناضلين الجذريين ، يعرفون ان فلاديمير لينين ، هو المؤسس الحقيقي للحزب الماركسي اللينيني ، الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي . كما ان الجميع يعلم المقدرات الكبيرة التي كانت للحزب في قيادة البلاشفة ، وعموم الشعب بالظفر بالحكم . وبقيادة لينين اجتاز البلاشفة المسار الطويل الذي وحّد جميع الحلقات والانوية الثورية المتناثرة التي ظهرت في روسيا في العقود الاخيرة من القرن التاسع عشر ، حتى التنظيم الكبير الذي حرك الدولة الاشتراكية الاولى في العالم . ولينين لم يشكل فقط اطر ومناضلي الحزب الروسي التي قامت بثلاث ثورات ، بل لقد صاغ لجميع البلدان القواعد التنظيمية ، والدعائم الايديولوجية والسياسية للحزب الماركسي اللينيني الثوري . لهذا فان معظم الماركسيين المغاربة قد منحوا في وقت من الاوقات اهمية كبيرة لمسألة بناء الحزب الثوري الذي سيقود الثورة الى اهدافها المرسومة ، لكن مع مرور الوقت فان اغلبهم تحولوا الى انتهازيين يقللون من قيمة المفهوم المادي للتاريخ بقصد تجاهل الدور النشيط للقيادة والتوجيه الذي يمكن وينبغي ان تلعبه الاحزاب الثورية في التاريخ عندما تدرك وبالمرة الشروط المادية للثورة ، وبعد ان تضع نفسها على رأس الطبقات الطليعية . ان تأسيس حزب النهج الديمقراطي ضمن القوانين المسطرة لممارسة الحريات الاساسية ، هي عودة لمفهوم الحزب الاشتراكي الديمقراطي اليميني ، كما ان تأسيس تيار بذيل وليس الحزب هو نزعة يسراوية شأنها شأن النزعة اليمينية ، تكون مضرة بالحزب وبالمشروع المجتمعي الذي ينظر له الثوريون المرتبطون بالمفهوم اللينيني للحزب . وهنا الم يكن كتاب لينين ” ما العمل ؟ ” وكتابه ” خطوة الى الامام ، خطوتان الى الوراء ” قد وجها ضربات ساحقة الى الاقتصاديين ، والى جميع الانتهازيين الذين كانوا يمجدون بحماس منقطع النظير ، الكفاح العفوي للحركة العمالية ، وينفون اهمية النظرية الثورية ، ويحرفون الحركة العمالية الخبزية عن العمل السياسي ؟ لقد علق لينين اهمية كبرى على القضية التنظيمية ، لأنه اعتبرها ، تجسد الانصهار الكلي للحركة العمالية مع النظرية العلمية ، مما يفسر ان القضية التنظيمية عند الماركسيين الثوريين وليس التحريفيون النهجويون او المتياسرون الجذريون او الاماميون الثوريون ، هي قضية سياسية مركزية . قال جزيف ستالين قولته الشهيرة ” المسألة التنظيمية هي شكل التوسط بين النظرية والممارسة ” وقال لينين ” لا يمكن فصل المسائل السياسية ميكانيكيا عن مسألة التنظيم ” . فالتنظيم اذن هو القضية الجوهرية والمحورية عند الماركسيين اللينينيين ، بخلاف التروتسكيين والتحريفيين واليمنيين الاشتراكيين الديمقراطيين . اذن هنا يظهر السبب في عدم تمكن مختلف الحركات الماركسية التي ظهرت منذ بداية سبعينات القرن الماضي ، واستمرت في قوالب مختلفة بفعل تبريرات ارتدادية ، من بناء الحزب الماركسي اللينيني ، وتحولها الى مجموعات لا تزال تبحث عن حزب دون ان تجده منذ اكثر من اربعة وأربعين سنة خلت .
ان من احد مبادئ لينين الاساسية ، هو ان الحزب لا يقبل ان يكون اعضائه بمثابة هواة متطفلين عليه ، يقضون جل اوقاتهم في الحانات وممارسة النضال النميمة في المقاهي ، لأن الحزب لا يمكن ان يتألف من شيوعيين يعملون وآخرين يتفرجون او ينتقدون . وهذا بخلاف ما ذهب اليه اليميني مارتوف مدعوما بتروتسكي من تنظيم الحزب على قاعدة مبهمة مضللة وغير واضحة ، باقتراحهم ، ان يعتبر بمثابة اعضاء في الحزب ذاته ، حتى العناصر المترددة التي لم تكن تنتسب شخصيا الى اي من منظماته . واذا كانت هذه هي الاستراتيجية التي سارت عليها منظمة الى الامام في عنفوان شبابها ، إلاّ انها مع الزمن وتوالي الانكسارات ، تخلت جميع مجموعاتها التي ظهرت بأشكال مختلفة عن هذه القاعدة التي استبدلتها مجموعة النهج الديمقراطي ومجموعة الاماميون الثوريون والبديل الجذري … لخ 
في مسألة الارتباط بالجماهير :
اذا عدنا الى تاريخ تجربة المنظمات الماركسية اللينينية المغربية ، وفي ارتباطها وعلاقتها بالجماهير ، سنجد انها من حيث مستوى ومجال الدعاية كانت جميع الخرجات تجد لها تبريرات ومحطات اجتماعية مختلفة ، فكل حدث جماهيري وان كان من مستوى محدود إلاّ وكانت تعطيه حجما اكبر منه ، وتستعمله حجية على صواب النظرية والحركة ، مثلا احداث ” اولاد اخليفة ” ” انتفاضة 23 مارس ” .. لخ . من هنا تم رفع شعار ” لكل معركة جماهيرية صداها في الجامعة ” ، وهذا يعني ان الذي يفعل في الساحة ليس تلك المنظمات المحصورة ضمن مجال المثقفين ، وفي اطار نقابات طلابية تتميز بالانتقالية ، بل ان ما كان ’يركب عليه لتسويغ الشعارات الظرفية ، هو تحرك مواطنين هنا او هناك ، والركب على هذه الاحداث لإعطائها بعدا ثوريا ، وان كان فقط من باب الدعاية والرفع من الهمم الدنكشوطية . وهنا نتساءل هل كان لمنظمات الحركة الماركسية اللينينية المغربية ارتباط فعلي بالجماهير الغارقة في الجهل والتخلف ، فأحرى ان تستوعب فهم وإدراك الادبيات الماركسية التي يعجز ’مدبلمون ( دبلوم ) متخرجون من الكلية على فهمها ؟ ان هذا يعني ان تلك الحركات التي كانت ترفع شعارات العمال والطبقة الشعبية والجماهير المغربية ، كانت فعليا غريبة عن هذه الطبقات التي ارتبطت معها فقط بالتنظير وعن بعد . وهذا ما جعل منظمات الحركة الماركسية اللينينية المغربية تحكم على نفسها بالغربة عن وسط مجتمعي تتقاذفه امواج بدون بوصلة . الم يكن اشد عدو لهذه الحركات والمنظمات ، هو تلك الجماهير الجاهلة التي اختزلت الماركسيين في موضوع الالحاد والعداوة للدين ؟ الم تكن تلك الجماهير اشد ارتباطا بالمناهج الغيبية والثيوقراطية من علاقتها وارتباطها بالتنظيمات الماركسية التي كانت تجهلها اصلا ؟
ان الحزب بصفته طليعة ثورية لا يجب ان ينقطع عن الجماهير ، بل يجب ان يعمل المستحيل ليقيم معها اوثق العلائق والعلاقات ، وان يكون بصفته هذه مترجما لحاجات الشعب الخلاقة ومعبرا عنها ، ولا يفرض نفسه مكان الشعب او يتكلم باسمه ونيابة عنه . لقد كان لينين مثل ماركس يرى في التاريخ ابداعات ما تقوم به الجماهير ، ولم يكن ابدا يضع قضايا الاشتراكية في المجرد ، وخارج القضايا اليومية لصراع الطبقات في المجتمع .
وضد ما كان يدعيه التحريفيون الانتهازيون واعتداء البلشفية من المتياسرين النخبويين من امثال النهج والبذيل والاماميون والتروتسكيون ، فان علاقة الحزب بالجماهير ليست علاقة سلطوية وصائية استبدالية عن الطبقة ، كما انها ليست علاقة ادارية ، ولا علاقة ابوية وتربوية بصورة جافة يكون دور الحزب فيها تلقين الدرس للشغيلة بروح الاكتفاء والتشيع — ( لم يكن لينين ابدا يتصور الحزب بمثابة شيعة منعزلة ) ” لا ينبغي الاعتقاد بان منظمات الحزب ينبغي ان ألاّ تضم سوى ثوريين محترفين ” — لينين : الاعمال ، المجلد 6 ص 524 — ) ، بل انها علاقة حية للجزء بالكل ، عضوية وطبيعية ، لا علاقة خارجية . فلا يمكن القول مثلا ان الحزب يمثل الفكر والجماهير ، والعزم والطاقة ، لأن الفكر يولد من الممارسة ، وهذان ، ذاتهما ، اذ يكونان من ألجماهير، فان الحزب يحملهما الى درجة عليا من القوة والقدرة والجبروت . فأين تنظيمات الحركة الماركسية المغربية من كل هذا العمل الجبار الذي لا يعرف في طريق الهدف راحة او استراحة ؟ 
وبالرجوع الى كتاب لينين ( ما العمل ؟ ) ، سنجد ان للحزب مهمة جوهرية اساسية ، وهي حمل المعرفة العلمية الى الطبقة العاملة . يلاحظ ان جميع التحريفيين من نهجويين ومتياسرين جذريين او اماميين او تروتسكيين يهاجمون بغضب موضوعة لينين المركزية هذه ، قائلين ومرددين وبنبرات مختلفة بأنها اساس انحراف ، من شأنه استبدال الطبقة العاملة بالحزب على مسرح التاريخ والأحداث . ولنلاحظ ببساطة ان النظرية الاستبدالية هذه تعود الى تروتسكي والى محاولة نشرها في جنيف في 1904 ضد ” ما العمل ؟ ” تحت عنوان ” واجباتنا السياسية ” . ان تروتسكي شأن الدائرين في فلكه اليوم ، لم يكن يفهم اي شيء عن العلاقة الجدلية بين الحزب والطبقة العاملة ، ولم يكن يتصورها او يدركها إلاّ على نمط تراتبية معسكرة ( إيرارشية ) ، لا على اساس فعل متبادل ؟ لذا فان التشهير بكتاب لينين ” ما العمل ؟ ” هو سمة ثابتة ودائمة من سمات الانتهازية اليمينية في شكلها التروتسكي او الكاوتسكي او في شكلها النقيض اليسراوي الصبياني المراهق .
ومن اجل جعل الترابط المتبادل بين الحزب والجماهير حميميا ودائما ، كان لينين يوصي منذ عام 1902 في ” رسالة الى رفيق ” – لينين : المؤلفات ، المجلد 6 ، ص 233 – 255 — ، بإنشاء حلقات مؤسسات في المصانع والتي تحولت من بعد الى خلايا مؤسسات ، وكان يقول ينبغي ان تكون كل مؤسسة قلعة لنا .
وحين كان في باريس في بداية 1909 اعطى مؤسس الحزب الشيوعي البلشفي تعريفا مرموقا للمهمات التي ينبغي ان تأخذها على عاتقها منظمات منظمة الحزب القاعدية : ” يجب ان تصبح كل خلية وكل لجنة عمالية للحزب نقطتي ارتكاز للعمل التحريضي والدعائي والتنظيمي العملي التطبيقي بين الجماهير ” ، اي ان يذهبا حتما ودون خطأ ، الى حيث يذهب الجمهور وسواد الناس ، وان يجهدا عند كل خطوة لحشد وعيهم في اتجاه الاشتراكية ، وربط كل مسألة خاصة بمهمات البروليتارية العامة ، وجعل كل مبادرة في الميدان التنظيمي تخدم التجمع الطبقي ، كما يجب الظفر بعزمهما وطاقتهما ورتبهما ونفوذهما الايديولوجي ، وليس فقط بألقابهما ورتبهما ، اي التنافس على الزعامات باقتسام المهام في المقاهي والحانات ، وتدخين سجائر الوينسطن والمارلبورو .
ان ارتباط الحزب بالجماهير يتطلب بصورة خاصة صحافة وكتبا ومنشورات وكراسات ومراسلات تكون لغتها بسيطة وأسلوبها مباشرا ، اي تنفد بالسرعة والسهولة الى وعي العمال والفلاحين والجماهير المستضعفة ، لا ان تتم بلغة غاية في التعقيد مستعصية عن الفهم . هذا ما فشل فيه الماركسيون ونجح فيه الاسلاموين الذين يحتلون الساحة اليوم ؟ كما ان هذا الاسلوب البسيط في المخاطبة والتخاطب كان لغة لينين ، حيث لم يكن كلامه يؤدي الى التشويش ابدا ، ولم يكن يسمح بالالتباس عند الآخرين . ان قرار المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية حول دور الحزب سيولّف ( توليف او تركيب ) بين النظرية الماركسية اللينينية والحزب في الصيغة التالية : 
” الحزب الشيوعي هو جزء من الطبقة العاملة ، الجزء الاكثر تقدما ، والأكثر وعيا ، وبالتالي ، الاكثر ثورية . والحزب الشيوعي قد انشئ على اساس الانتقاء الطبيعي لأفضل العمال ، الاكثر وعيا ، والأكثر اخلاصا ، والأكثر استنارة ووضوح رؤية . وليس للحزب الشيوعي مصالح اخرى سوى مصالح مجموع الطبقة العاملة ، وهو يتميز عن كل السواد العمالي والجماهيري في انه يسيطر بنظرته على كل الطريق التاريخية للطبقة العاملة في مجملها ، ويجهد لكي يحمي في جميع انعطافات والتفاتات هذه الطريق ، لا مصالح بعض الجماعات المنعزلة او بعض طوائف الحرف المقفلة ، بل مصالح الطبقة العاملة في مجملها . ان الحزب الشيوعي هو ، من وجهة النظر السياسية والتنظيمية ، الرافعة التي يقود بها جزء الطبقة العاملة الاكثر تقدما كل كتلة البروليتارية وشبه البروليتارية في الطريق الصحيح ” . ان ماركس نظر لحزب يملك ويحقق الهيمنة العمالية ، وبخلاف الفوضويين وباكونين الذي كان يعتمد على الجماهير الفلاحية وعلى الشبيبة اللاطبقية وعلى البروليتارية الرثة غير المنظمة في اطارات ثورية ، واصفا عمال المصانع بالبرجوازيين . ان اساس قوة الحزب هو في الوحدة والتلاحم والطاعة والانضباط. لذا كان لينين يعلم بان احد الشروط الاساسية لنضال ظافر يخوضه الحزب في سبيل قضية الاشتراكية والشيوعية ، هو وحدة وتلاحم الحزب ، والانضباط المؤسس على عمق القناعات ، وعلى ضمير الشيوعيين وإخلاصهم . ان الحزب يتطلب الكثير من منتسبيه ، وحتى حين يكونون في الحكم ، فانه لا يمنحهم اي امتياز ، فأين هذه الحقيقة مما يجري اليوم في الساحة الوطنية من حيث تعدد التيارات والمجموعات البارعة في ضرب بعضها من تحت الحزام ، ولا تعمل شيئا في سبيل وحدة الحركة الشيوعية المغربية. وهل بهذا الوضع الملتبس يمكن مواجهة القروسطوية الاسلاموية المهددة للاختيارات المستنيرة التي ضحى من اجلها جيلين من خيرة شباب الحركة الماركسية .
الحزب واليسراوية الصبيانية :
اذا عدنا الى الاعمال الخالدة للينين ، سنجد ، انه منذ بدء القرن الماضي ، كانت له مواقف خاصة من النزعة اليسراوية الفوضوية التي تعجل وتسهل القضاء على العمل الحزبي الثوري الحقيقي قبل بلوغ اهدافه المرسومة . كان لينين يستهزئ مثلا بشعار اصدقاء تروتسكي ” ان نكون ثوريين اكثر من الجميع ” ، مبينا ان هذا الشعار الصالح ل ” الاشتراكيين – الثوريين ” من الممكن جدا ان تختبئ وراءه افكار رجعية لا علاقة لها بالثورة او بالثوريين الحقيقيين الذين اعتبر مواقفهم اندفاعية حماسية اكثر منها براغماتيكية واقعية .
يقول لينين : ” اننا لا نفكر في مزاحمة ثورية الديمقراطي المنعزل عن الارضية الطبقية ، والذي يتظاهر بالعبارة ، والميل الى الشعارات الشائعة والرخيصة … وبالعكس ، فسيكون لنا دائما امام هذه الثورية موقف انتقادي ، وسنفضح المدلول الحقيقي للأقوال .. مع تعلم التمييز ببرودة بين الطبقات والفوارق الدقيقة داخل الطبقات في اسخن لحظات الثورة .. ” ( لينين : الاعمال الكاملة ، المجلد 8 ، ص 290 — 291 ) .
كان لينين يدعو البروليتارية الثورية الى نبذ اتباعية البعض البائسة ، وعبارة الآخرين الثورية ( المرجع ذاته ص 292 ) ، والى النضال على الجبهتين :
الجبهة اليمينية الاصلاحوية التي مثلها باكونين وتروتسكي والتحريفيين التصفويين الذين كانوا يتصرفون كأشباه ليبراليين ، والآخرين الذين كانوا يرفضون امكانات العمل الشرعية بالتصرف كأشباه فوضويين .
وفيما بعد رأينا لينين في كتابه ” المرض الطفولي ” يناضل ضد يساريي الحركة الشيوعية الدولية ، كذلك شاهدناه يشن حملة في روسيا ضد الشيوعيين المتياسرين بشعاراتهم الداعية الى ” الحرب الثورية ” وتقدير ” الثورة ” التي كان لينين يجابهها بفكرة انجليز : ” لا يوجد مؤكد سوى هذا : ان البروليتارية الظافرة لا تستطيع ان تفرض سعادة ما على شعب اجنبي دون ان تقوض ، في الوقت ذاته ، سعادتها ” .
لقد شاهدنا لينين يحارب يسارية المعارضة العمالية والانحراف الفوضوي النقابي ، ويدحض شعار بوخارين حول ” ديمقراطية الانتاج ” الذي كان يمكن تفسيره ضد مبدأ القيادة الموحدة للمؤسسات والمصانع ، وإدانة الفكرة اليسارية ، وانه كان يمكن جمع العمل الصدامي في الانتاج مع نزعة المساواة في الاستهلاك .. لخ .
لقد ميز لينين بعمق الافاق المشتركة للتيارين المضادين للماركسية ، الانتهازية اليسارية التي ترفض كل تسوية وترفض كل شيء من اجل لاشيء ، والانتهازية اليمينية التي ترى في التسوية والكولسة في احيان اخرى ، روح سياسة مسماة واقعية ، وهي المضادة للتحفظ الصلب ، المبدئي ، الدوغمائي والجامد عقائديا . ان التسوية لا تتدخل ابدا عند لينين إلاّ بترابط متبادل مبدئي ، وبمثابة وسيلة لأجل بلوغ المرحلة التالية بصورة افضل .
هذا وليس صدفة المصادفة ان النخبة المرتدة والمتراجعة والتبريرية في مغربنا اصبحت تصفق بطيبة خاطر كبيرة للتحريفيين اليمينيين منهم واليساريين على السواء . فأن نكون ثوريين اكثر من الجميع ” البديل الجذري او الاماميون الثوريون ” او حتى ” فصيل النهج الديمقراطي القاعدي الطلابي ” ذلك هو نوعا ما ، الشعار الذي استعاده اليوم الماويون من التروسكيين ، ولكن كيف لا يلاحظ المرء ان الموحين والداعين ب ” الثورة الثقافية ” في صين ماوتسي تونغ قد فتحوا النار قبل كل شيء على هيئات الاركان والقيادات ، اي على الحزب الثوري للطبقة العاملة ، وعلى الشبيبة الشيوعية ، وعلى النقابات .. لخ .
انه بالرغم من يسراوية الشعارات الثورية ، فان الامر يتعلق هنا برد فعل برجوازي صغير نموذجي امام مبدأ الاشتراكية الاساسي ، الدور القيادي للطبقة العاملة . ان النظام البيروقراطي والعسكري ، والتعسف والاستبداد وازدراء الشرعية الاشتراكية ، يضاف اليهما ديماغوجية اجتماعية مسعورة ، قادا الصين الى تحويل الحزب الشيوعي الى ذيل للجيش ، الذي من جهته اخذ يتحول اكثر فأكثر نحو نمط الجيش المحترف . لقد تحولت اليوم الصين الى امبريالية متوحشة تغزو العالم بقاراته الخمس ، وأضحت على المستوى الداخلي عبارة عن غيتو للاحتجاز واستغلال العمال والفلاحين باسم شيوعية مفترى عليها تؤسس لاستبداد المسيطرين على الحزب الذي لم يعد عماليا ، والجمهورية الامبريالية التي لم تعد شيوعية .
الشكل التنظيمي للحزب الشيوعي :
اللجنة المركزية :
ان لينين هو مبدع القيادة الجماعية لقيادة الحزب الشيوعي حتى لا يكون استئثار بالقرار وتفرد بالتوجيه ، وشيوعا للاستبداد والتحكم ، لذا فان لينين اعطى اهمية لدور اللجنة المركزية في الحزب في اتخاذ القرارات وفي اختيار التوصيات ، ومن ثم فان ، لا الامين العام للحزب ، ولا المكتب السياسي ينبغي لهما ان يطمسا دور اللجنة المركزية في اتخاذ القرارات . يقول لينين ” ان اللجنة المركزية هي التي تسهر ، بين مؤتمر وآخر ، على مبادئ الحزب وتفسرها ” .
اذن من المنظور اللينيني ، فان التجربة الجماعية ، والحكم الجماعي للجنة المركزية ، هما ضمان صحة القيادة التي تستند في عملها على العلمية والطاقة الخلاقة والمبادرة الشعبيتين .
ان عبادة الفرد المستشرية في جميع المنظمات الماركسية المغربية ، حيث استمرار نفس الوجوه في احتكار العمل السياسي الحزبي لأكثر من اربعين سنة خلت ، هي تصرفات غريبة عن الماركسية ، وتتناقض تناقضا فاضحا مع مبدأ القيادة الجماعية . وهي من جهة اخرى ، ليس فيها اي شيء مشترك مع المفهوم الماركسي اللينيني ، للدور الرفيع للقادة ومسؤوليتهم ، الذين كان لينين ينوه بسلطتهم الضرورية .
ان الماركسيين الثوريين الحقيقيين لا يستطيعون التمسك بوجهة النظر الكلاسيكية للمثقف الثوري المتطرف الذي يرفض كل سلطة مدعيا الثورية . ان الطبقة العاملة في معركتها الاساسية والمصيرية لأجل التحرر التام ، تحتاج الى سلطات ، ولكن ، وهذا شيء بديهي ، بالمعنى الذي يحتاج فيه العمال الشباب الى تجربة المناضلين القدامى الذين كونتهم الاضرابات والحركات الشعبية ، والاتصال بالتقاليد الثورية ، ومجابهة الاوضاع السياسية المختلفة جدا . لقد كتب لينين في كتابه ” مرض الطفولة ” : ” ان الاحزاب السياسية تقودها ، بوجه عام ، جماعات ثابتة الى هذا الحد او ذاك من اشخاص يجمعون الحد الاقصى من السلطة ، والتأثير والخبرة ، وهم ’يحملون عن طريق الانتخاب الى الوظائف الاكثر مسؤولية والذين يسمون قادة ” . اذن ان شرط سلطة القادة ، هو الارتباط الدائب والدائم بالجماهير ، وبالكفاية التي يشهد بها النشاط النضالي . ان القادة ليسوا اشخاصا يقومون بالتنظير دون نهاية ، لكنهم يجب ان يؤكدوا تنظيراتهم وتصريحاتهم بالعمل الملموس على الارض .
ان ما يلاحظ عل مختلف التنظيمات الماركسية المغربية هو كثرة التنظير من فوق ، وعوض الانغماس وسط الجماهير لتوعيتها ، يفضلون الاكتفاء بتجسيد امهات الكتب الماركسية على ارضية تزخر بمتناقضات يغلب عليها الامية والغيبية ، وتنفر من كل عمل او اتجاه تنويري ، حتى وان كان يخدمها ويخدم مصالح ابناءها . اما القيادة فهي موضة تمّكن ( الزعيم ) المستحوذ من تأثيث التنظيم والقيادة ، بالمريدين الخنوعين والوصوليين والانتهازيين ، مع استمرار نفس الوجوه بما يبشر لممارسات غريبة تجسدها عبادة الشخصية ، وكأن القائد يتصف بطهرانية يصعب التشكيك والتقليل منها . فما الفرق بين عبادة شخصية الزعيم الابدي ، وعبادة الصنم او الإلآه ؟
الديمقراطية الداخلية : 
ان الديمقراطية تعني اتخاذ القرارات المصيرية للحزب بالأغلبية المطلقة ، على ان يشارك في النقاش جميع الاعضاء ، ودون استثناء تيار ، او مناضل معارض . لكن بمجرد اتخاذ القرار من طرف الاغلبية ، يصير لزاما على الاقلية التقيد والانضباط بما اقرته الاغلبية ، لأن في عدم الانضباط بالتوجيهات ، تخلق اهم العوائق التي تهدد وحدة الحزب وتماسكه مصدر قوته ، انها الانشقاقات والانقسامات التي يستفيد منها بدرجة اولى عدو الحزب . لذا فان التزايد الاقصى للنشاط السياسي ، ومبادرة الشيوعيين ، لا ينفصلان حسب رأي لينين عن التقيد الصارم بمبدأ المركزية الديمقراطية . وسنلاحظ انه منذ عام 1907 كان لينين يقول ، إن المسائل الاكثر اهمية ، وعلى الاخص تلك المرتبطة مباشرة بأعمال محددة للجماهير ذاتها ، يجب ان تقرر الزاميا في اطار الديمقراطية ، اي بمشاورة الجميع .
اذن حين تكون ارادة الاكثرية قد تحددت والقرار قد اتخذ ، فان جميع اعضاء الحزب يتصرفون تصرف رجل واحد ، اي كل شيء يناقش ويقرر وينفد بصورة مشتركة .
ان اندماج الديمقراطية الداخلية ، والانضباط هو الذي يصنع قوة الحزب . ان الديمقراطية الداخلية تفترض بصورة خاصة حظر الانقسام والتجزئة ، لأنهما المرض المضر بوحدة الحزب والمؤثر على قوته . لذا فان منع الشيع والفرق يصبح امرا ضروريا من الوجهة العملية وباسم الوحدة النضالية . لكن ايضا فان الاستماع الى وجهة نظر الطرف المقابل ، يبقى امرا مشروعا وضروريا ، ما دام يتم ضمن قوانين الحزب ووحدته ، لأن هذا الحق في النقاش وإبداء وجهة النظر المخالفة ، هو الذي يضفي على الحزب صفة الديمقراطية الحقيقية . وهنا ليس من الصدفة ان نجد بطريرك البيروقراطيين تروتسكي محامي الانعزال والتشيع يقف دائما وراء ضرب الديمقراطية الداخلية في الحزب ، وانه منذ 1923 اثناء مرض لينين وهو يدفع باتجاه التجزئة ، وفرض الدكتاتورية بذريعة النضال ضد التبعية السلبية ، وانعدام الشخصية في الحزب ، وهو بصفته ناطقا بلسان الاتجاهات البرجوازية الصغيرة ، كان يدوس بالأقدام وحدة الحزب وتلاحمه ، لذا فقد اجتهد في اثارة الحز ضد مبادئه ، والشباب ضد الشيوخ ، والطلبة ضد العمال ، فكان بذلك اشد خطرا على وحدة الحزب مصدر قوته .لقد تصدى لينين لهذه المناورات البرجوازية الصغيرة ، وكان يعتبر تعريتها وفضحها دليل صحة وقوة الحزب الواثق من دعم الشعب له . 
كان لينين مؤسس حزب البلاشفة يعلم بان الشيء الاساسي في النشاط التنظيمي ، هو اختيار الاشخاص ومراقبة التنفيذ ، ومن ثم فهو راهن على نطاق واسع ان تكوين الاطر وإعادة تأهيلها يتخذان اهمية تكون اكبر اليوم ، لا سيما وان الوضع السياسي والاجتماعي يزدادان تعقدا ، وان الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية يزداد خطورة . ان الاهتمام والتركيز على التربية الحزبية كانت مجهولة كليا من الاحزاب الانتهازية للأممية الثانية . انه بالعكس في نظر لينين يكون طابع اساسي جوهري للحزب الشيوعي الخلاق المتمسك بالتقاليد والمبادئ الثورية وضد التحريفية والاصلاحية واليسراوية .
بدون نظرية ثورية ، لا حركة ثورية :
على الحزب الشيوعي معرفة الاشتراكية العلمية ، كما ان عليه تطويرها . ان دراسة ونشر اعمال لينين هو بالنسبة للشيوعيين واجب اولوي الاهمية يرتفع الى درجة المقدس ، ومن ثم فان هذه الدراسة تحمي الشيوعيين الافذاذ مما يقدم لهم من مقتطفات لينينية محرفة ومخدومة ، لان الانكباب على قراءة الاعمال الكبرى للاشتراكية العلمية هو الذي سيساعد المناضلين الشيوعيين ان يروا بصورة اكثر وضوحا آفاق وطرق الثورة.
ان مصادر الانتهازية الاشتراكية الديمقراطية ، هي في شطر كبير منها ، التقليل من اهمية النظرية والثقة العمياء في العفوية . واذا كان البرجوازيون الصغار الذين ينادون باليسارية او اليسراوية ، قادرين على التفكير فيما يقولون حين يعلون من شأن العنصر العفوي ، وفقدان القيادة الواعية المتبصرة .. لخ ، فإنهم بعملهم الصبياني هذا يضعون انفسهم مع التحريفيين اليمينيين . لذا فان الشيوعيين الاشداء يكونون دائما محصنين ضد مرض اليسراوية ومرض اليمينية التحريفية المضرين بالحزب ، وذلك بالتزامهم في توجههم باللينينية .
واذا كان الحزب ينشر النظرية العلمية ويدافع عنها ، فلا ينبغي له ابدا ان يجعل منها قرآنا منزلا او صلاة دائمة ، بل عليه الاجتهاد ليعثر على الاجوبة الصحيحة عن جميع الاسئلة المحرجة التي يطرحها عليه التاريخ ، وذلك بتحليل المعطيات الملموسة ودائما بأعصاب باردة . لقد كان لينين يعلم ان الماركسية تقوم في معرفة تحديد السياسة الواجب تطبيقها بالنظر الى الظروف ، اي استعمال الارادة في اقتحام الاحداث ليجبرها على تغيير سيرها ومسارها . ان النزعة الحتمية القدرية تتراجع امام الارادية ، وان الثورة ليس لديها اي شيء عفوي ، بل يجري تحضيرها كما تحضر الحرب .
واذا كان لينين قد استطاع تحطيم السلسلة الامبريالية ، وقيادة الشغيلة الى الاستيلاء على السلطة ، وبدء بناء الاشتراكية ، واذا كان قد استطاع ليس فقط تحديد المهام الاساسية ، بل وتنفيذها ايضا ، فان السبب الحاسم في ذلك ، هو انه لم يكتف بالاطروحات والنظريات العامة ، بل انه عمد دائما الى التحليل الملموس لكل مرحلة من مراحل الحركة . 
ان لينين هو الثوري الذي اطلق شعار انتفاضة اكتوبر ، لكن لينين هو ايضا المناضل الذي لا يخشى ان يقول بعد ذلك ببضعة اشهر ، ايام بريست لوتوفسك ، ان هذا التحول المحدود عن التوجهات العامة للحزب ، هو من اجل الحفاظ على السلطة العمالية . وبعد ذلك بثلاثة اعوام كان لينين يصرح بان علينا تحقيق السياسة الاقتصادية الجديدة ، وعلينا التخلي على الارض في علاقتنا مع البرجوازية الصغيرة والبرجوازية ، للتمكن من التقدم اثر ذلك في بناء المجتمع الاشتراكي . ولعل هذه المرونة الملتصقة بالحس الملموس ، هي التي اراد غوركي ابرازها جيدا حين كان يقول بصيغة ربما غير نوعية ” ان لينين كان يلوي الافكار مباشرة عقب ما كان الشعب يتطلب ذلك ” . 
كان لينين يوصي الحزب الشيوعي باستيعاب جميع قوى النضال ، فكان يذكّر في كتابه “المرض الطفولي للشيوعية ( اليسارية ) ” بان من الضروري في السياسة ” ان يعرف كيف يجعل من جميع الاشكال ، سواء اكانت قديمة ام جديدة ، اداة لانتصار الشيوعية ، انتصارا نهائيا وكليا ، حاسما ولا رجوع فيه ” . اي ، إن إيلاء قيمة مطلقة لشكل ما ، سيكون معناه السقوط في التحجر العقائدي . بل انه ينبغي بالعكس اتخاذ اي موقع يستجيب باستمرار من وجهة نظر تاريخية . ان الماركسية في نظر لينين لا تقتصر في اي حال من الاحوال على اشكال النضال الممكنة والموجودة في لحظة معينة ، بل انها تقر بان اشكال نضال جديدة ، غير معروفة لدا مناضلي فترة معينة ، لا مرد لها مع تغيير الظرف الاجتماعي المعطى . وهنا لابد من التذكير بالكيفية التي كان يكتب بها الى الشيوعيين الجورجيين ناصحا اياهم بعدم التمسك بالخطة الاولية الروسية ، بل ينبغي لهم ان يتبعوا طريقتهم هم انفسهم لحل قضاياهم مثل المسائل التي تطرحها العلاقات مع البرجوازيتين الصغيرة والمتوسطة .
لقد ردد لينين مرارا ان الحركة الثورية الدولية للبروليتارية لا تسير ولا يمكنها ان تسير بنفس الخطوات وتحت اشكال متماثلة في مختلف البلدان . ان لينين يرى ان جميع الامم ستأتي الى الاشتراكية ، وهذا شيء لا مرد له ، ولكنها لن تأتي اليها بصورة متماثلة كليا ، بل ان كلا منها سيقدّم اصالته في هذا الشكل من الديمقراطية او ذاك ، وفي هذه الصيغة او تلك من صيغ دكتاتورية البروليتارية ، وفي هذا الايقاع او ذاك من ايقاعات التحولات الاشتراكية لمختلف وجوه الحياة الاجتماعية . فلينين كان يحب القول ان الماركسية تتميز عن جميع النظريات الاشتراكية الاخرى ، بواقع انها تعرف ان تمزج التحليل العلمي للوضع الموضوعي للامور ، مع الاقرار الاكثر تصميما للأهمية المرتبطة بالعزم الثوري ، وبالقدرة الابداعية الثورية للجماهير والمنظمات والافراد .
وفي الوقت ذاته ، سنجد ان لينين كان يلح على الخصائص العامة للحركة العمالية الثورية ، وحول مظاهرها المشتركة لدا جميع البلدان . وكان يؤكد على انه في روسيا يتقرر مصير الرأسمال لا الروسي فقط ، بل والدولي ايضا . ” ان سمات معينة اساسية جوهرية لثورتنا هي ذات اهمية ليس محلية ، ولا وطنية بصورة خاصة ، وليس فقط روسية ، وإنما دولية ” ( لينين : المؤلفات ، المجلد 3 ، ص 75 و 76 ) .
ان الروح الخلاقة الحقيقية لا تكمن ، كما يتصور ذلك البعض ، في تجاهل القوانين العامة للنضال الثوري وبناء الاشتراكية ، التي اكتشفها العلم وأكدتها التجربة ، وإنما في تحليل الشروط الملموسة والحسية لتطبيقها ، وأشكال ظهورها النوعي في كل مرحلة جديدة من التطور والنمو الاجتماعيين ، في كل بلد على حدة .
اذن بدون نظرية ثورية ، لا حركة ثورية ، وهذا ما دفع الماركسي عبدالسلام المودن ان يقول عند تبرير خروجهم عن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وتأسيسهم لمنظمة 23 مارس ، واصفا الحزب المذكور ” لا نظرية نظريته ، والتحريفية ممارسته ” . 
وقبل الختم نؤكد ان الشكل التنظيمي الذي اعتمدته منظمة الى الامام غداة خروجها في 20 غشت 1970 عن حزب التحرر والاشتراكية ، وان كان يجيب على الفترة الحرجة ، إلاّ انه لا علاقة له بالشكل التنظيمي الذي اعتمده الحزب الشيوعي الروسي . وقد ظل ذاك التركيب الهيكلي جامدا بسبب التراكمات والمراجعات التي افضت الى الانسحابات والانشقاقات ، كما ان الشكل التركيبي والتنظيمي لحزب النهج الديمقراطي لا علاقة له بالشكل التنظيمي للحزب الشيوعي الروسي ، وهذا ربما عملا بالخصوصية المحلية في الوصول الى الاشتراكية ، ما دام ان الهدف هو سيطرة الحزب على السلطة . وهذا ما قصده لينين في رسائله الى الشيوعيين الجورجيين ، وهو ما قصده عندما الح على التمايز والاختلاف في الميكانيزمات والأدوات الكفيلة بالوصول الى الحكم .

 

سعيد الوجاني

عن admin

Profile photo of admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

التخطي إلى شريط الأدوات